​بقلم: الباز عبدالإله

فتحت انتقادات الأزمي للمنصوري، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، ثلاثة ملفات تضع الحكومة الجديدة أمام أسئلة تتعلق بالشفافية والقدرة الشرائية وتضارب المصالح.

فمن مبلغ 280 مليار درهم الذي تحدث فوزي لقجع سابقاً عن إنفاقه دون تحقيق الأثر المنتظر، إلى الشركات الجهوية المقترحة لتوزيع المنتجات الغذائية، طالب رئيس فريق العدالة والتنمية بتوضيح كيفية محاربة الفساد ومنع تحول أدوات التدخل الاقتصادي إلى وسائل للتحكم في الأسواق.

واختار إدريس الأزمي الإدريسي توجيه انتقادات مباشرة إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، دون أن يغلق باب التعامل معها، مؤكداً أن فريقه سيمنحها الفرصة والوقت الكافيين للعمل وسيتعامل معها بحسن نية، لكنه سيواصل مراقبة تعهداتها ومساءلتها عن نتائج السياسات العمومية.

وفي معرض حديثه عن مكافحة الفساد، خاطب الأزمي الحكومة بالدارجة المغربية قائلاً: «ورِّيونا الفاسدين فين هما»، معتبراً أن تكرار الحديث عن محاربة الفساد يجب أن تصاحبه إجراءات واضحة ومحاسبة فعلية.

وأثار في السياق نفسه مسألة تضارب المصالح داخل عدد من القطاعات، خصوصاً الصحة والفلاحة، داعياً إلى الحسم في الممارسات التي يمكن أن تؤثر في نزاهة القرار العمومي.

وجاءت هذه الانتقادات بعدما تعهدت المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي يوم 19 أكتوبر، بتجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز التصريح بالممتلكات ومعاقبة تضارب المصالح.

غير أن تنفيذ هذه التعهدات يظل مرتبطاً بإقرار المقتضيات التشريعية والتنظيمية اللازمة، وتحديد المؤسسات المختصة بالرقابة وآليات ترتيب المسؤوليات.

المصدر | مدار21 – مداخلة إدريس الأزمي بمجلس النواب، 22 أكتوبر 2026

انتقادات الأزمي للمنصوري.. هل تفتح الحكومة ملف 280 مليار درهم؟

أعاد الأزمي إلى النقاش البرلماني مبلغ 280 مليار درهم، متسائلاً عما إذا كانت الحكومة ستفتح تحقيقاً بشأن الإنفاق الذي سبق الحديث عنه باعتباره لم يحقق النتائج المرجوة في دعم القدرة الشرائية.

ويعود أصل الرقم إلى تصريح أدلى به فوزي لقجع، يوم 7 شتنبر 2026 بمدينة أزيلال، خلال لقاء سياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، قال فيه إن الحكومة صرفت 280 مليار درهم خلال الولاية السابقة لحماية القدرة الشرائية «بدون فائدة».

وجاء كلام لقجع ضمن دفاعه عن مقترح حزبه تخصيص 300 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية خلال خمس سنوات، في مواجهة انتقادات سياسية بشأن القدرة على توفير التمويل.

ولم يمر التصريح دون مساءلة. ففي 17 شتنبر، وجهت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب» مراسلة إلى لقجع، الذي كان يتولى حينها حقيبة الميزانية، تطالبه بالكشف عن تفاصيل هذه النفقات والقطاعات المستفيدة منها وآليات مراقبة أثرها على الأسعار.

كما أصدرت الجمعية بلاغاً بتاريخ 19 شتنبر، نشرته عبر موقعها يوم 21 شتنبر، لإطلاع الرأي العام على مطالبها بشأن الشفافية في تدبير المبلغ المذكور.

ويكتسب الملف أهمية إضافية بعد تعيين لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في حكومة المنصوري، بما يضع تقييم نتائج الإنفاق السابق ضمن الأسئلة المطروحة على المسؤول عن السياسة المالية الحالية.

لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة. فمبلغ 280 مليار درهم ورد في تصريح سياسي، ولم تُرفق به في المصادر المتاحة حصيلة محاسبية مفصلة تحدد جميع البرامج والمبالغ التي يتضمنها.

كما أن وصف الإنفاق بأنه لم يحقق الأثر المنتظر لا يثبت اختلاس الأموال أو تبديدها، إذ يتطلب إثبات أي مخالفة مالية وثائق ونتائج رقابية أو قضائية صادرة عن الجهات المختصة.

ويتمثل السؤال الذي أعاده الأزمي إلى البرلمان في مدى استعداد الحكومة لنشر تفاصيل هذا الإنفاق وتقييم انعكاسه الفعلي على القدرة الشرائية للمغاربة.

المصدر الأصلي | ترانسبرانسي المغرب – بلاغ ومراسلة بشأن 280 مليار درهم

وكان MarocActu24 قد تناول هذا الملف في مادة سابقة ربطت بين إعفاء ماديحة خيير بعد 48 ساعة من تعيينها واستمرار المطالب بتوضيح حصيلة الإنفاق العمومي، مع التمييز بين المسؤولية السياسية والتحقق المحاسبي والقضائي.

اقرأ أيضاً | 48 ساعة لإعفاء خيير.. و280 مليار درهم تعيد سؤال المحاسبة إلى حكومة المنصوري!

شركات التوزيع.. مواجهة الغلاء أم توسيع نفوذ الوسطاء؟

خصص الأزمي جانباً من مداخلته لانتقاد الشركات الجهوية للتوزيع التي تقترحها الحكومة ضمن تصورها لإصلاح مسالك تسويق المنتجات الغذائية وخفض الأسعار.

واعتبر رئيس فريق العدالة والتنمية أن هذه الآلية قد تفتح، بحسب تقديره، باباً جديداً للفساد والاستبداد الاقتصادي، من خلال التحكم في السوق ومنح الوسطاء مواقع مؤثرة داخل منظومة التوزيع.

وتقوم المقاربة التي عرضتها الحكومة على تقريب المنتج من المستهلك وتطوير قنوات التجميع والتسويق، في محاولة لمعالجة الفوارق بين الأسعار عند الإنتاج وتلك التي يتحملها المستهلك النهائي.

لكن اعتراض الأزمي يطرح إشكالاً يتعلق بطبيعة الشركات المقترحة وطريقة اشتغالها، خصوصاً في ما يخص قواعد المنافسة واختيار الموردين وتحديد هوامش الربح.

فإنشاء شركات جهوية لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الأسعار، كما أنه لا يثبت في حد ذاته وجود احتكار أو فساد. ويتوقف تقييم المشروع على شروط الولوج إلى السوق، ومدى شفافية التدبير، والضمانات التي تمنع تفضيل فاعلين اقتصاديين على حساب آخرين.

وفي هذا السياق، ستكون التفاصيل التنظيمية المتعلقة بملكية الشركات وحكامتها وعلاقتها بالمنتجين والتجار أساسية لتحديد ما إذا كانت ستساهم في تقليص حلقات الوساطة أم ستضيف مستوى جديداً إلى منظومة التوزيع.

إعفاء خيير والوزراء المستمرون.. الأزمي ينتقد تشكيلة الحكومة

ولم تقتصر مداخلة الأزمي على الملفات الاقتصادية، بل امتدت إلى ظروف تشكيل الحكومة الجديدة.

فقد اعتبر أن إعفاء الوزيرة الاستقلالية ماديحة خيير، بعد يومين فقط من تعيينها، يعكس ارتباكاً في تدبير التشكيلة الحكومية.

وكان الملك محمد السادس قد أعفى الوزيرة، يوم 18 أكتوبر 2026، بناءً على طلب من رئيسة الحكومة وطبقاً للفصل 47 من الدستور.

ولم يتضمن بلاغ الديوان الملكي تفصيلاً لأسباب الإعفاء، فيما قدم الناطق الرسمي باسم الحكومة توضيحات ربطت القرار بتقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية.

وانتقد الأزمي أيضاً استمرار عدد من الوزراء الذين ارتبطت فترات تدبيرهم السابقة بملفات مثيرة للجدل، مستحضراً أزمة مباراة المحاماة والمجلس الوطني للصحافة، ووصف التشكيلة الجديدة بأنها «حكومة الاستمرار».

كما تساءل عن غياب وزارة مستقلة تعنى بالعالم القروي، وعن كيفية ضمان حضور قضاياه ضمن أولويات الحكومة الجديدة.

وتبقى هذه الانتقادات مواقف سياسية تتعلق بتقييم أداء المسؤولين واختيارات تشكيل الحكومة، ولا تمثل أحكاماً قضائية بشأن وجود مخالفات من طرف الوزراء المعنيين.

قانون المالية قبل التنصيب.. اعتراض دستوري

أثار الأزمي مسألة مصادقة مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل حصول الحكومة على الثقة البرلمانية.

وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية أن مجلس الحكومة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، صادق يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 على مشروع القانون رقم 60.26 المتعلق بمالية سنة 2027، بعدما قدمه فوزي لقجع.

وجرى ذلك قبل جلسة التصويت على البرنامج الحكومي المبرمجة بمجلس النواب مساء الخميس 22 أكتوبر.

واعتبر الأزمي أن الحكومة كان ينبغي أن تنتظر استكمال مسطرة التنصيب البرلماني قبل عقد اجتماع للمصادقة على مشروع قانون المالية.

ويستند هذا الاعتراض إلى النقاش بشأن الفصل 88 من الدستور، الذي يربط تنصيب الحكومة بالحصول على ثقة مجلس النواب، مقابل مقتضيات الفصل 92 المنظمة لمداولات مجلس الحكومة بشأن مشاريع القوانين.

غير أن ثبوت انعقاد الاجتماع والمصادقة على المشروع لا يكفي وحده للجزم بوجود خرق دستوري، لأن حسم المسألة يتطلب تفسيراً قانونياً لطبيعة الاختصاصات التي تمارسها الحكومة بين التعيين والتنصيب البرلماني.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – مصادقة مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية 2027

المصدر الرسمي | مجلس النواب – برنامج جلستي مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه يوم 22 أكتوبر

النمو والتعليم والتقاعد.. انتقادات تمتد إلى البرنامج الحكومي

وفي الشق الاقتصادي، شكك الأزمي في واقعية هدف تحقيق معدل نمو يبلغ 5 في المائة، معتبراً أنه لا ينسجم مع التوقعات الاقتصادية التي يستند إليها في تقييمه.

وطالب الحكومة بالكشف عن مصادر تمويل برنامجها، منتقداً ما اعتبره استمرار استفادة الشركات نفسها من المشاريع الكبرى، وداعياً إلى ضمان فرص أوسع للمقاولات في الاستثمار والصفقات.

أما في ملف التقاعد، فقد دافع عن الإصلاح الذي أُنجز سنة 2016، رافضاً اختزاله في الإجراءات التي استهدفت معالجة اختلالات الصناديق، ومطالباً بمراجعة المقاربة المعتمدة خلال الولاية الحكومية السابقة.

وفي قطاع التعليم، دعا إلى التراجع عن تجربة مدارس الريادة، معتبراً أنها كرست، بحسب تقييمه، «مغرب السرعتين» داخل المنظومة التعليمية.

وطالب بالعودة إلى القانون الإطار والرؤية الاستراتيجية للإصلاح، دون أن يقدم هذا الموقف السياسي وحده تقييماً مستقلاً لنتائج تجربة مدارس الريادة.

وفي الجانب الحقوقي، دعا إلى إطلاق سراح معتقلي حراك الريف والنقيب محمد زيان ومعتقلي احتجاجات «جيل زد»، معتبراً أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تحسين المناخ السياسي والحقوقي.

كما شدد، بخصوص مدونة الأسرة، على احترام المرجعية الإسلامية وفتاوى المجلس العلمي الأعلى، داعياً في المجال الرياضي إلى الفصل بين المسؤوليات السياسية والتدبير الرياضي.

المال الانتخابي و«الصاك».. اتهامات تستوجب الإثبات

وعاد الأزمي إلى الانتخابات التشريعية الأخيرة، موجهاً انتقادات بشأن استعمال المال الانتخابي وما وصفه بـ«فضيحة الصاك».

وتحدث عن حمل أوراق تصويت جاهزة، ونسب هذه الممارسة إلى أحد أحزاب الأغلبية، معتبراً أن الإحساس بالحماية قد يشجع على ارتكاب مخالفات انتخابية.

وتظل هذه الأقوال اتهامات سياسية صادرة عن رئيس فريق برلماني، ولا يجوز اعتمادها دليلاً على مسؤولية حزب أو مرشح بعينه دون محاضر رسمية أو نتائج تحقيق أو أحكام قضائية تثبت الوقائع المنسوبة إليه.

وطالب الأزمي بالشروع في إعداد الإطار القانوني للانتخابات الجماعية المقبلة، تفادياً لتكرار الاختلالات التي قال إنها شابت الاستحقاقات التشريعية.

وتتقاطع مطالب محاربة الفساد التي أثارها مع نقاش قانوني سبق أن تناوله MarocActu24 بشأن شروط انتصاب جمعيات المجتمع المدني طرفاً مدنياً في قضايا الفساد، ومدى انسجام هذه الشروط مع التعهدات الجديدة بتعزيز النزاهة.

اقرأ أيضاً | الملك أكد شراكة المجتمع المدني.. والمادة 7 تشترط إذن وزارة العدل لتقاضي الجمعيات.. ماذا ستغيّر المنصوري؟

ورغم حدة الانتقادات، أكد الأزمي أن حزب العدالة والتنمية سيمنح الحكومة الوقت الكافي لتنفيذ برنامجها، وسيواصل أداء دوره المعارض انطلاقاً من مراقبة الالتزامات والدفاع عن مصالح المواطنين.

لكن أبرز الملفات التي وضعها أمام المنصوري تحتاج إلى أجوبة مختلفة: فالـ280 مليار درهم تتطلب توضيحاً مالياً وتقييماً للنتائج، وشركات التوزيع تحتاج إلى قواعد معلنة تمنع الاحتكار، أما اتهامات الفساد والمخالفات الانتخابية فلا يمكن حسمها خارج المؤسسات المختصة.

وبذلك انتقلت انتقادات الأزمي للمنصوري من الاعتراض على عناوين البرنامج الحكومي إلى مساءلة آليات تنفيذه، خصوصاً ما يتعلق بمصادر التمويل والشفافية وحماية المنافسة، وهي ملفات ستتحدد حصيلتها بالقرارات والوثائق والنتائج التي ستقدمها الحكومة خلال ولايتها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version