بقلم: الباز عبدالإله
ميزانية هيئة النزاهة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 تكشف مفارقة مالية لافتة، بعدما اقتُرحت زيادة لا تتجاوز 0.8 في المائة في اعتمادات التسيير وأداء الاستثمار، مقابل خفض بنسبة 80 في المائة لاعتمادات الالتزام المتعلقة بنفقات الاستثمار التي ستؤدى خلال السنوات المقبلة، في وقت تواجه فيه المؤسسة مطالب متزايدة بتعزيز الوقاية من الفساد ومعالجة الشكايات والتبليغات وتقييم السياسات العمومية.
وتُظهر مقارنة الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية رقم 60.26، الذي قدمته الحكومة إلى البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، مع اعتمادات سنة 2026، انتقال مجموع اعتمادات التسيير وأداء الاستثمار المخصصة للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها من 145 مليوناً و178 ألف درهم إلى 146 مليوناً و343 ألف درهم.
وبذلك، تبلغ الزيادة المقترحة مليوناً و165 ألف درهم فقط، بما يعادل نحو 0.80 في المائة من اعتمادات السنة السابقة.
غير أن قراءة هذه الأرقام تستلزم التمييز بين الاعتمادات المخصصة للأداء خلال السنة المالية، وتلك المرتبطة بالالتزام بنفقات استثمارية يمتد أداؤها إلى السنوات اللاحقة.
فالانخفاض البالغ 80 في المائة لا يتعلق بالميزانية السنوية الكاملة للهيئة، وإنما ببند مستقل يخص اعتمادات الالتزام المستقبلية.
ميزانية هيئة النزاهة في 2027.. أين ذهبت الزيادة؟
تتوزع الاعتمادات المقترحة لسنة 2027 على ثلاثة مكونات رئيسية، هي نفقات الموظفين والأعوان، والمعدات والنفقات المختلفة، واعتمادات أداء الاستثمار.
فعلى مستوى الموظفين والأعوان، يرتفع الغلاف المالي من 70 مليون درهم سنة 2026 إلى 70 مليوناً و393 ألف درهم في مشروع 2027، بزيادة لا تتجاوز 393 ألف درهم، أي نحو 0.56 في المائة.
ولا تكشف هذه المقارنة الإجمالية ما إذا كانت الزيادة مرتبطة بترقيات أو تسويات إدارية أو التزامات مالية قائمة، أو بتكاليف بشرية إضافية.
أما بند المعدات والنفقات المختلفة، فيظل مستقراً عند 46 مليوناً و350 ألف درهم، دون أي زيادة مقارنة بالسنة السابقة.
ويشمل هذا النوع من الاعتمادات النفقات المرتبطة بتسيير المؤسسة وأنشطتها، لكن معرفة توزيع المبلغ بين مختلف العمليات تقتضي الاطلاع على الوثائق التفصيلية لبرنامج الميزانية.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، ترتفع اعتمادات الأداء من 28 مليوناً و828 ألف درهم إلى 29 مليوناً و600 ألف درهم.
وتبلغ الزيادة في هذا البند 772 ألف درهم، أي نحو 2.68 في المائة.
ويستوعب الاستثمار بذلك قرابة 66.3 في المائة من الزيادة الإجمالية المقترحة للهيئة، مقابل 33.7 في المائة تقريباً لنفقات الموظفين والأعوان.
ولا تحدد هذه المجاميع وحدها طبيعة المشاريع التي ستستفيد من الزيادة، أو مراحل تنفيذها، أو الأثر المنتظر منها في تطوير قدرات الهيئة.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – مشروع قانون المالية لسنة 2027 والوثائق المرافقة
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – الميزانية المواطنة لمشروع مالية 2026، وتتضمن اعتمادات الهيئة
خفض اعتمادات الالتزام بـ80%.. ماذا يعني الرقم؟
يظهر التغير الأبرز في الاعتمادات المخصصة للالتزام بنفقات استثمارية تؤدى خلال السنوات المقبلة.
فبعد تحديدها في 10 ملايين درهم ضمن قانون مالية 2026، يقترح مشروع 2027 خفضها إلى مليوني درهم فقط.
ويمثل هذا التغير انخفاضاً قدره ثمانية ملايين درهم، أي 80 في المائة.
لكن اعتمادات الالتزام تختلف عن اعتمادات الأداء، لأنها ترتبط بالسقف المرخص للالتزامات المالية، خصوصاً في المشاريع التي يمتد تنفيذها وتسديد نفقاتها إلى أكثر من سنة.
وبالتالي، لا يعني الانخفاض اقتطاع ثمانية ملايين درهم من المبالغ المرصودة لأداء نفقات الهيئة خلال سنة 2027.
كما لا يثبت بمفرده إلغاء مشروع أو تقليص النشاط العام للمؤسسة، إذ قد يرتبط باستكمال عمليات سابقة أو تغير جدولة المشاريع الجديدة أو حجم الالتزامات التي يتوقع التعاقد بشأنها.
غير أن الفارق الكبير بين السنتين يستدعي توضيحاً بشأن المشاريع الاستثمارية متعددة السنوات التي تحتاجها الهيئة، وطبيعة الالتزامات التي كانت مبرمجة سابقاً، وما إذا كان غلاف المليوني درهم كافياً للعمليات المزمع إطلاقها.
ولا تسمح الأرقام الإجمالية وحدها بالجزم بأن تقليص اعتمادات الالتزام سيؤدي إلى تعطيل مشاريع مكافحة الفساد، مثلما لا تكفي الزيادة المحدودة في اعتمادات الأداء لإثبات أن الموارد المقترحة تستجيب لجميع احتياجات الهيئة.
20 منصباً مالياً للهيئة.. هل تكفي الزيادة في نفقات الموظفين؟
تتضمن وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2027 معطى إضافياً يتعلق باقتراح إحداث 20 منصباً مالياً لفائدة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
ويكتسب هذا الرقم أهمية عند مقارنته بالزيادة المحدودة في بند الموظفين والأعوان، التي لا تتجاوز 393 ألف درهم مقارنة بالسنة السابقة.
لكن المناصب المالية المرخص بإحداثها لا تعني بالضرورة أن العدد نفسه من الموظفين سيُوظف فعلياً منذ بداية السنة، أو أن كلفة شغلها ستُمول بالكامل من فارق الاعتمادات بين السنتين.
فالحسم في هذه المسألة يتطلب معرفة طبيعة المناصب، والجدول المتوقع لشغلها، وكيفية احتساب تكاليفها، والتوزيع التفصيلي لاعتمادات الموظفين.
ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد المناصب المقترحة، بل بمدى قدرة المؤسسة على تحويلها إلى تعزيز فعلي لكفاءاتها البشرية والتقنية.
وتزداد أهمية الموارد البشرية بالنسبة إلى هيئة تتولى مهام تتعلق بتلقي الشكايات والتبليغات ودراستها، ورصد مخاطر الفساد، وإعداد الدراسات والتوصيات، وتقييم السياسات والبرامج العمومية المرتبطة بالنزاهة.
المصدر | Le360 – توزيع المناصب المالية بمشروع قانون المالية 2027
742 ملفاً و46% من مشاريع مكافحة الفساد غير مكتملة
تأتي مناقشة ميزانية الهيئة بعد أيام من تقديم رئيسها محمد بنعليلو، يوم 16 أكتوبر 2026، حصيلة مؤسساتية كشفت استمرار تحديات تنفيذ السياسات العمومية لمكافحة الفساد.
فوفق المعطيات الرسمية التي أعلنتها الهيئة، انتقل عدد الملفات والتبليغات المتوصل بها من 92 ملفاً سنة 2024 إلى 420 ملفاً سنة 2025، قبل بلوغه 742 ملفاً خلال سنة 2026 إلى تاريخ تقديم الحصيلة.
ولا تعني هذه الأرقام ثبوت وقوع جرائم فساد بالعدد نفسه، إذ تشمل ملفات وتبليغات تحتاج إلى الدراسة والتحقق وتحديد الاختصاص والمآل القانوني.
لكن ارتفاع عدد الملفات المتوصل بها يطرح أسئلة بشأن الموارد البشرية والتقنية المطلوبة لمعالجتها ضمن آجال مناسبة.
وفي تقييم آخر للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الممتدة بين 2015 و2025، كشفت الهيئة أن نسبة المشاريع المنجزة بالكامل لم تتجاوز 54 في المائة.
وبذلك، ظلت 46 في المائة من المشاريع غير مكتملة عند انتهاء الأفق الزمني للاستراتيجية.
وربطت الهيئة جوانب من هذا التعثر بقصور آليات القيادة والتنسيق وغياب منظومة متكاملة لتدبير الأداء والمخاطر، وليس بنقص الموارد المالية وحده.
ويعني ذلك أن تحسين نتائج مكافحة الفساد يتطلب معالجة جوانب الحكامة والتنسيق والتنفيذ، إلى جانب التأكد من كفاية الموارد المخصصة للمؤسسات المعنية.
المصدر الرسمي | الهيئة الوطنية للنزاهة – تقديم التقرير السنوي لسنة 2025 وتقييم الاستراتيجية الوطنية، 16 أكتوبر 2026
وكان MarocActu24 قد كشف في مادة سابقة أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد لم تعقد سوى اجتماعين منذ إحداثها سنة 2017، رغم أن المرسوم المنظم لها ينص على اجتماعها مرتين سنوياً.
كما أبرزت المادة نفسها أن 46 في المائة من مشاريع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد لم تُستكمل، ما يفتح نقاشاً بشأن انتظام القيادة الحكومية للاستراتيجية وفعالية التنسيق بين المؤسسات.
اقرأ أيضاً | «اجتماعان في 9 سنوات».. مرسوم يفرض اجتماعين سنوياً و46% من مشاريع مكافحة الفساد لم تكتمل!
هل تتناسب اعتمادات الهيئة مع تحديات مكافحة الفساد؟
لا يمكن اختزال فعالية الهيئة الوطنية للنزاهة في حجم ميزانيتها وحده، لأن اختصاصاتها تتداخل مع أدوار المؤسسات الرقابية والقضائية والحكومية وغيرها من الجهات المكلفة بحماية المال العام.
كما أن نجاح مكافحة الفساد يرتبط بجودة التشريعات، وفعالية آليات التبليغ، والتنسيق بين المؤسسات، والقدرة على تنفيذ التوصيات وتتبع نتائجها.
غير أن الإمكانات البشرية والتقنية والمالية تظل عنصراً ضرورياً لإنجاز الأنشطة المسندة إلى الهيئة بموجب القانون.
وتطرح مقارنة ميزانيتي 2026 و2027 تساؤلات محددة بشأن مدى توافق الاعتمادات المقترحة مع حجم الملفات المتزايد، والحاجة إلى تطوير منظومة الرصد والتحليل، وإعداد التقارير والدراسات، وتتبع تنفيذ التوصيات.
كما تطرح الحاجة إلى معرفة المشاريع التي تفسر انخفاض اعتمادات الالتزام المستقبلية بنسبة 80 في المائة، في مقابل الزيادة المحدودة في اعتمادات الأداء.
وفي سياق ذي صلة، سبق لـMarocActu24 أن تناول تطور مؤشر إدراك الفساد بالمغرب، الذي انتقل من المرتبة 73 عالمياً سنة 2018 إلى المرتبة 91 سنة 2025، وفق بيانات منظمة الشفافية الدولية.
ويتعلق المؤشر بتقييم مستويات الفساد المدركة في القطاع العام، ولا يقيس مباشرة عدد الجرائم المثبتة أو حجم الأموال المختلسة.
لكن تطوره يضيف بعداً إلى النقاش بشأن النتائج الفعلية للإصلاحات والمؤسسات المكلفة بالنزاهة والوقاية من الرشوة.
اقرأ أيضاً | المغرب يتراجع 18 مرتبة في مؤشر الفساد.. وتقرير 2024 غائب عن موقع هيئة النزاهة رغم المصادقة على مشروعه!
من الأرقام إلى النتائج.. ما الذي يحتاج إلى توضيح؟
تضع ميزانية هيئة النزاهة المقترحة لسنة 2027 الحكومة والهيئة أمام مجموعة من الأسئلة العملية.
يتعلق أولها بحجم الاعتمادات التي طلبتها المؤسسة أثناء إعداد مشروع الميزانية، ومدى استجابة الغلاف المالي النهائي لهذه الطلبات.
أما الثاني، فيهم المشاريع التي ستستفيد من الزيادة البالغة مليوناً و165 ألف درهم، والمؤشرات التي ستُعتمد لتقييم أثرها على أنشطة الهيئة.
ويرتبط الثالث بتفسير خفض اعتمادات الالتزام للسنوات المقبلة من 10 ملايين إلى مليوني درهم، وما إذا كان ذلك يعكس تغيراً في الجدولة الاستثمارية أو انتهاء الحاجة إلى التزامات جديدة بالحجم السابق.
ويضاف إلى ذلك سؤال شغل المناصب المالية العشرين المقترحة، ومدى مساهمتها في تطوير قدرة الهيئة على معالجة الملفات وتنفيذ برنامج عملها.
ولا تسمح المعطيات الإجمالية المتاحة بالحسم في كفاية الموارد أو عدم كفايتها دون الاطلاع على البرنامج التفصيلي للأنشطة والمشاريع، ونتائج تنفيذ الميزانيات السابقة.
كما أن الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية تظل مقترحات معروضة على البرلمان، وليست اعتمادات نهائية نافذة قبل استكمال المسار التشريعي.
وبذلك، فإن ميزانية هيئة النزاهة لسنة 2027 تطرح سؤالاً يتجاوز المقارنة بين نسبتين: كيف يمكن قياس قدرة المؤسسة على أداء مهامها في مواجهة الفساد، في ظل زيادة سنوية محدودة في اعتمادات التسيير وأداء الاستثمار، وتراجع كبير في اعتمادات الالتزام المستقبلية؟
فالجواب لا يتحدد بمجرد ارتفاع الميزانية أو انخفاض أحد بنودها، وإنما بتوضيح الحاجيات الفعلية للهيئة، والمشاريع المبرمجة، والكلفة المتوقعة، والنتائج القابلة للقياس والمساءلة.
