صبيب أودية تانسيفت قد يتراجع بأكثر من النصف خلال العقود المقبلة، وفق دراسة علمية جديدة نُشرت الجمعة 9 أكتوبر 2026، كشفت أن ثمانية أحواض فرعية بالمنطقة قد تواجه انخفاضاً في متوسط الجريان المائي يصل إلى 54.30 في المائة تحت سيناريو الانبعاثات المرتفعة، ما يضع التخطيط المائي أمام تحدي ضمان الإمدادات في ظل موارد طبيعية مرشحة للتقلص.

الدراسة، المنشورة في مجلة «Scientific Reports» التابعة لمجموعة «Springer Nature»، توقعت انخفاض متوسط صبيب الأودية بنسبة 44.63 في المائة في سيناريو الانبعاثات المتوسطة، مقابل 54.30 في المائة في السيناريو المرتفع، اعتماداً على نتائج خمس مجموعات من النماذج المناخية شملت الأحواض الفرعية الثمانية.

وتخص هذه التوقعات متوسط الفترة الممتدة من 2019 إلى 2050، مقارنة بالفترة المرجعية 1989–2019، ولا تعني أن الأودية فقدت بالفعل نصف صبيبها سنة 2026، أو أن النسبة تمثل انخفاضاً منتظراً خلال سنة 2050 وحدها.

وتكتسب توقعات تراجع صبيب أودية تانسيفت أهمية إضافية عند مقارنتها بالمعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لوكالة الحوض المائي لتانسيفت، التي تقر في عرضها للمخطط التوجيهي للتهيئة المندمجة للموارد المائية بوجود عجز مائي مزمن، ومخاطر متزايدة على استمرارية التزويد بالماء، خصوصاً على مستوى المنظومة الكبرى لمراكش.

غير أن الدراسة الجديدة لا تقدم تقييماً لتنفيذ ذلك المخطط، وإنما تضيف معطيات علمية يمكن استخدامها لاختبار مدى ملاءمة الفرضيات المناخية المعتمدة في التخطيط للسنوات المقبلة.

صبيب أودية تانسيفت.. 54.30% تراجعاً محتملاً في السيناريو المرتفع

أنجز الدراسة فريق بحثي يضم هند باتي وبوعبيد المنصوري وحفصة بوعمري وباحثين آخرين، ينتمون إلى مؤسسات علمية مغربية ودولية.

وحملت الدراسة عنوان «Hydrological response to climate change across semi-arid sub-basins of the Tensift watershed, Morocco»، وركزت على تقييم استجابة الجريان المائي للتغيرات المناخية داخل ثمانية أحواض فرعية تقع ضمن حوض تانسيفت.

واعتمد الباحثون النموذج الهيدرولوجي «GR2M»، الذي يحاكي العلاقة بين التساقطات والحرارة وصبيب المجاري المائية على أساس شهري، بالاستناد إلى بيانات مناخية مستمدة من خمس سلاسل نمذجة إقليمية وعالمية ضمن مبادرة «Med-CORDEX».

واستُخدمت في البحث معطيات هيدرولوجية ومناخية قدمت وكالة الحوض المائي لتانسيفت جزءاً منها، إلى جانب بيانات الحرارة المستخرجة من منظومة «ERA5-Land».

وأظهرت المحاكاة أن متوسط التساقطات قد ينخفض بنسبة 29.37 في المائة تحت السيناريو المناخي RCP4.5، وترتفع نسبة التراجع إلى 39.25 في المائة تحت السيناريو الأكثر حدة RCP8.5.

وفي المقابل، توقعت الدراسة ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار 1.50 درجة مئوية في السيناريو الأول، و2.56 درجة في السيناريو الثاني.

وتنعكس هذه التغيرات على الموارد المائية، إذ يرتبط تراجع التساقطات بانخفاض المياه التي تغذي الأودية، بينما يزيد ارتفاع الحرارة الطلب التبخري المحتمل، ما يساهم في الضغط على التوازن المائي للأحواض.

وبناء على نتائج النمذجة، بلغ متوسط التراجع المتوقع في صبيب أودية تانسيفت 44.63 في المائة تحت السيناريو المتوسط، و54.30 في المائة تحت السيناريو المرتفع.

ولا تمثل النسبة الأخيرة انخفاضاً متطابقاً في جميع الأودية الثمانية، وإنما متوسطاً لنتائج الأحواض المدروسة وسلاسل النماذج المناخية الخمس.

🟦 المصدر العلمي الأصلي | Scientific Reports – Springer Nature، دراسة 9 أكتوبر 2026

وكالة تانسيفت تقر بالعجز المائي ومخاطر التزويد بمراكش

عند العودة إلى وثائق التخطيط الرسمية، تظهر أهمية النتائج الجديدة بصورة أوضح.

فوكالة الحوض المائي لتانسيفت تعرض، ضمن المخطط التوجيهي للتهيئة المندمجة للموارد المائية، مجموعة من الاختلالات التي تواجه تدبير المياه في أحواض تانسيفت وقصوب وإيكوزولن.

وتضع الوكالة ضمن أبرز الإشكالات العجز المائي المزمن، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، والخسائر المرتبطة بمحدودية تعبئة الموارد وتدهور بعض التجهيزات المائية.

وتشير الوثيقة إلى مخاطر متزايدة تهدد استمرارية التزويد بالماء، خصوصاً بالمنظومة الكبرى لمراكش، نتيجة ارتفاع الحاجيات المائية.

كما تقر بأن قدرات التخزين المتاحة لا تضمن بالضرورة تأمين الإمدادات خلال فترات الجفاف الطويلة التي قد تمتد بين سنتين وثلاث سنوات.

وتدرج الوكالة كذلك تراجع الواردات المائية تحت تأثير التغيرات المناخية ضمن العوامل التي تزيد اختلال التوازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات المستقبلية.

ولا تقف الوثيقة عند تشخيص المشكلة، بل تعرض خيارات تشمل تطوير الموارد المائية غير الاعتيادية، وتعزيز التحلية، وتحسين تدبير الطلب، والرفع من قدرات التعبئة والتحويل.

وتؤكد الوكالة أن تطوير الموارد المائية التقليدية داخل المجال المعني لن يكون كافياً وحده لتغطية الحاجيات المتوقعة في أفق 2050، ما يستدعي الاعتماد على حلول إضافية، بينها تحلية مياه البحر وتعزيز تحويل المياه.

وتشمل المشاريع الواردة في المخطط محطة لتحلية مياه البحر بآسفي، مع تخصيص حجم مائي قدره 71 مليون متر مكعب لفائدة مراكش الكبرى ضمن التصور المعروض.

وهذا الرقم يتعلق بما ينص عليه المخطط، ولا يشكل دليلاً على أن الحجم المذكور أصبح يُضخ فعلياً إلى المدينة.

المصدر الرسمي | وكالة الحوض المائي لتانسيفت – المخطط التوجيهي للتهيئة المندمجة للموارد المائية

هل تستوعب خطط تدبير الماء تراجعاً يتجاوز 50%؟

تضع المقارنة بين الدراسة العلمية الجديدة والمخطط الرسمي سؤالاً محدداً أمام الجهات المكلفة بتدبير الموارد المائية: هل خضعت الفرضيات التي تقوم عليها برامج تعبئة المياه وتوزيعها لاختبارات تأخذ في الحسبان احتمال انخفاض متوسط صبيب الأودية بأكثر من النصف في بعض السيناريوهات المناخية؟

فالدراسة لا تتحدث عن مجرد انخفاض محدود في التساقطات، وإنما عن استجابة هيدرولوجية قد تكون أشد من تراجع الأمطار نفسها.

وتظهر الأرقام ذلك بوضوح: في السيناريو المرتفع، يتراجع متوسط التساقطات بنسبة 39.25 في المائة، بينما ينخفض متوسط صبيب الأودية بنسبة 54.30 في المائة.

ويعني هذا الاختلاف أن العلاقة بين المطر والمياه الجارية ليست علاقة حسابية مباشرة، لأن جزءاً من التساقطات يتأثر بالتبخر والتسرب والتخزين داخل التربة والتفاعلات الطبيعية الأخرى التي تتحكم في كمية المياه الواصلة إلى المجاري المائية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية عند دراسة خيارات السقي وتعبئة المياه السطحية والمحافظة على الفرشات الجوفية، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها الحاجيات الفلاحية مع الطلب الحضري والسياحي.

وكان MarocActu24 قد تناول في دراسة سابقة العلاقة بين الموارد المائية والانتقال الطاقي بالمغرب، بعدما أظهرت نتائج أكاديمية أن التغيرات في سحب المياه ترتبط بحصة الكهرباء المتجددة بطريقة غير متماثلة على المدى القصير.

اقرأ أيضاً | معامل -5.28 عند تراجع سحب المياه.. دراسة جديدة تضع انتقال المغرب الطاقي أمام اختبار الماء

ولا تسمح الدراسة الجديدة بالجزم بأن منشآت مائية محددة ستفقد النسبة نفسها من إمداداتها، لأن صبيب الأودية لا يساوي تلقائياً كمية المياه المخزنة في السدود أو الموزعة على المستهلكين.

كما أن تقييم أثر التراجع على مياه الشرب أو الإنتاج الفلاحي يتطلب معطيات إضافية عن الطلب والتخزين والتحويلات المائية ومصادر التزويد البديلة.

لكن النتائج تقدم أساساً علمياً لاختبار سيناريوهات الندرة، بدلاً من الاقتصار على متوسطات تاريخية قد لا تعكس الظروف المناخية المستقبلية.

ثمانية أحواض ونتائج متفاوتة.. حدود التوقعات العلمية

لا تقدم الدراسة نتائجها باعتبارها قياسات نهائية لما سيحدث داخل حوض تانسيفت، بل باعتبارها إسقاطات ناتجة عن نمذجة مناخية وهيدرولوجية.

وقد أظهر النموذج تفاوتاً في مستوى أدائه بين الأحواض الثمانية، سواء خلال مرحلة المعايرة أو عند اختبار النتائج باستخدام بيانات مستقلة عن تلك التي استُعملت لضبط النموذج.

فعلى سبيل المثال، تراوحت قيم مؤشر «KGE»، المستخدم لتقييم جودة المحاكاة الهيدرولوجية، بين 0.20 و0.67 خلال مرحلة التحقق.

كما تراوحت قيم مؤشر «NSE» بين 0.17 و0.62 خلال المرحلة نفسها، ما يعكس اختلاف قدرة النموذج على تمثيل الصبيب المرصود بحسب الحوض.

وتفرض هذه الفوارق الحذر عند استعمال النسب الإجمالية لاتخاذ قرارات تخص وادياً معيناً أو منشأة مائية محددة.

وتؤكد الدراسة أيضاً وجود استجابات هيدرولوجية مختلفة بين الأحواض الفرعية، وهو ما يعني أن سياسة موحدة لا تراعي خصوصيات كل حوض قد لا تكون كافية لتقدير المخاطر المحلية بدقة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحسين قياس الموارد ومتابعة تنفيذ مشاريع الماء ونتائجها الفعلية.

وسبق لـMarocActu24 أن تابع مؤشرات مشروع وطني لتعزيز إنتاج الماء الصالح للشرب وتحسين مردودية الشبكات، يموله البنك الإفريقي للتنمية، بعدما أظهرت بيانات المؤسسة الممولة استمرار الفجوة بين عدد من الأهداف والنتائج المسجلة.

ويتعلق ذلك بمشروع منفصل عن حوض تانسيفت، لكنه يقدم مثالاً على أهمية تتبع مؤشرات الإنجاز إلى جانب الإعلان عن البرامج والاستثمارات.

اقرأ أيضاً | مشروع مياه الشرب يمتد إلى 2028.. 10 كيلومترات من أصل 300 وصفر أمام 250 ألف عداد

دراسة 2026 تضع فرضيات التخطيط المائي أمام المراجعة

تأتي نتائج الدراسة في وقت تتوفر فيه المؤسسات المكلفة بالماء على أدوات للتخطيط طويل الأمد، من بينها المخططات التوجيهية للتهيئة المندمجة للموارد المائية.

لكن القيمة العملية لهذه الأدوات لا تتوقف على تحديد المشاريع المطلوبة فحسب، بل ترتبط أيضاً بدقة الفرضيات التي تُبنى عليها تقديرات الموارد والاحتياجات المستقبلية.

وتكشف دراسة 9 أكتوبر 2026 أن متوسط صبيب أودية تانسيفت في الأحواض الفرعية الثمانية قد يتراجع بنسبة تتجاوز 50 في المائة تحت سيناريو مناخي مرتفع الانبعاثات، مقارنة بالفترة المرجعية التي اعتمدها الباحثون.

ولا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بأن المخطط الرسمي لم يأخذ احتمالاً مماثلاً في الحسبان، كما لا تثبت أن التدابير المعتمدة غير كافية، لأن إصدار هذا الحكم يتطلب مقارنة تفصيلية بين فرضيات المخطط ونتائج الدراسة.

غير أن ظهور توقعات علمية بهذا الحجم يجعل من المشروع مطالبة الجهات المعنية بتوضيح مدى اختبار برامج تعبئة الموارد وتوزيعها أمام سيناريوهات مناخية أكثر حدة، ومدى تحيين تلك البرامج بناء على أحدث المعطيات المتاحة.

فالسؤال الذي تطرحه الدراسة لم يعد محصوراً في مقدار الأمطار المنتظرة، وإنما يشمل كمية المياه التي ستصل فعلياً إلى الأودية، وقدرة منظومة التدبير على التكيف مع انخفاض محتمل ومستمر في الموارد السطحية.

وبين توقع علمي بتراجع متوسط صبيب أودية تانسيفت بنسبة 54.30 في المائة، وتشخيص رسمي سابق للعجز المائي ومخاطر الإمداد، يبرز اختبار محدد: هل تتوفر خطط الماء في أفق 2050 على هامش كافٍ للتعامل مع السيناريو المناخي الأكثر صعوبة؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version