بقلم: قويدر عبد الرحيم
خلف الألوان التي تجذب السياح إلى مدابغ فاس التقليدية، كشفت دراسة علمية نُشرت يوم 16 أكتوبر 2026 عن شكايات صحية أبلغ عنها عمال في قطاع الدباغة، شملت اضطرابات جلدية وتنفسية وبولية وعضلية هيكلية، رغم تسجيل تحسن في استعمال معدات الحماية والنظافة المهنية والولوج إلى المراقبة الطبية.
وتعيد النتائج فتح ملف صحة عمال مدابغ فاس، خصوصاً أن الباحثين أوصوا بتعزيز المتابعة الطبية المنتظمة، وتحسين التعامل مع المواد الكيميائية، وتطوير إجراءات الوقاية داخل أماكن العمل.
وأُنجز البحث بمشاركة خمسة باحثين من جامعة سيدي محمد بن عبد الله والمستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، ونشرته مجلة «Health Promotion Practice» العلمية ضمن الدراسات المتاحة إلكترونياً قبل إدراجها في عدد مطبوع.
واستند الباحثون إلى بيانات مرجعية جُمعت بين سنتي 2017 و2019، ثم أجروا تقييماً لتطبيق إجراءات الصحة والسلامة المهنية خلال سنة 2025.
غير أن الدراسة لم تقدم، في ملخصها المنشور، نسب الاضطرابات الصحية التي أبلغ عنها العمال، ولا أرقاماً تفصيلية توضح حجم التحسن في استعمال وسائل الوقاية أو عدد المستفيدين من المراقبة الطبية.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن جميع الشكايات الصحية كانت قائمة خلال سنة 2025، أو أن العمل داخل المدابغ يمثل سبباً مثبتاً لكل حالة مرضية.
المصدر العلمي الأصلي | Health Promotion Practice – دراسة الوقاية من المخاطر المهنية والصحية بمدابغ فاس، 16 أكتوبر 2026
التوثيق العلمي | المكتبة الوطنية الأمريكية للطب PubMed – بيانات الدراسة وملخصها
صحة عمال مدابغ فاس.. ماذا كشفت الدراسة الجديدة؟
تحمل الدراسة عنوان «الوقاية الاستراتيجية من المخاطر المهنية والسمية في المدابغ التقليدية المغربية: من تقييم المخاطر إلى التخطيط العملي للصحة والسلامة».
وأعدها الباحثون إلهام أرحون، وهشام الحرش، وليلى بلعروسي، وحسناء هماني، وسناء عاشور، في إطار برنامج بحثي متعدد المراحل حول المخاطر الصحية والمهنية داخل المدابغ التقليدية بفاس.
وتُمثل الورقة المنشورة في أكتوبر 2026 المرحلة الرابعة من هذا البرنامج، بعدما تناولت المراحل السابقة تحديد المخاطر وتقييم آثارها الصحية واقتراح تدابير أولية للوقاية.
وركزت المرحلة الجديدة على مدى تقدم تطبيق إجراءات السلامة داخل بيئة العمل، بالاعتماد على المعطيات السابقة وتحليل الممارسات المهنية خلال سنة 2025.
وسجل الباحثون تحسناً في استعمال معدات الوقاية الفردية، وظروف النظافة، وإمكانية الاستفادة من المراقبة الطبية.
لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى شكايات متكررة من اضطرابات صحية تتعلق بالجلد والجهاز التنفسي والجهاز البولي والعضلات والمفاصل.
ولا يعني اجتماع هذين المعطيين وجود تناقض في النتائج.
فتحسن استعمال وسائل الحماية لا يثبت اختفاء المخاطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأنشطة مهنية تتضمن التعامل مع مواد كيميائية ومياه المعالجة، والعمل في ظروف تتطلب مجهوداً بدنياً متكرراً.
كما أن رصد شكايات صحية لا يكفي وحده لتشخيص أمراض مهنية أو تحديد مسؤولية مادة بعينها عنها، لأن ذلك يحتاج إلى فحوص ومعطيات فردية بشأن التعرض والحالة الصحية.
دراسة سابقة شملت 220 عاملاً.. ماذا سجل الباحثون؟
تكتسب الورقة الجديدة أهمية إضافية عند قراءتها إلى جانب دراسة سابقة من البرنامج البحثي نفسه، نُشرت سنة 2025 في مجلة «Scientific African».
وشملت الدراسة السابقة 220 عاملاً من ثلاث مدابغ تقليدية بمدينة فاس، واعتمدت استبيانات وفحوصاً طبية لتقييم الاضطرابات الصحية والمخاطر المرتبطة بظروف العمل.
وسجل الباحثون، داخل تلك العينة، اضطرابات عضلية هيكلية لدى 50.9 في المائة من المشاركين، واضطرابات بولية وتناسلية لدى 39.5 في المائة، ومشكلات جلدية لدى 30.4 في المائة، واضطرابات تنفسية أو رئوية لدى 16.8 في المائة.
لكن هذه النسب تخص الدراسة السابقة وعينتها المحددة، ولا تمثل نتائج جديدة مسجلة خلال سنة 2025، كما لا يجوز تعميمها على جميع عمال المدابغ بفاس أو باقي المدن المغربية.
ولا تثبت هذه المؤشرات، بمفردها، أن كل اضطراب سُجل كان ناتجاً بصورة حصرية عن ظروف العمل.
وتسمح المقارنة بين البحثين بفهم تطور اهتمام الفريق العلمي من رصد المخاطر والاضطرابات الصحية إلى تقييم مدى تطبيق تدابير الوقاية.
لكن غياب نسب كمية مفصلة في ملخص الدراسة الجديدة يمنع تحديد حجم التحسن الصحي الذي تحقق بين المرحلتين أو حساب نسبة انخفاض الاضطرابات.
المصدر العلمي المكمل | Scientific African – دراسة المخاطر الصحية المهنية لدى 220 عاملاً بمدابغ فاس، 2025
من معدات الحماية إلى الفحص الطبي.. ماذا يقترح الباحثون؟
لم يقتصر البحث الجديد على وصف وضعية العمال، بل اقترح خطة متكاملة للحد من المخاطر المهنية.
وتشمل الخطة تحسين وسائل التحكم التقني في الأخطار داخل أماكن العمل، بما يساعد على تقليل التعرض للملوثات والمواد المستعملة في مختلف مراحل الدباغة.
كما توصي باعتماد طرق أكثر أماناً لتخزين المواد الكيميائية واستعمالها والتعامل مع مخلفاتها، وتوفير التكوين المناسب للعمال بشأن المخاطر المحتملة ووسائل الوقاية.
ويحتل الرصد الطبي المنتظم مكانة أساسية ضمن هذه التوصيات، لأنه يمكن أن يساعد على اكتشاف بعض المشكلات الصحية ومتابعة التعرضات المهنية قبل تفاقم آثارها.
وتندرج هذه المقاربة ضمن مفهوم «صحة واحدة»، الذي يربط حماية صحة الإنسان بسلامة البيئة والوسط الذي يعيش ويعمل فيه.
لكن الدراسة لا تعلن أن جميع الإجراءات المقترحة أصبحت مطبقة داخل مدابغ فاس، بل تقدم إطاراً لتطوير الوقاية وتحسين ظروف العمل.
كما أن الإشارة إلى تحسن الولوج إلى المراقبة الطبية لا تكشف عدد العمال الذين يخضعون لفحوص دورية أو طبيعة تلك الفحوص وتواترها.
ومن هنا يبرز سؤال يتعلق بكيفية قياس النتائج على أرض الواقع: هل توجد سجلات مهنية وصحية تسمح بتتبع الإصابات والشكايات الصحية والتعرضات الكيميائية بصورة منتظمة؟
وثيقة للطوارئ تذكر مدابغ شوارة وسيدي موسى وعين زليتن
من التفاصيل التي تثير الاهتمام في المادة التكميلية الموصوفة ضمن ملف البحث نموذج للتبليغ عن الحوادث المهنية، يتضمن أسماء مدابغ شوارة وسيدي موسى وعين زليتن ضمن خيارات تحديد مكان الحادث.
ويتضمن النموذج معلومات يفترض تقديمها عند وقوع طارئ، من بينها طبيعة الحادث وموقع المصاب وعدد المصابين وحالتهم، مع ضرورة توجيه فرق الإنقاذ إلى المكان الصحيح.
كما يورد أمثلة لحوادث محتملة، تشمل السقوط والاختناق والحرائق والانفجارات.
ولا يعني إدراج هذه الحالات إثبات وقوعها داخل المدابغ المذكورة، لأن النموذج يهدف إلى تنظيم التبليغ والاستجابة للحوادث المحتملة.
وتشير المعطيات المتاحة عن الوثيقة إلى وجود خانات لأرقام الاتصال ببعض المسؤولين والمتدخلين، دون استكمال جميعها.
لكن تعذر التحقق المستقل من النسخة الكاملة للمادة التكميلية يمنع الجزم بما إذا كانت هذه الخانات قد استكملت في نسخ تشغيلية أخرى.
كما أن إرفاق نموذج للتبليغ بالدراسة لا يثبت اعتماده فعلياً داخل المدابغ أو استخدامه من طرف العاملين.
وتظل معرفة مستوى الاستعداد الحقيقي للطوارئ مرتبطة بوجود إجراءات عملية معتمدة، ووسائل اتصال محدثة، وتكوين العمال، وإجراء تدريبات مناسبة على التدخل عند وقوع الحوادث.
تكوين الصناع التقليديين.. هل يشمل السلامة المهنية؟
تأتي نتائج الدراسة في سياق اهتمام رسمي بتطوير التكوين والحفاظ على الحرف التقليدية.
وكان المغرب قد أعلن خلال يونيو 2026 برنامجاً وطنياً للتكوين بالتدرج المهني في قطاع الصناعة التقليدية، يستهدف تكوين 30 ألف متدرج سنوياً، وبلوغ 150 ألف مستفيد في أفق 2030.
ويشمل البرنامج حرفاً تقليدية متعددة، من بينها المهن المرتبطة بالجلد، بهدف تطوير المهارات المهنية ومواكبة حاجيات سوق الشغل.
لكن نجاح التكوين في هذه الحرف لا يرتبط فقط بإتقان تقنيات الإنتاج، بل يطرح كذلك أهمية إدماج مبادئ السلامة واستعمال معدات الحماية والتعامل الآمن مع المواد المهنية.
ولا تتضمن دراسة المدابغ تقييماً لهذا البرنامج الوطني الجديد، كما لا تثبت أن وحدات التكوين المرتبطة به تشمل حالياً إجراءات محددة لمعالجة المخاطر التي رصدها الباحثون.
وكان MarocActu24 قد تابع إطلاق البرنامج الوطني للتكوين بالتدرج في الصناعة التقليدية، وما يتضمنه من أهداف لتأهيل الشباب والحفاظ على الحرف المغربية.
اقرأ أيضاً | 150 ألف شاب نحو حرف الصناعة التقليدية.. برنامج جديد يراهن على التكوين والشغل
المراقبة الطبية لعمال المدابغ.. ما المعطيات الغائبة؟
تترك نتائج الدراسة سؤالاً مفتوحاً بشأن الحماية الصحية الفعلية للعاملين في المدابغ التقليدية بفاس.
فالبحث سجل تحسناً في بعض إجراءات الوقاية والولوج إلى المراقبة الطبية، لكنه لم يقدم في الملخص المتاح مؤشرات تسمح بمعرفة مدى انتظام هذه المراقبة أو نسبة العمال الذين يستفيدون منها.
كما لم ينشر بيانات مفصلة عن عدد الزيارات الطبية الدورية، أو طبيعة الفحوص التي يخضع لها العمال، أو نتائج التدخلات المرتبطة بالسلامة المهنية.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية لتقييم ما إذا كانت الإجراءات المعتمدة تساهم في تقليص التعرض للمخاطر والكشف المبكر عن المشكلات الصحية.
كما تبرز الحاجة إلى معرفة مدى التنسيق بين المصالح المكلفة بالتشغيل والصحة والصناعة التقليدية والجهات المهنية المعنية بظروف العمل.
وكان MarocActu24 قد تناول إطلاق مرحلة جديدة من إصلاح المنظومة الصحية بجهة فاس مكناس، عبر المجموعة الصحية الترابية التي يُنتظر أن تعزز تنظيم الخدمات الصحية داخل الجهة.
ولا يعني ذلك أن المجموعة تتولى تلقائياً المراقبة الطبية المهنية لعمال المدابغ، لأن تنظيم طب الشغل واختصاصاته يخضع لمساطر ومؤسسات مختلفة.
لكن تطوير العرض الصحي الجهوي يبرز أهمية التنسيق بين خدمات العلاج والوقاية والجهات المختصة بالصحة المهنية عندما يتعلق الأمر بفئات معرضة لمخاطر محددة.
اقرأ أيضاً | أخنوش يطلق من فاس مرحلة جديدة في إصلاح الصحة.. المجموعة الصحية الترابية تدخل امتحان القرب والنجاعة
صحة عمال مدابغ فاس.. ماذا نعرف وما الذي يحتاج إلى جواب؟
تؤكد الدراسة المنشورة في أكتوبر 2026 أن الباحثين رصدوا تحسناً في بعض ممارسات الوقاية داخل المدابغ التقليدية، بالتزامن مع تسجيل شكايات صحية تستدعي تعزيز المتابعة الطبية.
لكنها لا تقدم في ملخصها أرقاماً تسمح بتقييم حجم التحسن، ولا تثبت استمرار جميع الاضطرابات المبلغ عنها خلال سنة 2025.
كما لا تتيح تحديد عدد العمال الذين يستفيدون حالياً من فحوص طبية منتظمة، أو مدى تطبيق خطة الوقاية المقترحة.
ولهذا، فإن تقييم حماية صحة عمال مدابغ فاس يتطلب بيانات إضافية عن عدد العاملين المشمولين بالمراقبة، وطبيعة المخاطر المرصودة، والإجراءات المنفذة ونتائجها.
وتبقى أهمية البحث في أنه ينقل النقاش من وصف ظروف العمل داخل المدابغ إلى سؤال يتعلق بفعالية الوقاية وقياس نتائجها.
فخلف المشهد السياحي لمدابغ فاس، لا يكفي تسجيل تحسن في استعمال معدات الحماية للحكم على الوضع الصحي للعاملين.
والمطلوب لمعرفة مستوى الحماية الفعلية هو تحديد عدد من يخضعون للفحوص الطبية الدورية، ومدى توفر شروط السلامة داخل أماكن العمل، وكيفية التعامل مع الشكايات والحوادث المحتملة.
وهي معطيات يمكن للجهات المختصة والمهنية توضيحها، حتى يصبح النقاش بشأن صحة العمال مبنياً على نتائج قابلة للقياس، وليس على الانطباعات أو المشهد السياحي وحده.


