بقلم: الباز عبدالإله
تقاضي الجمعيات في قضايا الفساد يعود إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي بالمغرب، بعدما تعهدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، بتجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز محاربة تضارب المصالح، في وقت يفرض فيه قانون المسطرة الجنائية شروطاً خاصة على انتصاب الجمعيات طرفاً مدنياً أمام القضاء، من بينها الحصول على إذن مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
وتبرز أهمية هذه المقتضيات عند مقارنتها برسالة ملكية أكد فيها محمد السادس مكانة المجتمع المدني شريكاً أساسياً للدول، وبمذكرة رسمية أصدرتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها سنة 2024، حذرت فيها من احتمال تضارب المصالح المرتبط بإسناد سلطة الترخيص للجمعيات إلى الجهاز التنفيذي.
وتكتسب المفارقة بعداً إضافياً بالنظر إلى استمرار عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل في الحكومة الجديدة، بعدما دافع عن إصلاح قانون المسطرة الجنائية خلال الولاية السابقة، وأبدى تحفظات علنية على الصيغة المطروحة لتجريم الإثراء غير المشروع.
ولا تثبت هذه الوقائع وقوع تدخل حكومي غير مشروع في قضية قضائية محددة، كما لا تعني أن القانون يمنع جميع الجمعيات من التبليغ عن جرائم الفساد.
لكنها تضع الحكومة أمام سؤال تشريعي واضح: كيف ستوفق بين توسيع مكافحة الفساد وضمان استقلالية المجتمع المدني، وبين شروط التقاضي والبحث القضائي التي أقرها القانون النافذ؟
تقاضي الجمعيات في قضايا الفساد.. ماذا تنص عليه المادة 7؟
دخل القانون رقم 03.23، القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر من السنة نفسها.
وتنص المادة السابعة، في صيغتها المعدلة، على إمكانية انتصاب الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة طرفاً مدنياً، بشرط حصولها على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وفق الكيفيات التي يحددها نص تنظيمي.
كما تشترط أن تكون الجمعية قد تأسست بصورة قانونية قبل أربع سنوات على الأقل من ارتكاب الفعل الجرمي، وأن تتعلق القضية بمجال اهتمامها المنصوص عليه في قانونها الأساسي.
ويرتبط هذا المقتضى بانتصاب الجمعية طرفاً مدنياً في إطار دعوى عمومية، وهو وضع إجرائي يختلف عن مجرد تقديم معلومات أو تبليغ إلى السلطات المختصة بشأن الاشتباه في وقوع جريمة.
وبالتالي، لا يجوز اختزال المادة السابعة في أنها تحظر على المجتمع المدني كشف الفساد أو إخبار المؤسسات المختصة به.
لكنها تجعل ممارسة حق الانتصاب طرفاً مدنياً، بالنسبة إلى الجمعيات الخاضعة لهذا المقتضى، مرتبطة بشروط متراكمة، من بينها ترخيص صادر عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
كما لا يعني ذلك أن جميع صور التقاضي التي تمارسها الجمعيات في مختلف المجالات تخضع بالضرورة للشروط نفسها، لأن نطاق المادة يتعلق بالوضع الإجرائي الذي تنظمه، مع مراعاة التشريعات الخاصة عند الاقتضاء.
المصدر القانوني الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 7437 – القانون رقم 03.23، المادتان 3 و7
وهنا يظهر جوهر النقاش: هل يؤدي الجمع بين صفة المنفعة العامة وشرط الأقدمية والإذن الحكومي إلى ضبط استعمال الدعوى المدنية ومنع الشكايات غير الجدية، أم قد يقلص قدرة بعض الجمعيات على المشاركة القضائية في ملفات تتعلق بالمال العام؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد خلاف سياسي، فقد سبق أن تناولته هيئة وطنية مختصة بمكافحة الفساد في وثيقة رسمية.
هيئة النزاهة حذرت من تضارب المصالح قبل إقرار القانون
في أكتوبر 2024، أصدرت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مذكرة بعنوان «من أجل ملاءمة موضوعية لقانون المسطرة الجنائية مع المتطلبات الإجرائية لمكافحة جرائم الفساد».
وجاءت الوثيقة في سياق دراسة مشروع القانون رقم 03.23، قبل استكمال مساره التشريعي ودخوله حيز التنفيذ.
وخصصت الهيئة جزءاً من ملاحظاتها للمادة السابعة، منتقدة الجمع بين شرط الاعتراف بصفة المنفعة العامة والحصول على إذن حكومي بالتقاضي.
واعتبرت أن هذا الجمع يضيف قيداً على إمكانية انتصاب الجمعيات طرفاً مدنياً، وأن السلطة التقديرية للجهاز التنفيذي في منح الإذن تثير إشكالاً يتعلق باستقلالية المنظومة القضائية.
ولم تقتصر ملاحظات الهيئة على الجانب الإجرائي، بل نبهت إلى احتمال تضارب المصالح عندما تكون القضية التي ترغب جمعية في المشاركة فيها مرتبطة بمسؤولين ينتمون إلى أجهزة حكومية سابقة أو حالية.
ففي هذه الحالة، بحسب تحليل الهيئة، قد يجد وزير العدل المكلف بمنح الإذن نفسه أمام طلب يتعلق بقضية تمس أعضاء في السلطة التنفيذية أو مسؤولين مرتبطين بها.
ولا تعني هذه الملاحظة أن تضارب مصالح وقع بالفعل، أو أن وزير العدل رفض ترخيصاً لحماية مسؤول معين.
إنما يتعلق الأمر بتحذير مؤسساتي من خطر محتمل ناشئ عن طريقة توزيع الاختصاصات داخل المسطرة القانونية.
ولهذا اقترحت الهيئة صراحة حذف شرط الحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
غير أن القانون الذي نُشر في شتنبر 2025 احتفظ بهذا الشرط.
وتتمثل المفارقة في أن مؤسسة وطنية مختصة بمكافحة الفساد قدمت اعتراضاً معللاً على مقتضى قانوني، لكن الصيغة النهائية لم تعتمد تعديلها المقترح.
المصدر الرسمي | الهيئة الوطنية للنزاهة – مذكرة أكتوبر 2024 بشأن مشروع قانون المسطرة الجنائية
وتفتح هذه السابقة أسئلة موجهة إلى وزارة العدل والحكومة بشأن الضمانات المعتمدة لتفادي تضارب المصالح المحتمل، ومعايير منح الإذن أو رفضه، والسبل المتاحة للطعن في القرارات المتعلقة به.
ولا تكفي الإشارة إلى وجود نص تنظيمي لتحديد الكيفيات من أجل تقييم فعالية تلك الضمانات، ما لم تتضح شروط التطبيق والإجراءات المتبعة فعلياً.
الملك أكد شراكة المجتمع المدني.. ما نطاق الرسالة الملكية؟
تكتسب ملاحظات هيئة النزاهة أهمية إضافية عند العودة إلى رسالة وجهها الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتُليت يوم 20 دجنبر 2018 بالرباط.
وأكد الملك في الرسالة أن المجتمع المدني أصبح شريكاً أساسياً للدول، يسهم بمقترحاته وتوصياته في إعداد السياسات الوطنية والتوجهات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان.
ويقدم هذا التوجه مكانة المجتمع المدني ضمن منظومة المشاركة في الشأن العام، بما يتجاوز دوره في تنفيذ المبادرات الاجتماعية إلى الإسهام في بلورة السياسات وتقييمها.
كما ينص الفصل 12 من الدستور المغربي على مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام في إعداد قرارات ومشاريع المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وتفعيلها وتقييمها، وفق الشروط القانونية.
غير أن الرسالة الملكية لم تتناول بصورة مباشرة شروط انتصاب الجمعيات طرفاً مدنياً في القضايا الجنائية، ولم تتضمن حكماً قانونياً بشأن المادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية.
لذلك فإن المقارنة لا تثبت، بمفردها، وجود تعارض دستوري محسوم بين النص القانوني والرسالة الملكية.
لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً بشأن كيفية ترجمة الاعتراف بدور المجتمع المدني إلى قواعد قانونية تضمن استقلاليته ومشاركته الفعلية، خصوصاً في القضايا التي تتعلق بالمصلحة العامة.
المصدر الرسمي | بوابة المملكة المغربية – الرسالة الملكية بمناسبة الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 20 دجنبر 2018
وتزداد أهمية السؤال عندما يتعلق الأمر بجمعيات تشتغل على حماية المال العام، لأن دورها قد يشمل رصد شبهات الفساد وتوثيقها والمطالبة بتفعيل آليات المساءلة.
ومع ذلك، فإن إثبات أي مخالفة أو مسؤولية جنائية يبقى من اختصاص السلطات القضائية وفق قواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة، وليس من صلاحيات الجمعية أو الخطاب الإعلامي.
المادة الثالثة.. من يستطيع تحريك الأبحاث في جرائم المال العام؟
لا تنحصر المقتضيات المثيرة للنقاش في المادة السابعة.
فالمادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، في صيغتها المعدلة، تنظم شروطاً خاصة لإجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية بشأن الجرائم الماسة بالمال العام.
وينص المقتضى على أن مباشرة هذه الإجراءات تتم بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناء على إحالات أو طلبات مرفقة بتقارير صادرة عن جهات حددها القانون.
وتشمل هذه الجهات المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشيات العامة للوزارات، والإدارات المعنية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وكل هيئة يمنحها القانون هذه الصلاحية صراحة.
غير أن النص يتضمن استثناءً مهماً يتعلق بحالة التلبس، حيث يمكن للنيابة العامة المختصة إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية تلقائياً.
وبالتالي، لا يصح القول إن المادة الثالثة تمنع نهائياً فتح جميع الأبحاث في جرائم المال العام.
لكنها تجعل تحريك المسطرة، خارج الاستثناءات المحددة، مرتبطاً بقناة مؤسساتية معينة وبجهات إحالة منصوص عليها قانوناً.
ودافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن هذا التوجه خلال مناقشة المشروع، مستحضراً الحاجة إلى حماية المنتخبين والمسؤولين من الشكايات الكيدية والابتزاز واستعمال الشكايات لتصفية الحسابات.
وهو مبرر يرتبط بحماية قرينة البراءة وضمان ألا تتحول المسطرة الجنائية إلى وسيلة للضغط على الأشخاص دون أساس قانوني.
في المقابل، يطرح المعارضون لهذه القيود مخاوف بشأن إمكان تأخير الأبحاث في بعض جرائم الفساد، خصوصاً عندما يتطلب الأمر الوصول السريع إلى الوثائق والقرائن قبل ضياعها.
ويبقى تقييم أثر المقتضى مرتبطاً بمعطيات تطبيقية، تشمل عدد الإحالات الواردة من الجهات المحددة قانوناً، ومتوسط آجال معالجتها، والملفات التي انتقلت إلى البحث القضائي.
فوجود شرط مسطري لا يثبت تلقائياً أنه تسبب في إفلات أشخاص من المتابعة، كما أن هدف منع الشكايات الكيدية لا يكفي بمفرده لإثبات أن الصيغة القانونية المختارة هي الأكثر فعالية.
المنصوري تتعهد بتجريم الإثراء غير المشروع.. ماذا عن موقف وهبي؟
في خطابها أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري التزامها بتجريم الإثراء غير المشروع، وتعزيز نظام التصريح الإجباري بالممتلكات، ومعاقبة تضارب المصالح.
كما تحدثت عن استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ضمن التوجهات المعلنة للولاية الحكومية الجديدة.
لكن تنفيذ هذا التعهد سيحتاج إلى نصوص تشريعية تحدد عناصر الجرائم والعقوبات والمساطر والضمانات المرتبطة بها.
وتبرز أهمية ذلك عند استحضار تصريحات سابقة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي خلال جلسة بمجلس المستشارين يوم 23 دجنبر 2025.
فقد انتقد الوزير النقاش بشأن تجريم الإثراء غير المشروع، ووصف الصيغة التي كانت مطروحة بأنها تنطوي، في نظره، على نفاق سياسي وقانوني.
واعتبر أن تحميل المواطن مسؤولية تبرير مصدر ممتلكاته على نحو يفترض الإدانة مسبقاً قد يمس بقرينة البراءة، داعياً إلى التركيز على المخالفات التي تتوفر بشأنها أدلة قابلة للفحص.
ولا يعني هذا الموقف بالضرورة أن وهبي يرفض كل صيغة ممكنة لتجريم الإثراء غير المشروع، لأن الخلاف قد يتعلق بأركان الجريمة وكيفية الإثبات وضمانات الدفاع.
لكنه يكشف اختلافاً يحتاج إلى توضيح بين تحفظات أعلنها الوزير في دجنبر 2025 والتعهد الذي قدمته رئيسة الحكومة في أكتوبر 2026.
المصدر الصحفي | هسبريس – تصريحات وزير العدل بشأن الإثراء غير المشروع، 23 دجنبر 2025
ويعود المسار التشريعي لهذا الملف إلى مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي أُحيل على مجلس النواب سنة 2016 قبل سحبه سنة 2021.
وكان المشروع يتضمن مقتضيات مرتبطة بالإثراء غير المشروع ضمن مراجعة أوسع للقانون الجنائي.
وبعد سحب المشروع، بقي النقاش مفتوحاً بشأن التوازن بين مبدأ حماية المال العام وضمانات المحاكمة العادلة.
وسيظهر التوجه الفعلي للحكومة الجديدة عند إيداع مشروع تشريعي يحدد نطاق التجريم والأشخاص المعنيين وشروط الإثبات والعقوبات، وليس بمجرد الإعلان عن الالتزام السياسي.
46% من مشاريع مكافحة الفساد لم تكتمل
تعكس حصيلة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للفترة 2015–2025 حجم التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في الانتقال من الالتزامات إلى النتائج.
ففي 16 أكتوبر 2026، قدم محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، معطيات أظهرت أن متوسط تقدم تنفيذ مشاريع الاستراتيجية بلغ نحو 76 في المائة.
لكن نسبة المشاريع التي أُنجزت بالكامل لم تتجاوز 54 في المائة، بينما ظلت 32 في المائة في طور التنفيذ، ولم تنطلق 14 في المائة.
وبذلك، فإن 46 في المائة من المشاريع لم تكن مكتملة عند انتهاء الفترة المحددة للاستراتيجية.
كما بلغت نسبة الإنجاز الكامل للمشاريع التشريعية 44 في المائة، مقابل 57 في المائة للمشاريع الإجرائية والتقنية.
ولا يشكل الفرق بين متوسط التقدم ونسبة الإنجاز النهائي تناقضاً حسابياً، لأن المؤشر الأول يحتسب تقدم المشاريع غير المكتملة، بينما يقيس الثاني نسبة المشاريع التي أُنجزت بالكامل.
وتشير هذه الحصيلة إلى أهمية تحديد آجال تشريعية واضحة للتعهدات الجديدة، وخصوصاً تجريم الإثراء غير المشروع وتأطير تضارب المصالح وتطوير آليات الكشف عن جرائم الفساد.
وكان MarocActu24 قد تناول، يوم 16 أكتوبر، تطور مؤشر إدراك الفساد بالمغرب بين 2018 و2025، إلى جانب ملف إتاحة التقارير السنوية لهيئة النزاهة.
وأظهرت المقارنة تراجع نتيجة المغرب بأربع نقاط خلال سبع سنوات، رغم تسجيل تحسن خلال آخر سنة.
ولا يقيس مؤشر إدراك الفساد عدد الجرائم المثبتة قضائياً، وإنما يعكس تقييمات لمستويات الفساد المدركة في القطاع العام وفق منهجية منظمة الشفافية الدولية.
اقرأ أيضاً | المغرب يتراجع 18 مرتبة في مؤشر الفساد.. وتقرير 2024 غائب عن موقع هيئة النزاهة رغم المصادقة على مشروعه
من 92 إلى 742 ملفاً.. هل تعني الزيادة ارتفاع الفساد؟
كشفت هيئة النزاهة أيضاً عن ارتفاع عدد الملفات التي توصلت بها خلال السنوات الأخيرة.
فقد انتقل العدد من 92 ملفاً سنة 2024 إلى 420 ملفاً سنة 2025، موزعة بين 237 شكاية و183 تبليغاً.
وبلغ العدد 742 ملفاً منذ بداية 2026 إلى غاية 16 أكتوبر، وفق الحصيلة التي أعلنها محمد بنعليلو.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الملفات تتعلق بجرائم فساد مثبتة، أو أن عدد جرائم الفساد ارتفع بالنسبة نفسها.
فالملف المتوصل به قد يكون تبليغاً أو شكاية تحتاج إلى الدراسة، وقد لا يدخل ضمن اختصاصات الهيئة أو لا يستوفي شروط القبول.
لكن تطور حجم الملفات يعزز الحاجة إلى نشر بيانات واضحة بشأن المآل المؤسساتي للشكايات والتبليغات، وعدد الملفات المقبولة، وتلك التي أحيلت وفق المساطر القانونية على الجهات المختصة.
كما يبرز أهمية التمييز بين دور الجمعيات في الكشف والتبليغ، وصلاحيات الهيئة الوطنية للنزاهة، واختصاصات النيابة العامة والقضاء.
تقاضي الجمعيات في قضايا الفساد.. اختبار قانوني للحكومة الجديدة
لم يبدأ الاعتراض على المادتين الثالثة والسابعة بعد تعيين المنصوري.
فقد سبق لمحمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن انتقد هذين المقتضيين خلال النقاش بشأن إصلاح قانون المسطرة الجنائية.
واعتبر، في مواقف حقوقية وسياسية منشورة، أنهما يحدان من قدرة المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة الفساد ومساءلة المسؤولين.
وتبقى هذه المواقف منسوبة إلى صاحبها، ولا تشكل دليلاً على ارتكاب جريمة أو مخالفة من طرف وزير العدل أو أي مسؤول حكومي.
وكان MarocActu24 قد تناول، في 7 شتنبر 2026، انتقادات الغلوسي للمادتين الثالثة والسابعة في سياق مطالبته بتعزيز آليات محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
اقرأ أيضاً | الغلوسي يضع نخبة المال والسلطة أمام حساب 23 شتنبر
ويختلف الموقف الحقوقي للجمعيات عن التقييم القانوني النهائي لمشروعية النصوص، وهو تقييم تختص به المؤسسات القضائية والدستورية وفق صلاحياتها.
لكن وجود اعتراض رسمي صادر عن هيئة النزاهة يمنح النقاش بعداً مؤسساتياً إضافياً، ويجعل مطالبة الحكومة بتوضيح موقفها من توصيات الهيئة سؤالاً يستند إلى وثيقة أصلية، لا إلى سجال سياسي فقط.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية في تحديد الضمانات التي تمنع تأثير السلطة التنفيذية على قرارات منح الإذن بالتقاضي عندما تكون القضية مرتبطة بمسؤول حكومي.
كما تبرز الحاجة إلى توضيح دور تقارير الهيئات الرقابية في تحريك الأبحاث بشأن المال العام، والآجال التي تستغرقها معالجة الإحالات، ومدى فعالية الاستثناءات القانونية في الحالات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً.
أي تعديلات ستقدمها المنصوري لمحاربة الفساد؟
تضع مقارنة القانون النافذ بمذكرة هيئة النزاهة والبرنامج الحكومي الجديد ثلاثة ملفات أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.
الأول يتعلق بالمادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية، وبإمكان مراجعة شرط إذن التقاضي أو توضيح الضمانات التي تحكم منحه بالنسبة إلى الجمعيات المعنية.
والثاني يهم المادة الثالثة، ومدى قدرة آلية الإحالة المؤسساتية على الجمع بين حماية الأشخاص من الشكايات الكيدية وفعالية التحري عن الجرائم الماسة بالمال العام.
أما الثالث، فيتعلق بإخراج نص جديد لتجريم الإثراء غير المشروع، يحدد شروط الإثبات ويحافظ على قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة أن الحكومة ملزمة سياسياً بتبني جميع توصيات هيئة النزاهة، لكن اختلاف الخيارات التشريعية عنها يستدعي تفسيراً واضحاً لطبيعة الضمانات والبدائل المعتمدة.
كما أن تأكيد الرسالة الملكية مكانة المجتمع المدني شريكاً أساسياً لا يعني غياب أي إمكانية قانونية لتنظيم شروط التقاضي.
إنما يتعلق النقاش بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها تلك الشروط، ومدى تناسبها مع الأدوار الممنوحة للمجتمع المدني في المنظومة الدستورية والمؤسساتية.
وبين قانون دخل حيز التنفيذ في دجنبر 2025، ومذكرة رسمية حذرت قبل ذلك من احتمال تضارب المصالح، وتعهد حكومي جديد بتجريم الإثراء غير المشروع، يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بالنصوص التي ستقترحها الحكومة وبنتائج تطبيقها.
فمحاربة الفساد لا تُقاس بالتعهدات وحدها، كما أن حماية قرينة البراءة لا تعني بالضرورة إضعاف أدوات الكشف عن الجرائم.
وسيكون على الحكومة توضيح الطريقة التي ستضمن بها فعالية البحث والمساءلة، واستقلالية الجمعيات ضمن الحدود القانونية، وحماية الأفراد من الاتهامات غير المثبتة.
أما السؤال المركزي، فهو ما إذا كانت حكومة المنصوري ستراجع المقتضيات التي تحفظت عليها هيئة النزاهة، أم ستحتفظ بها وتقدم ضمانات وآليات أخرى لتحقيق الأهداف نفسها.
وفي الحالتين، ستكون المقارنة بين الوعود والقانون والتطبيق هي المعيار الذي يسمح بتقييم النتائج، بعيداً عن الاتهامات المسبقة أو الاكتفاء بالشعارات.


