بقلم: حسن اليعقوبي
عودة المهاجرين من سبتة إلى المغرب بلغت 13 ألفاً و101 شخص منذ 10 غشت 2026، وفق حصيلة كشف عنها وزير السياسة الترابية والذاكرة الديمقراطية الإسباني، أنخيل فيكتور توريس، الجمعة 23 أكتوبر، في وقت أعلن فيه أن 65 ملفاً يتعلق بإمكانية لمّ شمل قاصرين مع أسرهم أُحيلت إلى المغرب دون التوصل بجواب بشأنها، بحسب الرواية الحكومية الإسبانية.
وتعيد هذه المعطيات ملف تداعيات أزمة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً أن معالجة أوضاع الأطفال غير المصحوبين بذويهم تخضع لضمانات قانونية تختلف عن إجراءات العودة الطوعية والإبعاد المطبقة على البالغين.
وجاءت تصريحات توريس خلال لقاء نظمه منتدى «Nueva Economía Fórum» بالعاصمة مدريد، بحضور وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا ووزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة إلما سايث، وسط استمرار الخلاف بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة المحلية بشأن وتيرة معالجة ملفات المهاجرين.
وبحسب التقرير الذي نشرته الجهة المنظمة، أكد الوزير الإسباني أن السلطات أحالت 65 ملفاً إلى المغرب بغرض دراسة إمكانية لمّ شمل قاصرين مع أسرهم، مشيراً إلى عدم تلقي جواب من الجانب المغربي حتى موعد تصريحه.
غير أن هذه المعطيات تمثل ما أعلنته الحكومة الإسبانية، ولا تكفي وحدها لتحديد أسباب عدم انتهاء معالجة الملفات أو الجزم بأن السلطات المغربية رفضت التجاوب معها.
فالتقرير لم يقدم تواريخ إحالة الملفات، ولا تفاصيل الوثائق المرفقة بها، أو ما إذا كانت الجهات المغربية المختصة طلبت معلومات إضافية للتحقق من هوية الأطفال وأوضاع أسرهم.
المصدر الأصلي | Nueva Economía Fórum – تصريحات الوزير أنخيل فيكتور توريس بتاريخ 23 أكتوبر 2026
عودة المهاجرين من سبتة.. من 12,705 إلى 13,101 شخصاً
تكشف مقارنة التصريحات الجديدة بالبيانات الحكومية السابقة عن ارتفاع حصيلة العودة إلى المغرب خلال ثلاثة أيام فقط.
ففي الثلاثاء 20 أكتوبر، أعلنت الحكومة الإسبانية أن عدد الأشخاص الذين عادوا إلى المغرب منذ 10 غشت بلغ 12 ألفاً و705 أشخاص.
أما الجمعة 23 أكتوبر، فقد رفع توريس الحصيلة إلى 13 ألفاً و101 شخص، بزيادة حسابية بلغت 396 حالة مقارنة بالرقم السابق.
غير أن هذه الزيادة لا يمكن تصنيفها تلقائياً ضمن العودة الطوعية أو الإبعاد، لأن الوزير لم يقدم في تصريحاته الجديدة تفصيلاً يميز بين المسارين داخل الحصيلة المحينة.
وكانت البيانات الحكومية السابقة قد أظهرت أن الغالبية الكبرى من حالات العودة تمت بصورة طوعية، مقابل عدد أقل من عمليات الإبعاد المنفذة وفق الإجراءات القانونية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الحديث عن عودة أكثر من 13 ألف شخص لا يعني أن السلطات الإسبانية أصدرت ونفذت العدد نفسه من قرارات الطرد.
كما لا تسمح الحصيلة المعلنة بتحديد جنسيات جميع الأشخاص الذين عادوا إلى المغرب، أو اعتبارهم جميعاً مواطنين مغاربة.
والأهم أن الحكومة الإسبانية أوضحت، في بلاغ رسمي بتاريخ 20 أكتوبر، أن الأشخاص المشمولين بعمليات العودة التي أعلنتها حتى ذلك التاريخ كانوا بالغين، وأن أي قاصر لم تُستكمل بعد عملية لمّ شمله بالمغرب.
وبذلك، ينبغي عدم الخلط بين ارتفاع عدد العائدين إلى المغرب وبين ملفات الأطفال الذين ما تزال إجراءاتهم القانونية والإدارية قيد المعالجة.
المصدر الرسمي | رئاسة الحكومة الإسبانية – حصيلة العودة إلى المغرب بتاريخ 20 أكتوبر 2026
وسبق لـMarocActu24 أن تابع تطور هذه الحصيلة في شتنبر الماضي، عندما أعلنت الحكومة الإسبانية عودة أكثر من 5300 مهاجر طوعياً إلى المغرب، بالتزامن مع تراجع نحو مائة شخص عن طلبات اللجوء.
وكانت تلك الأرقام تعكس مرحلة سابقة من تدبير الأزمة، قبل ارتفاع الحصيلة الإجمالية إلى أكثر من 13 ألف حالة في أكتوبر.
اقرأ أيضاً | أزمة سبتة بالأرقام.. أكثر من 5300 عادوا طوعياً إلى المغرب و100 يتراجعون عن اللجوء
65 ملفاً للقاصرين.. لماذا لم تُحسم إجراءات لمّ الشمل؟
تتمثل النقطة الأكثر حساسية في تصريحات الوزير الإسباني في الملفات الموجهة إلى المغرب لدراسة إمكانية إعادة قاصرين إلى أسرهم.
فقد أورد منتدى «Nueva Economía Fórum» ووكالة «Europa Press» رقم 65 ملفاً، بينما نقلت إذاعة «Onda Cero» رقم 63 ملفاً ضمن تغطيتها للقاء نفسه.
وكانت الحكومة الإسبانية قد تحدثت يوم 20 أكتوبر عن 63 ملفاً، وهو ما يجعل تحديد ما إذا كان الرقم ارتفع فعلياً إلى 65 أو أن الاختلاف ناتج عن طريقة نقل التصريحات بحاجة إلى توضيح حكومي مفصل.
ووفق رواية توريس، لم تحصل السلطات الإسبانية على أجوبة مغربية بخصوص الملفات التي أحالتها.
لكن عدم الإعلان عن أجوبة لا يثبت بالضرورة رفض المغرب استقبال الأطفال، ولا يحدد المسؤولية عن تأخر المعالجة، خصوصاً أن الملف قد يستلزم إجراءات للتحقق من الهوية والجنسية والروابط الأسرية وظروف الاستقبال.
كما لم يتضح من التقارير المنشورة ما إذا كانت الملفات تخص حصراً أطفالاً يحملون الجنسية المغربية، أو تشمل وضعيات أخرى تتطلب إجراءات إضافية.
وهذه الفوارق أساسية، لأن إرسال ملف إلى دولة الأصل لا يمثل قراراً نهائياً بإعادة القاصر، وإنما مرحلة ضمن مسطرة قانونية تستوجب دراسة الظروف الفردية لكل طفل.
المصدر | وكالة Europa Press – تصريحات توريس بشأن 65 ملفاً، 23 أكتوبر 2026
3434 قاصراً في منظومة الحماية.. كيف تتوزع الحالات؟
أعلن توريس أن السلطات الإسبانية أحصت 3434 قاصراً غير مصحوبين بذويهم داخل منظومة الحماية التابعة لمدينة سبتة.
وأوضح أن 114 منهم التحقوا بأفراد من أسرهم في شبه الجزيرة الإيبيرية، فيما نُقل 181 آخرون إلى مناطق إسبانية مختلفة بموجب الإجراءات المنصوص عليها في قانون الأجانب.
وتبرز هذه الأرقام وجود مسارات قانونية مختلفة لمعالجة أوضاع القاصرين.
فبعض الأطفال يمكن لمّ شملهم مع أفراد أسرهم الموجودين داخل إسبانيا، بينما يُنقل آخرون إلى مناطق تتوفر على مؤسسات حماية قادرة على استقبالهم.
أما الملفات الموجهة إلى المغرب، فتخضع لإجراءات ترتبط بإمكانية لمّ الشمل العائلي أو توفير الحماية المناسبة في بلد الأصل، وفق الضمانات القانونية المعمول بها.
ولا يعني تسجيل 3434 قاصراً في منظومة الحماية أنهم جميعاً مرشحون للإعادة إلى المغرب، كما لا يعني أن كل من لم يُنقل إلى منطقة إسبانية أخرى يوجد خارج مراكز الرعاية.
ويتطلب تحديد الوضع الاجتماعي والقانوني لكل فئة بيانات تفصيلية تتجاوز الأرقام الإجمالية المعلنة.
ماذا يقول القانون الإسباني عن إعادة القاصرين إلى المغرب؟
تحدد المواد من 167 إلى 172 من المرسوم الملكي الإسباني رقم 1155 لسنة 2024 الإجراءات المتعلقة بإعادة القاصرين الأجانب غير المصحوبين بذويهم.
وتمنح المادة 167 مندوبية الحكومة أو المندوبية الفرعية المختصة صلاحية مباشرة إجراءات إعادة القاصر، مع طلب معلومات من التمثيل الدبلوماسي لبلد الأصل بشأن ظروفه العائلية.
أما المادة 168، فتربط فتح مسطرة الإعادة بتقييم المصلحة الفضلى للطفل، سواء تعلق الأمر بإعادته إلى أسرته أو وضعه تحت رعاية مؤسسات حماية الطفولة في بلد الأصل.
وتشمل الضمانات القانونية إخبار الطفل بالإجراءات المتعلقة به، وإشراك الجهة المسؤولة عن حمايته والنيابة العامة، وتمكينه من إبداء موقفه وفق الشروط المحددة قانوناً.
كما تنظم المادة 169 تقديم الملاحظات والاعتراضات والأدلة، فيما تحدد المادة 170 إجراءات اتخاذ القرار بشأن الإعادة.
ويضع التنظيم سقفاً زمنياً يصل إلى ستة أشهر للبت في مسطرة الإعادة بعد فتحها رسمياً، مع استمرار الالتزام بدراسة حالة كل قاصر بصورة فردية.
وهذا يعني أن تسريع المعالجة لا يسمح بتجاوز إجراءات التحقق من الهوية والأسرة أو ضمانات الحماية، كما أن عدم إمكانية إعادة الطفل قد يفتح مساراً قانونياً يتعلق بتسوية إقامته داخل إسبانيا.
المصدر القانوني الرسمي | الجريدة الرسمية الإسبانية BOE – المرسوم الملكي 1155/2024
خلاف بين مدريد وسبتة بشأن مسؤولية تدبير الأزمة
تأتي تصريحات الوزير الإسباني في ظل خلاف مستمر بين الحكومة المركزية وحكومة سبتة المحلية، التي يرأسها خوان خيسوس فيفاس.
فقد طالبت سلطات المدينة بتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم الشروط القانونية للبقاء، إلى جانب معالجة وضع القاصرين الموجودين داخل منظومة الحماية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسبانية أن إجراءات الإعادة لا يمكن تنفيذها بصورة جماعية أو فورية دون احترام المساطر والضمانات القانونية.
وخلال لقاء الجمعة، انتقد توريس موقف رئيس حكومة سبتة، معتبراً أن الحسابات السياسية تؤثر في النقاش بشأن توزيع القاصرين على المناطق الإسبانية الأخرى.
كما رفض اتهام الحكومة المركزية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، مستحضراً الإجراءات التي اتخذتها لتوسيع مرافق الاستقبال وتسريع تحديد الهوية ودراسة الملفات.
وكانت وزارة السياسة الترابية قد أعلنت يوم 20 أكتوبر رفضها طلباً تقدمت به حكومة سبتة على أساس تقاعس السلطات المركزية، مؤكدة أن التدابير المتعلقة بالإيواء والعودة والأمن بدأت بالفعل وما تزال متواصلة.
ويبرز هذا الخلاف حدود العلاقة بين المسؤوليات الإدارية للحكومة المركزية واختصاصات سلطات سبتة في حماية القاصرين ورعايتهم.
عملية جديدة بحي البرينسيبي وآلاف الأشخاص في مراكز الاستقبال
لم تقتصر تصريحات توريس على حصيلة العودة وملفات القاصرين.
فقد أعلن عن تنفيذ عملية أمنية جديدة داخل حي البرينسيبي بسبتة، تستهدف إخراج نحو 200 مهاجر من مساكن ومرائب وأماكن أخرى كانوا يقيمون فيها.
ووصف الوزير العملية بأنها تجري بصورة حذرة ومنسقة بين الأجهزة الأمنية المختصة.
وفي ما يتعلق بالإيواء، أوضح أن السلطات الإسبانية وفرت نحو ثمانية آلاف مكان للاستقبال، يوجد قرابة ستة آلاف منها قيد الاستعمال.
كما تحدث عن إنجاز أكثر من 5400 عملية تقييم أولي لأوضاع البالغين، و310 عمليات تخص قاصرين، في إطار تحديد الوضع الإداري والقانوني للأشخاص المعنيين.
وأشار كذلك إلى توزيع 244 ألف وجبة غذائية منذ 3 غشت الماضي، ضمن التدابير الإنسانية المخصصة للأشخاص الذين بقوا بالمدينة بعد أحداث نهاية يوليوز.
لكن هذه المؤشرات المتعلقة بالطاقة الاستيعابية والخدمات المقدمة لا تكفي وحدها لتقييم جودة ظروف الإيواء أو مدى تمتع جميع الأشخاص بالحماية اللازمة.
وكان MarocActu24 قد نشر، يوم 10 أكتوبر، تقريراً استند إلى تحقيق ميداني لوكالة «أسوشيتد برس»، كشف استمرار مبيت قاصرين مغاربة في الشوارع والمخيمات المؤقتة، رغم موافقة الحكومة الإسبانية على تمويل يتجاوز 90 مليون يورو لمواجهة تداعيات الأزمة.
ولا يعني إقرار التمويل أنه صُرف بالكامل، كما لا يثبت استمرار صعوبات الإيواء وجود اختلاس أو تبديد للأموال دون معطيات رقابية مستقلة.
اقرأ أيضاً | 90 مليون يورو لم تُنهِ مبيت قاصرين مغاربة في شوارع سبتة.. تحقيق أمريكي يكشف المعاناة
ماذا تنتظر مدريد من الرباط بشأن ملفات القاصرين؟
تفتح تصريحات توريس أسئلة إدارية وحقوقية تحتاج إلى توضيحات من الجانبين المغربي والإسباني.
فمن الضروري تحديد عدد الملفات التي أُحيلت فعلياً إلى السلطات المغربية، وتواريخ إرسالها، والجهات التي تسلمتها، ومدى اكتمال المعلومات اللازمة للتحقق من هوية الأطفال وأسرهم.
كما يظل من المهم توضيح ما إذا كانت السلطات المغربية قد طلبت وثائق إضافية، أو قدمت ملاحظات لم تنعكس في التقارير الصحفية المنشورة.
ولا تتضمن المصادر التي جرت مراجعتها جواباً مغربياً رسمياً جديداً يتناول تحديداً الملفات التي تحدث عنها الوزير الإسباني يوم 23 أكتوبر.
وبالتالي، فإن ما يمكن تأكيده حتى الآن هو ارتفاع عدد العائدين إلى المغرب إلى 13 ألفاً و101 شخص منذ 10 غشت، وفق الحصيلة الإسبانية، مقابل استمرار معالجة ملفات القاصرين عبر مسارات قانونية مختلفة.
أما القول إن المغرب يرفض لمّ شمل الأطفال أو يعطل عودتهم بصورة متعمدة، فلا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم به.
ومع تواصل عودة المهاجرين من سبتة، يبقى ملف القاصرين اختباراً أكثر تعقيداً للتعاون بين الرباط ومدريد، لأن حسمه لا يتوقف على القرارات الحدودية وحدها، بل يستوجب التحقق من الظروف الأسرية وضمان سلامة الأطفال واحترام حقوقهم.
وفي انتظار توضيحات من السلطات المختصة، تظل المسألة الأساسية هي كيفية تحويل الملفات المحالة إلى قرارات قانونية فردية، تحقق المصلحة الفضلى لكل طفل، دون إخضاع أوضاع القاصرين لمنطق الإعادة الجماعية أو تبادل الاتهامات السياسية.


