​بقلم: الباز عبدالإله

أعادت دراسة دولية جديدة لمنظمة العمل الدولية فتح ملف الاستثمار الأجنبي بالمغرب ومدى استفادة المقاولات الوطنية من توسع الصناعات المرتبطة بالمجموعات العالمية، بعدما كشفت أن فروع الشركات الأجنبية ساهمت بنسبة 14.7 في المائة من إجمالي الإنتاج المغربي سنة 2019، في وقت أورد فيه تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن مورداً واحداً فقط من أصل 140 مورداً متمركزاً بالمغرب في صناعة الطيران كان مغربي الملكية، وفق المعطيات التي اعتمدتها المنظمة سنة 2024.

وتكشف المقارنة بين الوثيقتين مفارقة اقتصادية تستحق التوقف عندها: فالمغرب نجح في استقطاب مجموعات صناعية دولية وتطوير صادرات السيارات والطيران، لكنه يواجه تحدياً يتعلق بقدرة المقاولات المملوكة لمغاربة على دخول سلاسل التوريد الأكثر تعقيداً والاستفادة من نقل المعرفة والتكنولوجيا.

الدراسة الجديدة، التي نشرتها منظمة العمل الدولية يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، تحمل عنوان «الاستثمار الأجنبي المباشر وسلاسل القيمة العالمية في تونس ومصر والمغرب: ما أهميتها بالنسبة للتشغيل؟».

واعتمد الباحثون على بيانات منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتحليل مساهمة فروع الشركات متعددة الجنسيات في الإنتاج والتجارة والتشغيل، مع احتساب آثارها المباشرة وغير المباشرة عبر سلاسل التوريد.

غير أن النتائج تستند أساساً إلى بيانات اقتصادية تعود إلى سنة 2019، مع مؤشرات أخرى تمتد إلى سنة 2020 وما بعدها، ولا تمثل حصيلة محدثة لجميع الشركات الأجنبية العاملة بالمغرب خلال أكتوبر 2026.

كما أن الرقم البالغ 14.7 في المائة لا يعبر عن حصة الاستثمار الأجنبي من الناتج الداخلي الخام أو من فرص الشغل، وإنما عن مساهمة فروع الشركات الأجنبية في إجمالي الإنتاج وفق تعريف إحصائي محدد.

المصدر الأصلي | منظمة العمل الدولية – دراسة الاستثمار الأجنبي وسلاسل القيمة في المغرب وتونس ومصر، 12 أكتوبر 2026

الاستثمار الأجنبي بالمغرب.. ماذا تعني نسبة 14.7%؟

تضع منظمة العمل الدولية المغرب في موقع متوسط بين البلدان الثلاثة التي شملتها الدراسة من حيث وزن فروع الشركات الأجنبية في إجمالي الإنتاج.

فقد بلغت مساهمة هذه الفروع 20.7 في المائة بتونس، مقابل 14.7 في المائة بالمغرب و11.1 في المائة بمصر، وفق تقديرات سنة 2019.

لكن ترتيب البلدان يختلف عند الانتقال إلى تحليل طبيعة الأنشطة الاقتصادية وحضورها داخل التجارة الدولية.

فبحسب المنظمة، يتميز المغرب بدينامية توسع أقوى في الأنشطة الموجهة للتصدير، خصوصاً صناعات السيارات والمواد الكيميائية.

أما تونس، فتتميز بارتفاع الوزن النسبي لفروع الشركات الأجنبية في إنتاجها الإجمالي، بينما تسجل مصر الحجم المطلق الأكبر لنشاط هذه الفروع، مع حضور قوي للصناعات الاستخراجية.

ولا تعني هذه الفوارق أن بلداً يحقق تلقائياً نتائج أفضل في التشغيل أو نقل التكنولوجيا، لأن الأثر الاقتصادي للاستثمار يتوقف على طبيعة القطاعات وموقعها داخل سلاسل الإنتاج.

ومن المهم كذلك التمييز بين إجمالي الإنتاج والناتج الداخلي الخام.

فإجمالي الإنتاج يشمل قيمة السلع والخدمات المنتجة قبل استبعاد قيمة المدخلات الوسيطة المستخدمة في إنتاجها، بينما يعتمد الناتج الداخلي الخام على القيمة المضافة.

ولذلك، لا يمكن اعتبار نسبة 14.7 في المائة حصة الشركات الأجنبية من الثروة الصافية المنتجة داخل الاقتصاد المغربي.

30 مليار دولار إنتاجاً.. وليس استثمارات دخلت المغرب

تكشف الدراسة أن الإنتاج الإجمالي لفروع الشركات الأجنبية بالمغرب بلغ نحو 30 مليار دولار سنة 2020، بعد مسار تصاعدي امتد على مدى العقدين السابقين.

وللمقارنة، قدر إنتاج هذه الفروع بنحو 55 مليار دولار في مصر، مقابل حوالي 14 مليار دولار في تونس خلال السنة نفسها.

لكن مبلغ 30 مليار دولار لا يمثل تدفقات استثمار أجنبي مباشر دخلت المغرب سنة 2020، كما لا يعبر عن أرباح الشركات الأجنبية أو الأموال التي حولتها إلى الخارج.

فالمقصود هو قيمة الإنتاج الاقتصادي المنجز بواسطة فروع الشركات متعددة الجنسيات، وهو مؤشر يختلف عن قيمة الاستثمارات وعن الأرباح والقيمة المضافة.

وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تستخدم الأرقام المرتبطة بالشركات الدولية لتقييم جاذبية الاقتصاد المغربي.

فقد ترتفع قيمة الإنتاج بفعل توسع مصنع قائم أو زيادة صادراته، دون أن يقابل ذلك بالضرورة استثمار جديد بالقيمة نفسها.

كما أن توسع نشاط الشركات الأجنبية قد يرتبط بارتفاع مشترياتها من الموردين المحليين أو من شركات دولية أخرى توجد داخل المغرب.

والتمييز بين هذين النوعين من الموردين أساسي لتحديد مقدار استفادة المقاولات المغربية من النشاط الصناعي المتولد عن الاستثمار الدولي.

السيارات تستحوذ على 16% من إنتاج الفروع الأجنبية

تبرز صناعة السيارات ضمن القطاعات الأساسية التي ساهمت في توسع نشاط الشركات متعددة الجنسيات بالمغرب.

فبحسب نتائج منظمة العمل الدولية، مثل قطاع السيارات نحو 16 في المائة من إجمالي إنتاج الفروع الأجنبية خلال سنة 2019.

كما استحوذت منتجات السيارات على أكثر من 20 في المائة من صادرات تلك الفروع، مقابل نحو 17 في المائة للمواد الكيميائية، مع حضور ملحوظ للمعدات الكهربائية.

وتعكس هذه الأرقام تطور موقع المغرب داخل الشبكات الصناعية الدولية، خصوصاً تلك المرتبطة بالأسواق الأوروبية.

لكن ارتفاع الصادرات لا يوضح، بمفرده، نسبة المكونات التي تنتجها شركات مغربية الملكية، أو مقدار المعرفة الصناعية التي انتقلت إليها.

فقد تقوم مجموعة دولية بتصنيع سيارة داخل المغرب اعتماداً على أجزاء تنتجها مصانع محلية مملوكة لشركات أجنبية، إلى جانب مكونات مستوردة من الخارج.

وفي هذه الحالة، تسجل الأنشطة ضمن الإنتاج والصادرات الصناعية المغربية، لكن الاستفادة المباشرة للمقاولات المغربية الملكية تختلف بحسب مشاركتها الفعلية في سلسلة التوريد.

ولا يقلل هذا التمييز من أهمية الوظائف والنشاط الاقتصادي الناتجين عن وجود الشركات الأجنبية، لكنه يساعد على تحديد المستفيدين من مختلف مراحل الإنتاج.

مورد مغربي واحد من أصل 140 في صناعة الطيران

تظهر المفارقة بصورة أوضح عند الرجوع إلى الدراسة الاقتصادية للمغرب التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سنة 2024.

فقد أوردت المنظمة أنه من بين 140 مورداً متمركزاً محلياً في منظومة صناعة الطيران بالمغرب، كان مورد واحد فقط مغربي الملكية، وفق البيانات التي استند إليها التقرير.

ولا يعني ذلك أن المغرب كان يتوفر على شركة واحدة فقط تعمل في صناعة الطيران، أو أن عدد المقاولات المغربية في القطاع بقي ثابتاً حتى سنة 2026.

فالمؤشر يخص فئة الموردين التي اعتمدتها المنظمة ضمن تحليلها للمنظومة الصناعية في الفترة المرجعية، ولا يمثل إحصاءً شاملاً ومحدثاً لجميع المقاولات العاملة بالقطاع.

كما أن وصف المورد بأنه محلي يعني وجود نشاطه داخل المغرب، ولا يشترط أن تكون الشركة مغربية من حيث ملكية رأس المال.

وفي صناعة السيارات، أشارت المنظمة إلى وجود 20 مورداً مغربياً من المستويين الأول والثاني ضمن منظومة التوريد.

ويقصد بالموردين من هذين المستويين الشركات التي توفر المكونات مباشرة للمصنعين الرئيسيين أو للموردين المرتبطين بهم.

وتعكس هذه المعطيات اتساع حضور الشركات الأجنبية داخل حلقات صناعية متقدمة، مع استمرار محدودية مشاركة المقاولات المغربية الملكية في بعض مستويات التوريد.

لكن لا يجوز تقديم رقم المورد الواحد باعتباره حصيلة سنة 2026 دون توفر بيانات جديدة، لأن بنية القطاع وعدد الشركات يمكن أن يتغيرا مع توسع الاستثمارات.

المصدر الرسمي | منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – الدراسة الاقتصادية للمغرب 2024، محور الاستثمار وسلاسل القيمة

260 مصنعاً للسيارات وأكثر من 400 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة

رغم التفاوت في حضور الموردين المغاربة، تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن صناعة السيارات أسهمت في تطوير القاعدة الصناعية للمغرب وخلق فرص شغل مهمة.

فوفق معطيات وزارة الصناعة والتجارة لسنة 2023 التي اعتمدتها المنظمة، كان القطاع يضم 260 مصنعاً، ويوفر نحو 173 ألف وظيفة مباشرة و230 ألف وظيفة غير مباشرة، بما فيها أنشطة المناولة المرتبطة بصناعات أخرى.

وتعكس هذه الأرقام أهمية الصناعة في التشغيل، لكنها لا تمثل جميعها وظائف أحدثتها استثمارات أجنبية جديدة خلال سنة واحدة.

كما أن الوظائف غير المباشرة تختلف من حيث طريقة احتسابها عن العاملين الذين تشغلهم الشركات الصناعية داخل مصانعها بصورة مباشرة.

ولا تسمح الأرقام وحدها بتحديد مستويات الأجور أو طبيعة العقود أو نسبة الوظائف التي تشغلها مقاولات مغربية الملكية.

وتثير هذه الفوارق أهمية قياس جودة التشغيل واستمراريته، إلى جانب عدد المناصب المحدثة.

فالتوسع الصناعي يمكن أن يرفع الطلب على اليد العاملة وعلى الخدمات اللوجستية والصيانة والتجهيزات، لكن استفادة المقاولات المحلية من هذه الفرص تتطلب توفر الكفاءات والمعدات والقدرة على تلبية المعايير الدولية.

ربع القيمة المضافة في الصادرات مصدره الخارج

قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤشراً آخر يتعلق بمصدر القيمة المضافة المضمنة في صادرات المغرب.

فبحسب دراستها لسنة 2024، يأتي نحو ربع القيمة المضافة المضمنة في الصادرات المغربية من الخارج، نتيجة استعمال مدخلات وخدمات منتجة في اقتصادات أخرى.

ويعكس ذلك ارتباط بعض الصناعات التصديرية المغربية بسلاسل توريد دولية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على استيراد مكونات صناعية مرتفعة القيمة.

لكن هذا المؤشر يختلف عن نسبة 14.7 في المائة الواردة في دراسة منظمة العمل الدولية.

فالأولى تقيس حصة فروع الشركات الأجنبية من إجمالي الإنتاج، بينما تتعلق الثانية بمصدر القيمة المضافة المضمنة في الصادرات.

ولا يجوز جمع النسبتين أو المقارنة بينهما كما لو كانتا تقيسان الظاهرة نفسها.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المغرب يشارك في مراحل متعددة من الإنتاج الدولي، لكنه ما زال يعتمد في بعض القطاعات على أنشطة أقل تعقيداً، مثل التجميع وصناعة الأسلاك والمقاعد ومكوناتها.

وفي المقابل، سجل التقرير تطوراً نحو أنشطة أكثر تقدماً، بينها تجميع المحركات وإنتاج مكونات صناعية أعلى تعقيداً.

وتوضح هذه المعطيات أن المشكلة ليست غياب التصنيع أو اقتصار كل الأنشطة على التجميع، وإنما التفاوت في مستوى التطور التقني والقيمة المضافة بين حلقات الإنتاج.

شركات أجنبية تشتري من شركات أجنبية داخل المغرب

تساعد وثيقة أخرى لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، صادرة سنة 2021، على فهم سبب عدم تحول جميع المشتريات المحلية للشركات الدولية إلى فرص مباشرة للمقاولات المغربية الملكية.

فقد خلصت المنظمة إلى أن الشركات متعددة الجنسيات العاملة في بعض اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد بدرجة مهمة على الموردين الموجودين محلياً.

لكنها سجلت أن جانباً من تلك العلاقات يتعلق بشراء مكونات ومدخلات منخفضة التعقيد، أكثر من ارتباطه بعقود البحث والتطوير والابتكار.

كما أوضحت أن سلاسل التوريد في المغرب والأردن تعرف حضوراً بارزاً لشركات أجنبية تورد مدخلات إلى شركات أجنبية أخرى مستقرة داخل البلد نفسه.

ويعني ذلك أن ارتفاع نسبة المشتريات المحلية لا يكفي، وحده، لإثبات توسع استفادة المقاولات الوطنية المملوكة لمغاربة.

فقد تنتقل شركة دولية كبرى إلى المغرب، ثم ترافقها مجموعة من مورديها الأجانب الذين يفتحون مصانع أو فروعاً بالقرب منها.

وينعكس ذلك إيجاباً على التشغيل والإنتاج والصادرات، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال القدرات التكنولوجية نحو مقاولات مغربية مستقلة.

وتنبه المنظمة إلى أن ضعف إمكانات المقاولات الصغرى والمتوسطة في التمويل والجودة والتجهيز قد يحد من قدرتها على الاستجابة للمتطلبات التقنية للمجموعات الدولية.

ولهذا دعت إلى تطوير برامج تأهيل الموردين، وتحسين الولوج إلى التمويل والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات الصناعية والبحثية بين المؤسسات الأجنبية والمحلية.

المصدر الرسمي | منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – علاقات المقاولات المحلية بالشركات الأجنبية، مارس 2021

الاستثمار الأجنبي والتشغيل.. وظائف مباشرة وأخرى غير مباشرة

لا تقيس دراسة منظمة العمل الدولية مساهمة الشركات الأجنبية في الإنتاج والصادرات فقط، بل تحاول تقدير الوظائف المرتبطة بأنشطتها عبر سلاسل القيمة العالمية.

ولهذا الغرض، جمع الباحثون بيانات التشغيل الصادرة عن منظمة العمل الدولية مع قواعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بأنشطة الشركات متعددة الجنسيات والعلاقات بين القطاعات الاقتصادية.

واستُخدم نموذج اقتصادي يعرف باسم «ليونتيف للمدخلات والمخرجات»، لتقدير الوظائف المباشرة داخل فروع الشركات الأجنبية، والوظائف غير المباشرة التي يدعمها طلبها على المواد والخدمات الوسيطة.

ويشمل الأثر غير المباشر أنشطة الموردين والمناولة والنقل والخدمات المرتبطة بالإنتاج.

لكن هذا النوع من النماذج يعتمد تقديرات للعلاقات بين القطاعات وكثافة استعمال اليد العاملة، ولا يعادل إحصاءً مباشراً لجميع عقود الشغل داخل المقاولات.

كما لا يمكن اعتبار كل وظيفة مرتبطة بسلسلة إنتاج دولية منصباً أحدثه استثمار أجنبي جديد خلال السنة نفسها.

وتؤكد الدراسة أن مساهمة الشركات الدولية في التشغيل حقيقية، لكنها تختلف بين القطاعات والبلدان تبعاً لطبيعة الأنشطة وموقعها داخل سلاسل القيمة.

ولا تسمح نتائجها وحدها بالحكم على جودة الأجور أو استقرار الوظائف أو مستوى نقل التكنولوجيا إلى المقاولات الوطنية.

استثمارات وصفقات ضخمة.. لكن أين الأثر داخل المغرب؟

يتقاطع النقاش بشأن أثر الشركات الأجنبية مع المعطيات التي كشفها مجلس المنافسة في تقريره السنوي لسنة 2025.

فقد سبق لموقع MarocActu24 أن تناول ارتفاع عدد عمليات التركيز الاقتصادي المرخصة إلى 185 عملية، بقيمة مالية إجمالية مصرح بها تبلغ نحو 2056.7 مليار درهم.

ومن بينها 82 عملية تمت بين أطراف أجنبية حصراً، ارتبطت بقيمة تقارب 1999.78 مليار درهم، وفق الفرق الحسابي بين إجمالي الالتزامات وقيمة العمليات التي شاركت فيها أطراف مغربية.

لكن تلك المبالغ لا تمثل استثمارات أجنبية مباشرة دخلت المغرب، لأنها قد تشمل صفقات دولية تتعلق بالاستحواذ على مجموعات لها أنشطة داخل المملكة.

وتختلف هذه الأرقام عن دراسة منظمة العمل الدولية التي تقيس الإنتاج والتشغيل المرتبطين بفروع الشركات الأجنبية.

ومع ذلك، تلتقي الوثيقتان عند أهمية تجاوز القيم الإجمالية المعلنة، والبحث عن الآثار الاقتصادية الفعلية على الإنتاج المحلي وفرص الشغل والمنافسة.

اقرأ أيضاً | 82 صفقة بين أجانب تقترب من 2000 مليار درهم.. مفارقة في تقرير مجلس المنافسة!

وفي قطاع الطيران، تابع الموقع خلال أكتوبر 2026 تطورات مرتبطة بعرض صناعي وتجاري قدمته شركة «IAI» الإسرائيلية، مع الرجوع إلى مذكرة تفاهم سابقة حددت مجالات محتملة للتعاون في التصنيع والهندسة والبحث والتطوير.

وتطرح تلك الحالة سؤالاً مماثلاً بشأن انتقال المشاريع المعلنة إلى استثمارات منفذة، ومدى مساهمة الموردين المحليين في عمليات التصنيع، وعدد الوظائف التي أُحدثت فعلياً.

غير أن العروض التجارية ومذكرات التفاهم لا تمثل، في حد ذاتها، عقوداً نهائية أو استثمارات مكتملة التنفيذ.

اقرأ أيضاً | شركة IAI الإسرائيلية تستهدف فرص أسطول لارام بـ200 طائرة

الحوافز الاستثمارية.. كيف تُقاس استفادة المقاولات المغربية؟

يمنح إطار الاستثمار المغربي حوافز مرتبطة بمعايير متعددة، بينها التشغيل والإدماج المحلي والتوزيع الترابي للمشاريع.

وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن بعض هذه الحوافز تستهدف تشجيع الاندماج المحلي للمشاريع الصناعية عبر علاقات التوريد والإنتاج.

لكن تقييم نتائج التحفيزات لا يقتصر على مقارنة المبالغ الاستثمارية المعلنة بعدد المشاريع المصادق عليها.

فالأثر الاقتصادي يتطلب معرفة الاستثمارات التي نُفذت فعلياً، وحجم المشتريات من المقاولات المغربية الملكية، والوظائف التي استمرت بعد انطلاق المشاريع.

كما يقتضي التحقق مما إذا كانت الشركات الوطنية قد انتقلت إلى إنتاج مكونات أكثر تعقيداً، أو استفادت من عقود للتصميم والبحث والتطوير ونقل المعرفة الصناعية.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية بالنسبة إلى القطاعات التي تعرف حضوراً قوياً للمجموعات الأجنبية، خصوصاً السيارات والطيران والصناعات الكهربائية والمواد الكيميائية.

ولا تقدم الدراسة الجديدة حكماً بفشل سياسة جذب الاستثمار الأجنبي بالمغرب، بل تسجل مساهمته في الإنتاج والتصدير والتشغيل.

لكنها تؤكد أن حجم هذه المساهمة يتحدد بطبيعة النشاط الصناعي وموقعه داخل سلسلة الإنتاج، وليس فقط بقيمة الاستثمار.

معطيات 2019 لا تحسم وضع سنة 2026

تستدعي نتائج منظمة العمل الدولية قراءة حذرة بسبب الفترة المرجعية التي اعتمدها الباحثون.

فالنموذج الاقتصادي يرتكز على بنية العلاقات بين القطاعات لسنة 2019، بينما تتضمن بعض الرسوم البيانية بيانات تمتد إلى سنة 2020.

ومنذ ذلك الحين، عرفت سلاسل الإنتاج العالمية تغيرات مرتبطة بجائحة كوفيد-19 والتحول نحو السيارات الكهربائية وإعادة تنظيم التجارة والاستثمارات الدولية.

كما شهد المغرب الإعلان عن مشاريع صناعية جديدة وتوسعات داخل قطاعات السيارات والبطاريات والطيران.

ولهذا، فإن الرقم المتعلق بالمورد المغربي الوحيد في قطاع الطيران لا يمكن اعتماده باعتباره حصيلة محدثة لسنة 2026، كما لا يمكن افتراض بقاء نسبة 14.7 في المائة دون تغيير.

وتحتاج معرفة التطور الفعلي إلى بيانات حديثة تميز بين الشركات المتمركزة داخل المغرب والشركات المملوكة لرأسمال مغربي، مع تحديد مستويات التوريد ونوع المنتجات والخدمات المقدمة.

ويمكن لهذه البيانات أن توضح ما إذا كان توسع الصناعات التصديرية قد رافقه ارتفاع في عدد الموردين المغاربة داخل الأنشطة الأعلى قيمة مضافة.

من يصنع المكونات ومن يحصل على القيمة المضافة؟

تضع الوثائق الدولية سؤالاً محدداً أمام وزارة الصناعة والتجارة والوزارة المكلفة بالاستثمار والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات.

فكم مقاولة مغربية الملكية أصبحت مورداً مباشراً للمصنعين الدوليين خلال السنوات الأخيرة؟ وما حجم مشتريات هذه المجموعات من الموردين المغاربة مقارنة بمشترياتها من الشركات الأجنبية الموجودة داخل المملكة؟

كما تطرح النتائج ضرورة معرفة تطور القيمة المضافة المحلية في الصناعات التصديرية، وعدد المقاولات التي انتقلت من أنشطة المناولة البسيطة إلى تصنيع مكونات متقدمة أو المشاركة في البحث والتطوير.

ويتعلق جانب آخر بتقييم فعالية الحوافز العمومية، من خلال مقارنة الالتزامات الاستثمارية والتشغيلية المعلنة عند المصادقة على المشاريع بالإنجازات الفعلية بعد دخولها مرحلة الإنتاج.

ولا تسمح الوثائق التي جرت مراجعتها بتحديد حجم الأرباح التي تحتفظ بها الشركات الأجنبية أو تحولها إلى الخارج، كما لا تثبت أن المقاولات المغربية لم تستفد من توسع الأنشطة الصناعية.

لكنها تبرز فارقاً مهماً بين نجاح استقطاب الشركات الدولية ونجاح بناء قاعدة واسعة من الموردين الوطنيين القادرين على إنتاج مكونات متقدمة.

وبين نسبة 14.7 في المائة من إجمالي الإنتاج سجلتها فروع الشركات الأجنبية سنة 2019، ومعطيات تاريخية أظهرت مورداً مغربياً واحداً بين 140 مورداً في صناعة الطيران، يتجاوز النقاش حجم الاستثمارات المستقطبة إلى طبيعة الثروة الصناعية التي تتشكل داخل المملكة.

ويبقى المعيار الأساسي لتقييم الاستثمار الأجنبي بالمغرب هو مدى تحوله إلى فرص مستدامة للمقاولات المغربية، ووظائف ذات جودة، ونقل فعلي للمهارات والتكنولوجيا، بما يسمح للاقتصاد الوطني بالانتقال تدريجياً نحو حلقات الإنتاج الأعلى قيمة مضافة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version