​بقلم: الباز عبدالإله

كشف تحقيق صحفي دولي جديد معطيات تضع صناعة دقيق السمك بالمغرب أمام أسئلة تتعلق باستغلال الثروة السمكية ومراقبة المصانع وتتبع الصادرات، بعدما رصد 14 مصنعاً لإنتاج دقيق وزيت السمك في الصحراء خلال سنة 2025، بينها ثمانية بمدينة العيون، بالتزامن مع تجاوز قيمة واردات إسبانيا من دقيق السمك المغربي 128 مليون دولار منذ سنة 2020.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ضوء تحذيرات علمية بشأن الاستغلال المفرط لبعض الأنواع السمكية التي تدخل في صناعة الأعلاف، ما يطرح سؤالاً حول الكميات الموجهة إلى الاستهلاك البشري وتلك التي تتحول إلى مسحوق وزيوت تستخدم في تربية الأسماك والدواجن والماشية.

التحقيق أنجزه المشروع الصحفي الأمريكي «The Outlaw Ocean Project»، بقيادة الصحافي الاستقصائي إيان أوربينا، ونشرت صحيفة «elDiario.es» الإسبانية تفاصيل منه الجمعة 9 أكتوبر 2026، قبل تحديث المادة صباح اليوم السبت 10 أكتوبر، ضمن تحقيق دولي أوسع يحمل عنوان «Food for Feed»، ويتتبع صناعة دقيق السمك وسلاسل توريده عبر السجلات التجارية وبيانات الشحن ووثائق الشركات والأبحاث العلمية.

غير أن قيمة 128 مليون دولار، التي تعادل نحو 126 مليار سنتيم مغربي وفق سعر صرف تقريبي، تخص واردات إسبانيا من دقيق السمك القادم من المغرب عموماً منذ سنة 2020، ولا تعني أن المصانع الأربع عشرة الموجودة في الصحراء حققت وحدها هذا المبلغ.

وبحسب التحقيق، فإن النشاط الصناعي والتجاري المرتبط بدقيق السمك يطرح تحديات تتجاوز قيمة الصادرات إلى مصدر المواد الأولية، ومدى استدامة المخزونات البحرية، وإمكانية تتبع المنتجات التي تصل إلى الأسواق الأوروبية.

المصدر الأصلي | The Outlaw Ocean Project – التحقيق الدولي بشأن الصيد وصناعة دقيق السمك بالصحراء

الصحيفة الإسبانية | elDiario.es – تحقيق إيان أوربينا المنشور في 9 أكتوبر 2026

مصانع دقيق السمك بالصحراء.. ماذا تكشف وثيقة «أونسا» عن وحدات العيون؟

بالعودة إلى الوثائق المغربية، تظهر لائحة رسمية نشرها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية «أونسا» في مارس 2021، تضم 27 مؤسسة معتمدة صحياً ضمن أنشطة مرتبطة بدقيق وزيت السمك ومشتقاتهما على الصعيد الوطني.

وتتضمن اللائحة ثماني وحدات بمدينة العيون، هي «كوبليت» (Copelit)، و«دلتا أوشن» (Delta Ocean)، و«كي بي فيش» (KB Fish)، و«العيون إليفاج» (Laayoune Elevage)، و«العيون بروتين» (Laayoune Proteine)، و«سيبومير الصحراء» (Sepomer Sahara)، و«سوماترابس» (Somatraps)، و«سوتراجل» (Sotragel).

وتورد الوثيقة أسماء هذه المنشآت وعناوينها وأرقام اعتمادها الصحي، بما يثبت وجودها ضمن السجل الرسمي خلال سنة 2021.

لكن اللائحة لا تسمح بتحديد وضعيتها التشغيلية في أكتوبر 2026، ولا تقدم معطيات عن الطاقة الإنتاجية المستغلة أو أنواع الأسماك التي استقبلتها أو حجم المنتجات التي صدرتها.

وهنا يظهر الفرق بين معطى التحقيق الذي يتحدث عن 14 مصنعاً نشطاً في الصحراء خلال سنة 2025، والوثيقة المغربية التي تثبت اعتماد ثماني وحدات بالعيون قبل أربع سنوات من الفترة التي تناولها التحقيق.

ولا تعني حيازة الاعتماد الصحي أن المصنع يخالف القواعد البيئية أو قواعد الصيد، كما أنها لا تقدم وحدها حكماً بشأن استدامة الموارد السمكية المستخدمة في الإنتاج.

وتبرز الحاجة إلى بيانات رسمية محينة توضح عدد الوحدات المرخصة والنشطة، وحجم إنتاج دقيق السمك وزيته، وعدد عمليات المراقبة المنجزة داخل المصانع.

الوثيقة الرسمية | أونسا – لائحة المؤسسات المعتمدة لإنتاج دقيق وزيت السمك، مارس 2021

وتزداد أهمية هذا الملف عند مقارنته بمعطيات نشاط الصيد البحري في ميناء العيون.

فقد سبق لموقع MarocActu24 أن نشر، في 6 شتنبر 2026، معطيات تفيد بارتفاع مفرغات السردين بالميناء بنسبة 85 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، بينما ارتفعت قيمتها المالية بنسبة 116 في المائة.

وبلغ مجموع مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة بالميناء نحو 173 ألف طن، مقابل 108 آلاف طن خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق تصريحات مندوب الصيد البحري بالعيون.

كما أشارت المعطيات إلى اعتماد تعليق دوري لنشاط الصيد عندما تتجاوز المفرغات مستويات معينة، في إطار تدبير عمليات التفريغ والمحافظة على الموارد.

غير أن هذه الأرقام لا تحدد كمية السردين التي توجهت إلى مصانع دقيق السمك، ولا تسمح باستخلاص نسبة المصطادات المخصصة للأعلاف مقارنة بالكميات الموجهة إلى الاستهلاك أو التصنيع الغذائي.

اقرأ أيضاً | ميناء العيون.. مفرغات السردين تقفز 85% والقيمة ترتفع 116% في ثمانية أشهر

وتتبع التحقيق الدولي مسارات تجارية تنقل دقيق السمك من مناطق الإنتاج إلى مصانع الأعلاف ومزارع تربية الأسماك في أوروبا.

ووفق ما نشرته صحيفة «elDiario.es»، استُخدم دقيق سمك مصدره الصحراء، حتى سنة 2024، ضمن أعلاف موجهة إلى مزارع يونانية تنتج أسماك القاروص والدنيس، وتزود سلسلة المتاجر الإسبانية «ميركادونا».

وأفاد معدو التحقيق بأن الشركة الإسبانية لم تستجب لطلب التعليق الذي وجهوه إليها.

ولا يشكل عدم الرد إثباتاً بارتكاب مخالفة تجارية، كما أن وجود دقيق سمك مصدره الصحراء ضمن سلسلة توريد متعددة الأطراف لا يعني أن جميع منتجات الشركة أو مورديها تعتمد المكونات نفسها.

لكن هذه المعطيات تبرز صعوبة تتبع مصدر المكونات التي تدخل في أعلاف تربية الأسماك، خصوصاً عندما تنتقل بين عدة شركات ودول قبل وصول المنتجات النهائية إلى المستهلك.

وتطرح هذه السلسلة سؤالاً بشأن الوثائق التي تثبت منشأ دقيق السمك، ومدى دقة المعلومات التي يقدمها المصدرون والمستوردون وهيئات الاعتماد الدولية.

ويكتسب ملف المنشأ بعداً قانونياً في ضوء أحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الصادرة في 4 أكتوبر 2024، بشأن اتفاقيتي الصيد والمنتجات الفلاحية بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

فقد أكدت المحكمة إلغاء قرارات المصادقة الأوروبية على اتفاقيتي سنة 2019، بسبب عدم استيفاء شرط موافقة شعب الصحراء على تطبيقهما على الإقليم، وفق المبادئ القانونية التي استندت إليها.

وأوضحت المحكمة أن الموافقة يمكن، في ظروف محددة، افتراضها ضمنياً إذا توفرت شروط قانونية تتعلق بعدم فرض التزامات وتحقيق منافع ملموسة وقابلة للتحقق ومتناسبة مع استغلال الموارد.

وكان بروتوكول اتفاق الصيد قد انتهى في يوليوز 2023، بينما أبقت المحكمة مؤقتاً على آثار القرار المتعلق بالتدابير التفضيلية للمنتجات الفلاحية لمدة 12 شهراً.

في المقابل، يتمسك المغرب بسيادته على أقاليمه الجنوبية، ويعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً لتسوية النزاع، وهو موقف يحظى بدعم دولي من عدة دول.

ولا تشكل الأحكام الأوروبية إثباتاً تلقائياً لوجود مخالفات تجارية لدى المصانع المذكورة في التحقيق، لأن تحديد الوضع القانوني لكل عملية تصدير يتطلب فحص المنتج المعني ومنشئه وقواعد الاستيراد المطبقة عليه.

المصدر القضائي الرسمي | محكمة العدل الأوروبية – بلاغ أحكام 4 أكتوبر 2024

وفي جانب آخر من التحقيق، أفاد فريق «The Outlaw Ocean Project» بأنه لم يعثر على أرقام تعريف صادرة عن المنظمة البحرية الدولية لعشر سفن على الأقل ضمن الأسطول الذي درسه، كما لم يجد تسجيلاً لسبعين سفينة على الأقل في السجل العالمي لسفن الصيد التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

ويستخدم هذان النظامان في التعرف على السفن وتتبع هويتها وأنشطتها، لكن شروط الحصول على أرقام التعريف والتسجيل تختلف بحسب فئة السفينة وحجمها ونشاطها والمتطلبات القانونية المطبقة عليها.

ولذلك لا يكفي غياب سفينة عن أحد السجلات الدولية للجزم بأنها تمارس صيداً غير قانوني.

غير أن نتائج البحث تثير سؤالاً حول قدرة الجهات المختصة على مطابقة بيانات السفن والكميات المصطادة والمفرغات المصرح بها مع المواد الأولية التي تصل إلى وحدات صناعة دقيق وزيت السمك.

وتبدو هذه المسألة ذات أهمية عند الانتقال إلى التحذيرات العلمية التي استحضرها التحقيق بشأن وضعية بعض المخزونات السمكية.

فبحسب ما أورده معدو التحقيق استناداً إلى تقييم اللجنة العلمية المشتركة لاتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوروبي لسنة 2023، فإن نوعين من السردينيلا، هما السردينيلا المستديرة والسردينيلا المفلطحة، كانا مصنفين ضمن الموارد المعرضة للاستغلال المفرط.

وأشار التحقيق إلى أن التقييم أوصى بعدم استعمال هذين النوعين في صناعة دقيق السمك، وأن فريق البحث لم يعثر، إلى غاية سنة 2025، على مؤشرات تثبت تنفيذ هذه التوصية.

ولا يعني ذلك أن جميع أنواع السردين المغربي تتعرض للوضع البيولوجي نفسه، إذ تختلف تقييمات المخزونات باختلاف الأنواع والمناطق البحرية.

كما أن عدم عثور فريق التحقيق على دليل لتنفيذ توصية معينة لا يثبت وحده عدم اتخاذ أي إجراء تنظيمي بشأنها.

لكن التحذير العلمي يطرح سؤالاً محدداً أمام الجهات المكلفة بالصيد البحري: ما الكميات الفعلية من السردينيلا التي توجه إلى صناعة دقيق السمك، وما التدابير المعتمدة لحماية الأنواع التي تصنفها التقييمات العلمية ضمن الموارد المفرطة الاستغلال؟

المصدر العلمي الرسمي | المفوضية الأوروبية – تقرير اللجنة العلمية المشتركة لاتفاق الصيد المغربي الأوروبي لسنة 2023، المنشور في 25 يونيو 2024

ولم يقتصر التحقيق على المصانع والسفن والمخزونات السمكية، بل تناول أيضاً القرب الجغرافي للسكان من وحدات إنتاج دقيق السمك.

وبحسب تقديرات أنجزها الفريق اعتماداً على البيانات السكانية والتحليل الجغرافي، يعيش أكثر من 22 ألف شخص، بينهم ما يزيد على خمسة آلاف طفل دون الخامسة عشرة، داخل نطاق يقارب 1.6 كيلومتر من المصانع التي رصدها في الصحراء.

ولا تمثل هذه التقديرات نتائج فحوص طبية أو قياسات فعلية لتعرض السكان للتلوث، لكنها تحدد نطاقاً سكانياً يستحق الاهتمام عند تقييم آثار النشاط الصناعي.

وتعتمد صناعة دقيق السمك على عمليات الطهي والضغط والتجفيف والطحن، وهي أنشطة قد تنتج عنها روائح وانبعاثات تستلزم تجهيزات للمراقبة والمعالجة.

ومن هنا تبرز أهمية نشر معطيات بشأن قياسات الانبعاثات الصناعية، ونتائج التفتيش البيئي، والشكايات المتعلقة بالروائح إذا كانت مسجلة، والإجراءات المتخذة لمعالجتها.

ويعيد التحقيق أيضاً طرح سؤال العلاقة بين القيمة الاقتصادية لصناعة دقيق السمك والكلفة البيئية المحتملة المرتبطة باستخدام الموارد البحرية.

فالرقم التجاري البالغ أكثر من 128 مليون دولار يوضح أهمية السوق الإسبانية بالنسبة إلى صادرات دقيق السمك المغربي، لكنه لا يكفي لتقييم مردودية هذه الصناعة أو أثرها على المخزون البحري.

ويتطلب هذا التقييم بيانات تفصيلية عن حجم الأسماك المستعملة وأنواعها، ونسبة المواد الأولية المتأتية من مخلفات التصنيع الغذائي مقارنة بالأسماك الكاملة، إضافة إلى إنتاج المصانع وصادراتها.

وتبقى هذه الفوارق أساسية، لأن إنتاج دقيق السمك من مخلفات تحويل المنتجات البحرية لا يطرح بالضرورة الضغوط نفسها التي يطرحها تخصيص كميات من الأسماك المصطادة مباشرة لصناعة الأعلاف.

وبعد نشر التحقيق الدولي، تتجه الأسئلة إلى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والجهات المسؤولة عن المراقبة البيئية.

وتتعلق أبرز المعطيات المطلوبة بحجم الإنتاج السنوي لدقيق وزيت السمك، وتوزيع الوحدات المرخصة، ومصادر تموينها، ونوعية المصطادات المستعملة، ومدى تطبيق التوصيات العلمية الخاصة بالمخزونات المعرضة للاستغلال المفرط.

كما يظل من الضروري توضيح حصيلة المراقبة الصحية والبيئية للمصانع، وعدد المخالفات والإجراءات المتخذة بشأنها، إن وجدت، إضافة إلى الآليات المعتمدة لتتبع منشأ المواد الموجهة إلى التصدير.

ولا يمثل التحقيق الصحفي حكماً قضائياً بوقوع مخالفات لدى الشركات التي ذكرها، لكنه قدم معطيات قابلة للتحقق، تستدعي من الجهات المختصة توضيحها أو تصحيحها استناداً إلى السجلات الرسمية.

فبين 14 مصنعاً رصدها التحقيق في الصحراء، وواردات إسبانية تتجاوز 128 مليون دولار، وتحذيرات علمية بشأن استغلال السردينيلا، يبرز السؤال الذي يحتاج إلى جواب بالأرقام: ما حجم الثروة السمكية التي تتحول سنوياً إلى دقيق وزيوت، وهل تسمح منظومة المراقبة الحالية بضمان استدامة هذه الموارد وتتبع مصيرها من البحر إلى الأسواق الدولية؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version