بقلم: قويدر

لم يصمد اتفاق أربعة أحزاب مغربية لتشكيل مجموعة نيابية مشتركة سوى ستة أيام، بعدما اختارت جبهة القوى الديمقراطية وحزب الديمقراطيين الجدد الانضمام إلى فريق برلماني يقوده حزب التقدم والاشتراكية، تاركين حزبي الإنصاف والوحدة والديمقراطية بثلاثة مقاعد فقط، لا تكفي لتشكيل مجموعة داخل مجلس النواب.

وبين الإعلان عن مبادرة «الخيار الديمقراطي» يوم 3 أكتوبر 2026، وتوقيع اتفاق جديد يوم 9 أكتوبر، انتقل ثلاثة نواب من مشروع مجموعة تضم ستة أعضاء إلى فريق مشترك يضم 22 نائباً، في تحول يطرح تساؤلات حول طبيعة الالتزامات السياسية التي جمعت الأحزاب الأربعة والأسباب التي دفعتها إلى تغيير تحالفاتها قبل استكمال إجراءات التأسيس.

وتعود بداية القصة إلى السبت 3 أكتوبر، عندما اتفقت أحزاب جبهة القوى الديمقراطية والإنصاف والديمقراطيين الجدد والوحدة والديمقراطية على تأسيس مجموعة نيابية باسم «الخيار الديمقراطي»، تضم ستة نواب منتخبين خلال اقتراع 23 شتنبر الماضي.

وتوزعت المقاعد بين جبهة القوى الديمقراطية والإنصاف بمقعدين لكل منهما، مقابل مقعد واحد للديمقراطيين الجدد وآخر للوحدة والديمقراطية.

وكان الاتفاق يمنح الأحزاب الأربعة إمكانية العمل ضمن مجموعة نيابية، بعدما استوفت من حيث العدد النصاب القانوني المحدد في أربعة أعضاء، غير أن المبادرة تعثرت قبل استكمال مسطرة تأسيسها داخل البرلمان.

المصدر | إعلان الأحزاب الأربعة تأسيس مجموعة «الخيار الديمقراطي» – 4 أكتوبر 2026

تفكك تحالف «الخيار الديمقراطي».. 6 أيام غيّرت الحسابات البرلمانية

تكمن المفارقة في التصريحات التي أدلى بها المصطفى بنعلي، الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية، يوم الأحد 4 أكتوبر، عندما دافع عن مشروع المجموعة المشتركة، مؤكداً أنه لا يقوم على مجرد تجميع للأرقام.

وقال بنعلي، في تصريحات نقلتها هسبريس، إن المبادرة تستهدف تعزيز الحضور البرلماني وتطوير العمل المؤسساتي، «بعيداً عن منطق الحسابات العددية والتحالفات الظرفية».

واعتبر أن المجموعة تستند إلى قناعات سياسية مشتركة، وأن نجاحها ينبغي أن يقاس بنوعية مساهمتها التشريعية والرقابية، لا بعدد المقاعد التي تجمعها.

لكن بعد خمسة أيام فقط، أصبح حزبه طرفاً في اتفاق جديد مع التقدم والاشتراكية والديمقراطيين الجدد، منح حزب «الكتاب» إمكانية تشكيل فريق نيابي يتجاوز النصاب القانوني.

ولم يكن حزب التقدم والاشتراكية يتوفر، عقب انتخابات 23 شتنبر، سوى على 19 مقعداً، أي أقل بمقعد واحد من العدد المطلوب لتشكيل فريق برلماني.

وجاء التحول الأول بانضمام حنان زميزم، المنتخبة باسم الديمقراطيين الجدد، ليرتفع العدد إلى 20 نائباً، قبل التحاق دنيا الزاهر ونادية نوعم، المنتخبَتين باسم جبهة القوى الديمقراطية، ليصل مجموع الفريق إلى 22 عضواً.

وبذلك استعاد التقدم والاشتراكية العدد نفسه الذي كان يتوفر عليه خلال الولاية التشريعية السابقة، لكن بصيغة فريق مشترك بين ثلاثة أحزاب، بدلاً من الاقتصار على نوابه المنتخبين باسمه.

المصدر | بنعلي يدافع عن «الخيار الديمقراطي» ويرفض اختزال المبادرة في الحسابات العددية

ولا يتعلق هذا التحول، وفق المعطيات المعلنة، بانتقال النائبات الثلاث من أحزابهن إلى حزب التقدم والاشتراكية، وإنما بانضمامهن إلى فريق برلماني مشترك مع احتفاظ الأحزاب الموقعة باستقلاليتها السياسية والتنظيمية.

لكن النتيجة العددية كانت واضحة: ثلاثة نواب غادروا مشروع المجموعة الأولى، فيما أصبح النواب الثلاثة المتبقون، الممثلون لحزبي الإنصاف والوحدة والديمقراطية، غير قادرين بمفردهم على استكمال تأسيسها.

وتنص المادة 40 من النظام الداخلي لمجلس النواب على ألا يقل عدد أعضاء الفريق النيابي عن 20 عضواً، وألا يقل عدد أعضاء المجموعة النيابية عن أربعة.

كما تنص المادة 41 على ضرورة تقديم لوائح الأعضاء وتوقيعاتهم والتسمية المختارة إلى رئاسة المجلس ضمن إجراءات التأسيس.

ويعني ذلك أن إعلان التوافق السياسي بين الأحزاب لا يكفي وحده لإثبات التأسيس القانوني لمجموعة برلمانية.

المصدر الرسمي | مجلس النواب المغربي – المادتان 40 و41 من النظام الداخلي

وقبل الإعلان عن الاتفاق الثلاثي الجديد، كشف محمد ضريف، رئيس حزب الديمقراطيين الجدد، عن خلافات رافقت محاولة تأسيس «الخيار الديمقراطي».

ففي تصريحات أدلى بها لهسبريس يوم 8 أكتوبر، رفض ضريف اعتبار انتقال نائبة حزبه إلى فريق التقدم والاشتراكية انسحاباً من مجموعة قائمة، مؤكداً أن المجموعة لم تستكمل تأسيسها أصلاً.

وأوضح أن خلافات ظهرت بشأن تسمية المجموعة، التي كان مقترحاً في البداية أن تحمل اسماً يشير إلى حزبي الإنصاف والوحدة والديمقراطية، قبل الاستقرار على تسمية «الخيار الديمقراطي».

كما تحفظ على طريقة طرح اسم النائب العربي الشريعي، المنتخب عن حزب الإنصاف، لتولي مهمة تنسيق المجموعة، معتبراً أن اختيار المنسق كان يستوجب التشاور بين جميع الأطراف.

وتحدث ضريف أيضاً عن غياب المصطفى بنعلي ونائبتي جبهة القوى الديمقراطية عن لقاء التوقيع، مشيراً إلى أن الجبهة لم تكن قد وقعت الاتفاق إلى حدود الثلاثاء على الأقل، وفق روايته.

غير أن مصدراً من جبهة القوى الديمقراطية قدم لهسبريس رواية مختلفة، مؤكداً حضور ممثلين عن الحزب، وأن توقيع النائبتين كان مرتقباً خلال لقاء بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، وفق تفاهم سابق.

وتكشف الروايتان وجود خلاف حول مسطرة التوقيع وترتيبات المجموعة، دون أن تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بأن طرفاً معيناً تعمد إفشال الاتفاق.

المصدر | محمد ضريف يكشف كواليس تعثر «الخيار الديمقراطي» – 8 أكتوبر 2026

واللافت أن ضريف كشف أيضاً أن فكرة انضمام نائبة حزبه إلى التقدم والاشتراكية طُرحت عليه قبل الإعلان عن مشروع «الخيار الديمقراطي».

وقال إنه رفض المقترح في البداية بسبب التزام حزبه بالمبادرة الرباعية، قبل أن يعيد عمر العباس، المنسق الجهوي للديمقراطيين الجدد بجهة طنجة تطوان الحسيمة، طرح الموضوع.

وبحسب روايته، التقى العباس بمحمد نبيل بنعبد الله، وجرى الاتفاق على انضمام حنان زميزم إلى الفريق النيابي للتقدم والاشتراكية.

وتوضح هذه التفاصيل أن الاتصالات بشأن التحالف الجديد لم تبدأ بالضرورة بعد تعثر الاتفاق الرباعي، بل كانت هناك مشاورات سابقة تتعلق بإمكانية استكمال فريق حزب «الكتاب».

وفي 9 أكتوبر، صدر البلاغ المشترك الموقع من طرف محمد نبيل بنعبد الله والمصطفى بنعلي ومحمد ضريف، ليعلن اتفاق الأحزاب الثلاثة على تشكيل فريق برلماني مشترك خلال الولاية التشريعية 2026-2031.

وأكد البلاغ أن الفريق سيعمل على ممارسة مهام التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية، مع احترام استقلالية كل حزب وهويته ومرجعيته.

ولم يتضمن البلاغ، في المعطيات المنشورة، تفاصيل توزيع المسؤوليات داخل الفريق الجديد أو تفسيراً مشتركاً لأسباب التخلي عن الاتفاق الأول مع حزبي الإنصاف والوحدة والديمقراطية.

المصدر | بنعبد الله وبنعلي وضريف يعلنون فريقاً برلمانياً مشتركاً – 10 أكتوبر 2026

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش بشأن الفارق بين الخطاب السياسي المعلن ومقتضيات تشكيل التحالفات داخل المؤسسة التشريعية.

فبينما شدد بنعلي، يوم 4 أكتوبر، على ضرورة تجاوز الحسابات العددية، انتهى المسار بعد أيام قليلة إلى اتفاق وفر لحزب التقدم والاشتراكية ثلاثة مقاعد إضافية، وأتاح له تجاوز عتبة الفريق النيابي.

غير أن هذا التسلسل لا يكفي وحده لإثبات وجود صفقة سياسية أو مقابل غير معلن، لأن الاتفاقات البرلمانية بين الأحزاب يمكن أن تقوم على اعتبارات سياسية وتنظيمية مشروعة، ما دامت تحترم القانون.

وكان MarocActu24 قد تناول في مادة سابقة تصريحات لمحمد نبيل بنعبد الله انتقد فيها ما وصفه بـ«البيع والشراء» و«المسخ السياسي» المرتبط بانتقال المرشحين والمنتخبين بين الأحزاب، ودعا خلالها إلى «تصويت عقابي» لمواجهة هذه الممارسات.

ولا يعني استحضار هذه التصريحات أن الاتفاق البرلماني الجديد يدخل ضمن الممارسات التي انتقدها بنعبد الله، لكنه يجعل توضيح معايير التحالفات الجديدة ومضامينها السياسية أمراً مهماً لفهم الاختيارات التي تعلنها الأحزاب.

اقرأ أيضاً | «بيع وشراء ومسخ سياسي».. بنعبد الله يهاجم ترحال المرشحين ويدعو إلى تصويت عقابي

وكان الموقع قد تابع أيضاً انتقال بنعبد الله، عقب الانتخابات، من الدعوة إلى التصويت العقابي ضد أحزاب الحكومة السابقة إلى الحديث عن وجود نقاط التقاء مع حزب الأصالة والمعاصرة خلال مشاورات تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، دون أن يحسم آنذاك مشاركة حزبه في الحكومة الجديدة.

وتوضح هذه التطورات أن مرحلة ما بعد الانتخابات فتحت أمام الأحزاب حسابات سياسية وبرلمانية تختلف عن مواقف الحملة، وهو ما يجعل متابعة الاتفاقات الفعلية أكثر أهمية من الاكتفاء بالتصريحات السابقة.

اقرأ أيضاً | 10 أيام بين «التصويت العقابي» و«نقاط الالتقاء».. بنعبد الله يترك باب حكومة المنصوري مفتوحاً

أما على مستوى المبادرة الرباعية، فإن الحصيلة العددية لا تحتمل التأويل: اتفاق أُعلن بين أربعة أحزاب بستة نواب يوم 3 أكتوبر، ثم التحاق ثلاثة منهم بفريق آخر يضم 22 عضواً بموجب اتفاق 9 أكتوبر.

وبقي حزبا الإنصاف والوحدة والديمقراطية أمام خيار البحث عن نائب رابع على الأقل لتأسيس مجموعة نيابية، أو اختيار صيغة أخرى لممارسة العمل البرلماني، وفق المقتضيات القانونية والتنظيمية.

وتبقى الأسباب الكاملة لتغير التحالفات مرتبطة بما ستقدمه القيادات المعنية من توضيحات، خصوصاً أن التصريحات المتاحة تكشف خلافات حول الاسم والتوقيع والتنسيق، لكنها لا تحسم مدى تأثير المفاوضات مع التقدم والاشتراكية في إنهاء الاتفاق الأول.

وبين دفاع بنعلي عن تجاوز الحسابات العددية، ورواية ضريف بشأن الخلافات التنظيمية، ثم توقيع الرجلين اتفاقاً جديداً مع بنعبد الله، يظل السؤال السياسي المطروح: هل كان «الخيار الديمقراطي» مشروع تحالف لم تنضج شروطه التنظيمية، أم أن فرصة تشكيل فريق من 22 نائباً أعادت ترتيب أولويات الأطراف الثلاثة خلال ستة أيام فقط؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version