بقلم: الباز عبدالإله
نبيلة منيب تعيد ملف الأوضاع الاجتماعية بالمغرب إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما اتهمت السياسات العمومية بالتسبب فيما وصفته بـ«الإفقار الممنهج» للمواطنين، محذرة من تنامي الاحتقان الاجتماعي، ومستحضرة أزمة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، ووضعية نحو ثلاثة ملايين شاب خارج العمل والتعليم والتكوين، إلى جانب اختلالات المنظومة الصحية وقضية البروفيسور رشيد شرقاب.
وقالت النائبة البرلمانية عن تحالف اليسار، في تصريحات صحفية نشرها موقع «لكم» الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، إن المغاربة تعبوا من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، معتبرة أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد لم تجد، وفق تقييمها، الاستجابة المطلوبة للمطالب المرفوعة، بل قابلتها اعتقالات طالت عدداً من المشاركين فيها.
واستحضرت منيب في هذا السياق معتقلي حراك الريف وشباب احتجاجات «جيل زد»، معتبرة أن استمرار المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، دون تقديم حلول كافية، قد يؤدي إلى تعميق الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات.
وحذرت البرلمانية مما وصفته بوجود جهات تسعى إلى دفع البلاد نحو الانفجار الاجتماعي، وهو اتهام سياسي لم تحدد في تصريحاتها الجهات المقصودة به أو تقدم أدلة مستقلة تثبت وجود مخطط من هذا النوع.
المصدر الأصلي | لكم – تصريحات نبيلة منيب، 27 أكتوبر 2026
نبيلة منيب تستحضر أزمة سبتة و2.9 مليون شاب خارج العمل والتعليم
وضعت نبيلة منيب أحداث العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة ضمن المؤشرات التي تستدعي، في نظرها، مراجعة طريقة التعامل مع الأوضاع الاجتماعية للشباب، متسائلة عن الأسباب التي دفعت عشرات الآلاف إلى محاولة الوصول إلى المدينة خلال نهاية يوليوز الماضي.
وانتقدت ما اعتبرته غياب أجوبة كافية بشأن عبور نحو 80 ألف شخص، وصفتهم بالمغاربة، معتبرة أن التعامل مع الواقعة ينبغي ألا يقتصر على بعدها الأمني، بل أن يشمل الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى الهجرة.
غير أن التدقيق في الحصيلة يكشف اختلافاً بين الرقم الذي استحضرته منيب والمعطى الذي أكدته الحكومة الإسبانية.
فقد أوضحت السلطات الإسبانية، يوم 10 غشت 2026، أن عدد الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية خلال أحداث 30 و31 يوليوز بلغ نحو 72 ألفاً، بعدما تحدث وزير إسباني عن 80 ألف شخص قبل أن توضح حكومته أن الرقم الأخير استُخدم للمقارنة مع عدد سكان المدينة.
كما لا تسمح المعطيات المتاحة باعتبار جميع العابرين مغاربة، بالنظر إلى عدم وجود توزيع نهائي موثق للجنسيات يثبت ذلك.
المصدر | وكالة EFE الإسبانية – توضيح الحكومة بشأن حصيلة 72 ألف عابر
وكان MarocActu24 قد تابع أزمة سبتة خلال جلسة برلمانية إسبانية يوم 3 شتنبر 2026، عندما عرض رئيس الحكومة بيدرو سانشيز معطيات بشأن ظروف العبور والتعاون الحدودي والتحقيقات الجارية حول ملابسات الأحداث.
اقرأ أيضاً | سانشيز أمام البرلمان: الدرك المغربي سمح بالعبور 10 ساعات.. ومدريد تحقق هل كان «عجزاً أم عدم تحرك»
2.9 مليون شاب خارج العمل والتعليم والتكوين
لم تقتصر انتقادات منيب على الهجرة، بل امتدت إلى وضعية الشباب غير المندمجين في سوق العمل أو المؤسسات التعليمية والتكوينية، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يكشف قصور السياسات المعتمدة لمعالجة البطالة والإقصاء الاجتماعي.
ويتقاطع الرقم الذي استحضرته البرلمانية مع نتائج دراسة رسمية قدمتها المندوبية السامية للتخطيط في أبريل 2026، بشراكة مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي.
فقد أحصت الدراسة نحو 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، استناداً إلى معطيات المسح الوطني للتشغيل لسنة 2023.
ويمثل هؤلاء 33.6 في المائة من مجموع الشباب في الفئة العمرية المعنية، فيما تشكل النساء نحو 72 في المائة منهم، وفق نتائج الدراسة.
ولا يعني هذا الرقم أن جميع الشباب المعنيين عاطلون عن العمل وفق التعريف الإحصائي للبطالة، إذ يشمل أيضاً أشخاصاً غير نشيطين اقتصادياً، من بينهم من لا يبحثون عن عمل لأسباب أسرية أو صحية أو اجتماعية.
وتكشف هذه المعطيات اتساع الفجوة بين التعليم والتكوين والاندماج الاقتصادي، لكنها لا تمثل حصيلة جديدة لسنة 2026، بل نتائج تحليل اعتمد بيانات سنة 2023 ونُشر خلال السنة الجارية.
المصدر الرسمي | المندوبية السامية للتخطيط – دراسة الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين، أبريل 2026
91% من نفقات العلاج نحو القطاع الخاص
انتقلت نبيلة منيب إلى انتقاد وضعية المنظومة الصحية، مستحضرة ارتفاع حصة القطاع الخاص من نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، في وقت تواجه فيه المستشفيات العمومية تحديات تتعلق بالموارد البشرية والتجهيزات وجودة الخدمات.
وقالت البرلمانية إن 91 في المائة من أموال التغطية الصحية تذهب إلى القطاع الخاص، وهو رقم يتوافق مع معطيات رسمية، لكنه يحتاج إلى تحديد نطاقه المحاسبي.
فقد أكد المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2024-2025، أن القطاع الخاص استحوذ خلال سنة 2024 على نحو 91 في المائة من نفقات خدمات العلاج في أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المائة للقطاع العام.
ولا تعني هذه النسبة أن القطاع الخاص يحصل على 91 في المائة من الميزانية العمومية لوزارة الصحة، وإنما تتعلق بتوزيع نفقات خدمات العلاج المؤداة في إطار أنظمة التأمين الإجباري عن المرض.
وأشار المجلس أيضاً إلى ارتفاع نفقات هذه الأنظمة من 13.62 مليار درهم سنة 2022 إلى 24.95 مليار درهم سنة 2024، أي بزيادة تقارب 83 في المائة.
وتطرح هذه الأرقام إشكال قدرة المستشفيات العمومية على الاستفادة من تمويل التأمين الصحي، ومدى ارتباط ذلك بجودة الخدمات وتجهيز المؤسسات الصحية وتوفر الأطر الطبية.
المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – أبرز محاور التقرير السنوي 2024-2025، الصفحة 33
قضية رشيد شرقاب تعود إلى الواجهة
ربطت نبيلة منيب انتقاداتها للمنظومة الصحية بقضية البروفيسور رشيد شرقاب، الأستاذ بكلية الطب بالدار البيضاء والرئيس السابق لمصلحة التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.
واستغربت الحكم الابتدائي الصادر في حق الطبيب يوم 21 أكتوبر 2026 عن المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، والقاضي بسجنه سنة حبسا نافذاً.
واعتبرت منيب أن اعتقال طبيب متخصص، في ظل الخصاص الذي تعرفه بعض التخصصات الطبية، يثير تساؤلات بشأن التعامل مع الأشخاص الذين يكشفون عن شبهات الاختلالات داخل المؤسسات العمومية.
وطالبت بإجراء تحقيق عاجل في الوقائع التي سبق لشرقاب إثارتها بشأن تدبير مستشفى ابن رشد.
غير أن ربط الحكم القضائي بالتبليغ عن الفساد يظل موقفاً تعبر عنه البرلمانية، ولا يمكن اعتباره سبباً قضائياً ثابتاً للإدانة دون الاطلاع على الحكم وتعليله.
وكانت تغطيات صحفية قد تحدثت عن اتهامات مرتبطة بالتشهير وانتحال الصفة النقابية، فيما لم تتوفر نسخة كاملة من الحكم تسمح بالتحقق المستقل من جميع الوقائع وأسس الإدانة.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول القضية من خلال تصريحات محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، الذي طالب بإطلاق سراح شرقاب وانتقد الإجراءات المرتبطة باعتقاله عقب النطق بالحكم الابتدائي.
اقرأ أيضاً | «الفوهة مصوبة نحو من يرفع صوته ضد الفساد».. الغلوسي يطالب بإطلاق سراح البروفيسور شرقاب
منيب تنتقد قانون المسطرة الجنائية وغياب تجريم الإثراء غير المشروع
امتدت انتقادات نبيلة منيب إلى قانون المسطرة الجنائية، معتبرة أن المقتضيات الجديدة تقيد دور المجتمع المدني والنيابة العامة في محاربة الفساد، وتضعف الضمانات المرتبطة بحماية المبلغين عن الاختلالات.
ويحدد القانون رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، شروطاً خاصة لإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام، من خلال إحالات وتقارير جهات محددة قانوناً، مع استثناء حالات التلبس.
كما تنظم المادة السابعة شروط انتصاب فئة من الجمعيات طرفاً مدنياً، ومن بينها الاعتراف بصفة المنفعة العامة والحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
غير أن هذه المقتضيات لا تعني حظراً عاماً على تبليغ المواطنين والجمعيات عن الفساد، إذ يختلف تقديم المعلومات للجهات المختصة عن الانتصاب طرفاً مدنياً أمام القضاء.
المصدر القانوني الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 7437 – القانون 03.23، المادتان 3 و7
وأثارت منيب أيضاً الاختلاف بين التعهد الذي أعلنته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري خلال تقديم تصريحها أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، بشأن تجريم الإثراء غير المشروع، وبين الصياغة المعتمدة في الوثيقة المكتوبة للبرنامج الحكومي.
وكانت المنصوري قد تعهدت شفوياً باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات.
غير أن مقارنة نشرتها صحيفة «صوت المغرب» يوم 21 أكتوبر أظهرت أن عبارة «تجريم الإثراء غير المشروع» لا ترد صراحة ضمن الجزء المتعلق بمحاربة الفساد في الوثيقة المكتوبة، التي تتضمن في المقابل إجراءات أخرى، منها مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي لتوسيع نطاق تجريم بعض صور المصالح غير المشروعة.
ولا يكفي غياب العبارة الصريحة وحده للجزم بتخلي الحكومة نهائياً عن التعهد، لكنه يطرح سؤالاً بشأن الصياغة التشريعية التي تعتزم اعتمادها والجدول الزمني لتنفيذ ما أعلنته رئيسة الحكومة.
المصدر | صوت المغرب – مقارنة التصريح الشفوي بالبرنامج الحكومي المكتوب
وتساءلت منيب عن الجهات التي قد تستفيد من استمرار الثغرات القانونية المتعلقة بمكافحة الفساد، معتبرة أن التناقض الذي تراه بين التصريحات الحكومية والنصوص المكتوبة يستدعي توضيحاً رسمياً.
وبين اتهامات «الإفقار الممنهج»، وأزمة سبتة، ووجود نحو 2.9 مليون شاب خارج العمل والتعليم والتكوين، تضع نبيلة منيب الحكومة أمام انتقادات سياسية تتصل بالسياسات الاجتماعية وبمدى قدرتها على استعادة الثقة في المؤسسات.
وتكشف الأرقام الرسمية التي استحضرتها، بعد ضبط نطاقها وتواريخها، عن تحديات فعلية في إدماج الشباب وتمويل العلاج، بينما تظل الاتهامات المتعلقة بوجود إرادة متعمدة لإفقار المواطنين أو دفع البلاد نحو الانفجار الاجتماعي مواقف سياسية لم تقدم المعطيات المتاحة دليلاً مستقلاً يثبتها.
