​بقلم: الباز عبدالإله

أعادت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية ملف التطبيع مع إسرائيل إلى قلب الجدل السياسي المحيط برئيسة الحكومة المغربية المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما وصفتها صراحة بأنها تدعم العلاقات والتطبيع مع تل أبيب، دون تقديم تصريح مباشر أو وثيقة رسمية تسند هذا التوصيف، وذلك بعد أسابيع من رفضها تحميلها مواقف الناشر المغربي أحمد الشرعي المؤيدة لإسرائيل، وتأكيدها أنها لا تعرفه شخصياً.

ونشرت الصحيفة الإسرائيلية، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، تقريراً بعنوان عبري ترجمته «مؤيدة للتطبيع مع إسرائيل.. المنصوري تستكمل تشكيل الحكومة في المغرب»، أعده محرر الشؤون العربية شاحر كليمان، وتناول الاتفاق على تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة بعد الانتخابات التشريعية المغربية.

ولم يقتصر وصف المنصوري بأنها مؤيدة للتطبيع على العنوان، بل ورد أيضاً داخل متن التقرير، حيث قدمت الصحيفة حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره قريباً من توجهات المؤسسة الملكية، قبل أن تضيف أن المنصوري نفسها تدعم العلاقات والتطبيع مع إسرائيل.

واللافت أن التقرير لم يتضمن تصريحاً للمنصوري تعلن فيه هذا الموقف، ولم يستند إلى بلاغ صادر عن حزبها أو وثيقة توضح الأساس الذي بنت عليه الصحيفة هذا الحكم السياسي.

المصدر الأصلي | إسرائيل هيوم – 13 أكتوبر 2026

المنصوري والتطبيع مع إسرائيل.. موقف منسوب يعيد جدل شتنبر

يكتسب التوصيف الإسرائيلي أهميته من الجدل الذي شهدته الحملة الانتخابية المغربية في شتنبر الماضي، عندما طالب عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، المنصوري بتوضيح موقفها من الدعم الذي أعلنه الإعلامي والناشر أحمد الشرعي لحزب الأصالة والمعاصرة.

وكان الشرعي قد عبّر عن دعمه للمشروع السياسي للحزب، بالتزامن مع دعوته إلى إتاحة الفرصة أمام امرأة لتولي رئاسة الحكومة، وهو ما أثار نقاشاً سياسياً بالنظر إلى مواقفه الإعلامية السابقة المؤيدة لإسرائيل، ومنها مقاله المعروف بعنوان «كلنا إسرائيليون».

واستحضر بنكيران هذه الخلفية خلال مهرجان انتخابي يوم 19 شتنبر، محذراً من أنه سيعتبر المنصوري «مرشحة إسرائيل» لرئاسة الحكومة إذا لم تنأ بنفسها عن مواقف الشرعي.

غير أن هذا الاتهام ظل جزءاً من السجال الانتخابي، ولم يقدم بنكيران دليلاً يثبت وجود دعم رسمي إسرائيلي لترشيح المنصوري أو تنسيق سياسي بينها وبين أي جهة إسرائيلية.

وردت المنصوري برفض تحميلها مسؤولية مواقف الآخرين، مؤكدة أن ما يصدر عن أشخاص خارج حزبها لا يلزمها سياسياً، وأن المواقف الرسمية للأصالة والمعاصرة من القضية الفلسطينية تحددها بلاغاته وبياناته.

وخلال تجمع انتخابي بإقليم الرحامنة، شددت على أنها لا تعرف أحمد الشرعي، ولم يسبق لها أن التقته أو تحدثت معه هاتفياً، رافضة ربطها بمواقفه لمجرد إعلانه دعم حزبها.

كما أكدت أن لا أجندة لها خارج خدمة المغرب، معتبرة أن محاولة إقحامها في مواقف شخص آخر تستهدف التشكيك في صورتها ومواقفها الوطنية.

المصدر | تصريحات المنصوري رداً على بنكيران – 20 شتنبر 2026

وهنا تبرز نقطة أساسية في قراءة التقرير العبري الجديد؛ فالمنصوري نفت معرفتها بالشرعي ورفضت تحمل مسؤولية مواقفه، لكنها لم تقدم، ضمن تلك التصريحات، تحديداً تفصيلياً لموقفها الشخصي من مستقبل العلاقات الدبلوماسية المغربية الإسرائيلية.

وبالتالي، لا يجوز اعتبار رفضها الارتباط بمواقف الشرعي إعلاناً شاملاً لمناهضة التطبيع، كما لا يجوز اعتبار ما نشرته «إسرائيل هيوم» دليلاً كافياً على تبنيها موقفاً مؤيداً له.

الصحيفة تتحدث عن حكومة مكتملة.. والبلاغ الرسمي يحدد المرحلة المقبلة

وتضمن التقرير العبري معطيات عن الأغلبية الجديدة التي ستدعم حكومة المنصوري، وتضم أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

وتتوفر هذه الأحزاب مجتمعة على 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، متجاوزة عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.

غير أن عنوان الصحيفة تحدث عن استكمال تشكيل الحكومة، بينما تؤكد الوثائق المغربية أن ما أُعلن يوم 12 أكتوبر هو الاتفاق على الأغلبية السياسية، وليس انتهاء مسطرة تشكيل الحكومة وتعيين أعضائها.

فبحسب البيان المشترك للأحزاب الأربعة، ستعمل مكونات التحالف على اقتراح أسماء الوزراء والوزيرات، وإعداد البرنامج الحكومي، في مرحلة لاحقة تسبق استكمال الإجراءات الدستورية.

وهذا التمييز مهم، لأن تشكيل الأغلبية البرلمانية لا يعني تلقائياً أن الحكومة الجديدة استكملت تشكيلتها الوزارية أو حصلت على التنصيب البرلماني.

المصدر الرسمي | البوابة الوطنية للمملكة المغربية – إعلان الأغلبية الحكومية

وفي تغطيتها للتحالف الرباعي، اختارت «إسرائيل هيوم» إبراز التطبيع مع إسرائيل في عنوان التقرير، رغم أن البلاغ المغربي المتعلق بتشكيل الأغلبية ركز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.

ولا يثبت هذا الاختيار التحريري وجود تفاهم خاص بين المنصوري وإسرائيل، لكنه يكشف أهمية ملف العلاقات مع المغرب في التغطية التي تخصصها الصحافة الإسرائيلية للتحولات السياسية داخل المملكة.

كما يأتي هذا التطور في سياق إعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب، بعدما أعلن في شتنبر الماضي عن اتفاق يقضي بالارتقاء بمستوى التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين إلى سفارتين وتبادل السفراء.

وكان حزب العدالة والتنمية قد أعلن رفضه لهذه الخطوة، مؤكداً تمسكه بموقفه المناهض للتطبيع والعلاقات والاتفاقيات مع إسرائيل، وهو موقف حزبي يختلف عن السياسة الرسمية للدولة المغربية.

وسبق أن تابع MarocActu24 هذا التطور في مادة تناولت الاجتماع الاستثنائي الذي عقدته الأمانة العامة للحزب عقب الإعلان عن قرار رفع التمثيل الدبلوماسي.

اقرأ أيضاً | اجتماع عاجل بعد قرار السفارتين.. العدالة والتنمية يرفض رفع العلاقات مع إسرائيل

ويُضاف التقرير العبري إلى تغطيات إسرائيلية سابقة اهتمت بتعيين المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر الماضي، وما رافق هذا التعيين من نقاش بشأن استمرارية العلاقات المغربية الإسرائيلية في ظل التحولات الحزبية.

لكن تحديد السياسة الخارجية للمملكة لا يمكن اختزاله في موقف منسوب إلى رئيسة الحكومة داخل صحيفة أجنبية، خصوصاً أن الدستور المغربي يمنح المؤسسة الملكية اختصاصات محورية في التوجهات الاستراتيجية والعلاقات الخارجية.

وبالموازاة مع ذلك، أفرزت الانتخابات التشريعية خريطة سياسية جديدة، بعدما انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة بـ66 مقعداً، في مقابل تشكيل أغلبية رباعية بقيادة الأصالة والمعاصرة.

وكان MarocActu24 قد تناول هذا التحول في مقال عن موقع «الأحرار» الجديد داخل مجلس النواب، عقب خروجه من التحالف الحكومي وانتقال رئاسة الغرفة الأولى إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

اقرأ أيضاً | معارضة أم حياد؟ 66 نائباً للأحرار خارج سباق رئاسة مجلس النواب

وتطرح عودة التطبيع إلى واجهة التغطية الإسرائيلية سؤالاً بشأن مدى استناد هذا النوع من التوصيفات إلى مواقف موثقة للشخصيات المغربية، أو إلى استنتاجات صحفية مرتبطة بقراءة إسرائيلية للتوازنات السياسية والمؤسساتية.

وفي الحالة الحالية، لا يقدم تقرير «إسرائيل هيوم» المعطيات التي تسمح بالجزم بأن المنصوري أعلنت تأييدها للتطبيع، كما أن ردودها السابقة على بنكيران لم تتضمن إعلاناً تفصيلياً بشأن مستقبل العلاقات مع تل أبيب.

وبين الاتهام الانتخابي الذي أطلقه بنكيران في شتنبر والتوصيف الذي نشرته الصحيفة العبرية في أكتوبر، يبقى المعطى المؤكد أن المنصوري رفضت تحميلها مواقف أحمد الشرعي، بينما نسبت إليها «إسرائيل هيوم» تأييد التطبيع دون عرض دليل مباشر في تقريرها.

وهنا يكمن جوهر الجدل الجديد: لماذا اختارت صحيفة إسرائيلية تقديم موقف المنصوري من التطبيع باعتباره أمراً محسوماً، رغم عدم إيرادها تصريحاً أو وثيقة تؤكد ذلك؟

سؤال يظل مفتوحاً في انتظار موقف صريح أو توضيح موثق، دون تحويل توصيف إعلامي أجنبي إلى حقيقة سياسية ثابتة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version