بقلم: قويدر فؤاد
أعادت دراسة علمية دولية جديدة الموارد المائية ببركان إلى واجهة النقاش، بعدما كشفت أن نحو 89 في المائة من التساقطات المطرية بحوض وادي شرعة تعود إلى الغلاف الجوي عبر التبخر والنتح النباتي، بينما اعتمد الباحثون على محطة واحدة لقياس صبيب المياه، في ظل نقص المعطيات الميدانية اللازمة للتحقق من تقديرات تغذية الفرشات الجوفية وكميات المياه المستخرجة للسقي.
الدراسة، التي نُشرت في فاتح أكتوبر 2026 بمجلة «Discover Water» التابعة لمجموعة «Springer Nature»، أنجزها فريق بحثي من جامعة محمد الأول بوجدة وجامعة أليكانتي الإسبانية، بمشاركة باحث من المعهد الوطني للبحث الزراعي، وركزت على تقييم الميزانية المائية لحوض شبه جاف بمنطقة بني يزناسن، يرتبط بالمنظومة المائية لملوية والأنشطة الفلاحية بإقليم بركان.
وتكشف النتائج أن الإشكال لا يتعلق بندرة الموارد وحدها، بل يمتد إلى دقة المعلومات المتاحة بشأنها، خصوصاً أن تقديرات المياه الجوفية لم تخضع للتحقق المستقل بواسطة قياسات مستمرة لمستويات الآبار والفرشات، بينما لم يدمج النموذج المستعمل بصورة مباشرة كميات الضخ الفلاحي أو برامجه الزمنية.
لكن هذه الملاحظات لا تثبت أن وكالة الحوض المائي لملوية تتوفر حالياً على محطة واحدة فقط لمراقبة المنطقة، لأن الباحثين يصفون شبكة المعطيات التي اعتمدوا عليها في إنجاز دراستهم، وليس جرداً رسمياً شاملاً لمحطات القياس العاملة في أكتوبر 2026.
الموارد المائية ببركان.. 89% من التساقطات تعود إلى الغلاف الجوي
حملت الدراسة عنوان «Assessing the hydrological water balance of the poorly gauged semi-arid Oued Cherraa basin in northeastern Morocco using the SWAT model»، وشارك في إعدادها محمد العبودي وأسامة مزرهب وزهار الخير عليوة وسعيد اليعقوبي ووديع سنايبي وعبد الحميد مزرهب.
وشمل البحث حوض وادي شرعة، الذي تبلغ مساحته 267.29 كيلومتراً مربعاً، بمنطقة بني يزناسن شمال شرق المغرب، حيث تتداخل الموارد المائية السطحية والجوفية مع الأنشطة الفلاحية، وخاصة زراعة الحوامض بسهل تريفة.
واعتمد الفريق نموذج «SWAT»، المستخدم لمحاكاة العمليات الهيدرولوجية وتقدير مكونات الميزانية المائية، بما يشمل التساقطات والتبخر والنتح النباتي والجريان السطحي وتغذية المياه الجوفية.
وأظهرت النتائج أن متوسط التساقطات السنوية الذي اعتمده النموذج يبلغ نحو 267 مليمتراً، مقابل 239 مليمتراً من التبخر والنتح النباتي، أي ما يقارب 89 في المائة من مجموع الأمطار.
ويشمل هذا المؤشر المياه التي تتبخر من التربة والأسطح، إلى جانب المياه التي تطلقها النباتات نحو الغلاف الجوي خلال عملياتها الحيوية.
ولا تعني نسبة 89 في المائة أن هذه المياه ضاعت بسبب سوء تدبير إداري، لأن التبخر والنتح جزء طبيعي من الدورة المائية، كما أن الرقم مستخرج من المحاكاة وليس من قياس مباشر مستقل لجميع مكونات الميزانية المائية.
لكن ارتفاع هذه النسبة يوضح محدودية الموارد المتبقية لتغذية الجريان المائي والمخزونات الجوفية داخل مجال شبه جاف.
وبحسب الدراسة، بلغ متوسط الجريان السنوي نحو 15 مليمتراً، أي ما يقارب 6 في المائة من التساقطات، بينما قُدرت تغذية الفرشات الجوفية الضحلة بنحو 12.2 مليمتر سنوياً.
أما تغذية الفرشات العميقة، فلم تتجاوز في تقديرات النموذج 0.76 مليمتر سنوياً، وهو فرق يبرز أهمية الطبقات الجوفية القريبة من السطح في التوازن المائي للحوض.
وتبقى هذه المقادير تقديرات هيدرولوجية لا ينبغي جمعها بصورة حسابية مبسطة باعتبارها حصصاً مستقلة تماماً، بسبب طبيعة العلاقات بين مكونات الجريان والتسرب والتخزين الجوفي.
المصدر العلمي الأصلي | Discover Water – Springer Nature، فاتح أكتوبر 2026
محطة واحدة لقياس الصبيب.. أين تبدأ حدود الدراسة؟
النتيجة الأكثر ارتباطاً بتدبير المياه لا تتعلق بنسبة التبخر وحدها، بل بالقيود التي واجهها الباحثون أثناء محاولة إعادة بناء الميزانية المائية للحوض.
فقد استندت الدراسة إلى بيانات التساقطات التي وفرتها محطة الأرصاد الجوية ببركان خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2020، بينما اعتمدت في قياس الصبيب على محطة «تازارين»، باعتبارها مصدر القياسات المستمرة المتاحة للفريق البحثي.
واستخدم الباحثون سنتي 2012 و2013 لتهيئة النموذج، ثم اعتمدوا قياسات سنتي 2014 و2015 لمعايرته، قبل اختباره باستخدام معطيات الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2016.
ويوضح هذا التسلسل أن الدراسة المنشورة سنة 2026 لا تعرض حصيلة قياسات ميدانية حديثة تعود إلى السنة نفسها، وإنما تحليلاً لبيانات تاريخية بواسطة نموذج رياضي.
وقد حقق النموذج قيمة بلغت 0.58 في مؤشر «NSE» خلال المعايرة، و0.60 خلال التحقق، وهي نتائج اعتبرها الباحثون مقبولة بالنظر إلى طبيعة الحوض ومحدودية المعطيات المتاحة.
لكن قبول أداء النموذج في محاكاة الصبيب لا يعني أن جميع تقديراته المتعلقة بالمياه الجوفية والتبخر أصبحت مؤكدة بقياسات مستقلة.
فالدراسة تقر صراحة بأن تقديرات تغذية الفرشات الجوفية لم تخضع للتحقق باستخدام سجلات مستمرة لمستويات المياه في الآبار أو شبكات القياس البيزومترية.
كما أن تقديرات التبخر والنتح النباتي لم تُختبر مباشرة بواسطة قياسات ميدانية مستقلة أو مقارنات كمية شاملة مع بيانات الاستشعار عن بعد.
ويعني ذلك أن الأرقام المنشورة تصلح لتقديم مؤشرات علمية حول التوازن المائي، لكنها لا تسمح بتحديد مخزون المياه الجوفية المتاح حالياً أو قياس حجم استنزافه بدقة مطلقة.
والأكثر أهمية أن النموذج لم يتضمن بصورة صريحة أحجام المياه المستخرجة للسقي، أو معدلات ضخها والبرامج الزمنية لاستعمالها.
ومن ثم، فإن ربط بعض مؤشرات انخفاض المياه الجوفية بالمناطق الفلاحية المسقية يستند إلى التوزيع المكاني لنتائج النموذج والأدلة الهيدروجيولوجية السابقة، وليس إلى قياس مباشر لكل عمليات الضخ.
وتكشف هذه الحدود أهمية توسيع المعطيات التي تستند إليها الدراسات المائية، دون أن تشكل في ذاتها دليلاً على غياب الرقابة الإدارية أو تعطل جميع تجهيزات القياس بالمنطقة.
سهل تريفة والفرشات الجوفية.. ماذا أظهرت المحاكاة؟
أظهرت الدراسة تفاوتاً بين المناطق الجبلية والمجالات الفلاحية المنخفضة، إذ سجل النموذج مؤشرات إيجابية لتغذية المياه الجوفية في بعض المناطق المرتفعة، مقابل مؤشرات استنزاف داخل مناطق مسقية.
ويرتبط هذا الاختلاف بطبيعة التربة والتضاريس والتكوينات الجيولوجية واستعمالات الأرض، فضلاً عن الأنشطة الزراعية التي تتطلب تعبئة كميات من المياه خلال فترات الجفاف.
وتكتسب النتائج أهمية بالنسبة لسهل تريفة، المعروف بزراعة الحوامض، حيث تسهم الموارد الجوفية في تأمين حاجيات السقي واستمرار الإنتاج الفلاحي.
لكن الدراسة لا تقدم جرداً لعدد الآبار النشطة أو كميات المياه المستخرجة فعلياً من كل فرشة، كما لا تتضمن قياساً حديثاً للتغيرات المسجلة خلال سنتي 2025 و2026.
وبالتالي، لا تسمح نتائجها بإسناد مقدار محدد من الاستنزاف إلى فلاحين أو مؤسسات أو مستعملين بعينهم.
والتمييز هنا ضروري بين وجود مؤشر نمذجي على الضغط الجوفي وبين إثبات حجم الاستغلال الفعلي للموارد، لأن المرحلة الثانية تتطلب بيانات ميدانية عن الضخ ومستويات المياه وتجدد المخزونات.
وكان MarocActu24 قد تناول، في دراسة علمية أخرى منشورة يوم 9 أكتوبر 2026، توقعات بشأن تراجع متوسط صبيب أودية تانسيفت بنسبة تصل إلى 54.30 في المائة ضمن سيناريو مناخي مرتفع الانبعاثات.
ورغم اختلاف المجالين الجغرافيين ومنهجية البحث، تبرز الدراستان أهمية النمذجة العلمية في تقدير المخاطر المائية، وضرورة مراعاة حدود البيانات والفرضيات عند تحويل النتائج إلى قرارات عملية.
اقرأ أيضاً | دراسة تتوقع تراجع صبيب أودية تانسيفت بـ54%.. وخطط الماء أمام اختبار 2050
نسبة 89% ليست جديدة.. فما الإضافة في دراسة 2026؟
تكشف مراجعة الأعمال العلمية السابقة أن نسبة التبخر والنتح النباتي المقدرة بنحو 89 في المائة لم تظهر لأول مرة في الدراسة المنشورة هذا الشهر.
فقد سبق لفريق بحثي يضم عدداً من الباحثين أنفسهم أن نشر، يوم 25 مارس 2025، دراسة في مجلة «Environmental Geochemistry and Health»، تناولت الميزانية المائية لحوض وادي شرعة باستخدام نموذج «SWAT».
وتضمنت تلك الدراسة أيضاً أن التبخر والنتح النباتي يمثلان نحو 89 في المائة من التساقطات السنوية، مقابل مساهمة للجريان في حدود 6 في المائة.
وتكمن الإضافة التي يبرزها البحث المنشور في فاتح أكتوبر 2026 في جعل محدودية الرصد والقياس موضوعاً مركزياً للتحليل، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد صعوبة تقنية يمكن تجاوزها باستخدام النموذج.
فالباحثون ناقشوا بصورة أوضح أثر الاعتماد على محطة واحدة للصبيب، وقصر فترة التحقق، وغياب قياسات مستقلة للمياه الجوفية والتبخر، وعدم إدماج معلومات الضخ في إعدادات المحاكاة.
وهذا التفصيل أساسي عند تقييم القيمة العلمية للدراسة، لأن ما تقدمه ليس اكتشافاً جديداً لنسبة التبخر، بقدر ما هو توضيح لحدود الثقة التي يمكن منحها لبعض تقديرات الميزانية المائية في حوض ضعيف الرصد.
الدراسة السابقة للمقارنة | Environmental Geochemistry and Health، 25 مارس 2025
وفي الجانب المرتبط بالحلول، أوصى الباحثون بتوسيع محطات قياس الصبيب، وتوفير معطيات مستقلة ومنتظمة عن مستويات الفرشات الجوفية، وتحسين تقديرات التبخر والنتح بالاستفادة من الاستشعار عن بعد.
كما شددوا على ضرورة إدماج كميات المياه المستخرجة للسقي ومعدلات الضخ وبرامج استعمالها في النماذج المستقبلية، حتى تصبح التقديرات أكثر قدرة على تمثيل الضغط البشري على الموارد.
وتتلاقى هذه التوصيات مع أهمية المشاريع التي تستهدف إعادة تغذية الفرشات الجوفية وتحسين تدبير الجريان والمياه التقليدية بمناطق أخرى من المغرب.
وكان MarocActu24 قد تابع، في 29 شتنبر 2026، تفاصيل مشروع ممول من البنك الدولي بقيمة 16.3 مليون دولار في واحتي أكّا وأوفوس، تضمن عمليات مرتبطة بإعادة تأهيل الخطارات والسواقي وإنشاء أحواض للتغذية الاصطناعية للفرشات المائية.
ويتعلق الأمر بمشروع مستقل جغرافياً ومؤسساتياً عن حوض وادي شرعة، لكنه يبرز دور قياس الموارد وتجديد المخزونات الجوفية ضمن مقاربات تدبير المياه في المناطق المعرضة للندرة.
اقرأ أيضاً | 16.3 مليون دولار لأكّا وأوفوس.. البنك الدولي يكشف خريطة الفيضانات والخطارات وأسواق الواحات
وتضع نتائج الدراسة وكالة الحوض المائي لملوية والجهات المكلفة بالماء والفلاحة أمام أسئلة تتعلق بتطور أدوات الرصد منذ الفترة التي استعملها الباحثون.
فهل توسعت شبكة محطات القياس بحوض وادي شرعة بعد سنة 2016؟ وما عدد نقاط المراقبة المستمرة لمستويات المياه الجوفية داخل المجال المعني؟ وهل تتوفر قاعدة بيانات محينة عن كميات المياه المستخرجة للسقي، تسمح بمقارنة الضخ الفعلي بمعدلات التجدد؟
كما يطرح البحث سؤالاً بشأن مدى دمج هذه البيانات داخل دراسات التخطيط المائي، خصوصاً في المجالات التي ترتبط فيها استدامة النشاط الفلاحي بقدرة الفرشات على تعويض المياه المستخرجة منها.
ولا تقدم الدراسة تقييماً إدارياً لأداء وكالة الحوض المائي لملوية، ولا تكشف حصيلة الاستثمارات المنجزة في محطات القياس خلال السنوات الأخيرة، لذلك يبقى تحديد الوضع الحالي لشبكة الرصد بحاجة إلى معطيات رسمية محدثة.
لكن نتائجها توضح أن محدودية المعطيات لا تؤثر في معرفة كمية المياه المتاحة فقط، وإنما تؤثر أيضاً في درجة اليقين التي تستند إليها القرارات المتعلقة بالسقي وحماية الفرشات وتوزيع الموارد.
وبين نسبة تبخر ونتح تقدر بنحو 89 في المائة، وجريان سنوي محدود، وتقديرات جوفية لم تخضع للتحقق المستقل، يصبح التحدي المطروح أمام تدبير الموارد المائية ببركان مرتبطاً بتعزيز المعرفة الميدانية بقدر ارتباطه بتعبئة المياه.
فالدراسة الجديدة لا تثبت فشل منظومة المراقبة الحالية، لكنها تكشف أن النتائج العلمية المستخرجة من بيانات محدودة تحتاج إلى رصد أكثر انتظاماً للتحقق منها.
والسؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً هو مدى تطور قياس الصبيب ومستويات الفرشات وكميات الضخ في حوض وادي شرعة، وما إذا كانت المعطيات المتاحة اليوم تسمح بتقدير الموارد القابلة للاستعمال بدقة كافية لحماية النشاط الفلاحي والمخزون الجوفي على المدى الطويل.


