الهيدروجين الأخضر في الداخلة دخل اختباراً علمياً جديداً يجمع بين التكنولوجيا وكلفة التمويل، بعدما خلصت دراسة حديثة إلى أن منظومة تجمع الطاقة الشمسية والريحية وتخزين الطاقة بالهيدروجين يمكن، وفق أحد السيناريوهات التي اختبرها الباحثون، أن ترفع حصة الكهرباء المتجددة إلى 70.25 في المائة، مع خفض مساهمة مولدات الغاز الطبيعي إلى 15.99 في المائة من الإنتاج السنوي.

الدراسة، المنشورة في 20 شتنبر 2026 في مجلة «Journal of Cleaner Production» التابعة لـElsevier، تحمل عنوان «Techno-economic and risk-adjusted assessment of PV–wind–hydrogen hybrid energy systems in Morocco»، ولم تدرس محطة قائمة فعلياً في الداخلة، بل بنت نموذجاً تقنياً واقتصادياً لمنظومة مستقلة يفترض أن تزود حياً سكنياً نموذجياً بالكهرباء.

الدراسة العلمية الأصلية | Journal of Cleaner Production – Elsevier

واختبر الباحثون ثلاثة أنظمة مختلفة تجمع بدرجات متفاوتة بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية وخلايا الوقود وتخزين الهيدروجين ومولد يعمل بالغاز الطبيعي، مع تشغيل المحاكاة ساعة بساعة باستعمال برنامج «TRNSYS-18».

وفرض النموذج قيداً تقنياً صارماً يقضي بألا تتجاوز احتمالات نقص إمدادات الكهرباء 0.5 في المائة، حتى تتم مقارنة الأنظمة ليس فقط من حيث كلفتها، وإنما أيضاً من حيث قدرتها على توفير إمداد كهربائي مستقر.

الهيدروجين الأخضر في الداخلة.. 70.25% كهرباء متجددة في السيناريو الأقوى

أبرز نتيجة ظهرت في السيناريو الثاني، الذي يجمع الطاقة الشمسية والريحية وخلايا الوقود ومولد الغاز الطبيعي.

ففي هذا السيناريو، وصلت حصة الطاقة المتجددة إلى 70.25 في المائة، بينما انخفضت مساهمة مولد الغاز الطبيعي إلى 15.99 في المائة من الإنتاج السنوي، وسجل النظام كذلك، بحسب الدراسة، أكثر أنماط تخزين الهيدروجين استقراراً بين السيناريوهات الثلاثة.

كما قدرت الدراسة أن النظام نفسه يمكن أن يتجنب إطلاق نحو 148.5 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون على مدى عمر افتراضي للمشروع حُدد في عشرين عاماً.

لكن النتائج لا تعني أن مدينة الداخلة تنتج حالياً 70.25 في المائة من كهربائها بهذه المنظومة، ولا أن محطة قائمة سجلت فعلاً هذه الأرقام، بل يتعلق الأمر بنتائج نموذج محاكاة مبني على افتراضات تقنية واقتصادية ومعطيات محلية عن الشمس والرياح.

وتبرز الداخلة داخل الدراسة بسبب خصائصها الطبيعية، إذ يشير الباحثون إلى متوسط سرعات رياح يقارب 35 كيلومتراً في الساعة، إلى جانب نحو 3000 ساعة من السطوع الشمسي سنوياً، فضلاً عن توفر مساحات واسعة يمكن أن تساعد نظرياً على نشر منشآت الطاقة المتجددة.

غير أن المفاجأة الاقتصادية في البحث لا ترتبط فقط بعدد الألواح الشمسية أو توربينات الرياح أو قدرة إنتاج وتخزين الهيدروجين، بل بكلفة رأس المال التي يحتاج إليها المستثمر لتمويل المشروع.

23% أقل.. التمويل يغير اقتصاد المشروع

اختبر الباحثون حزمة لتقليل المخاطر المالية شملت القروض الميسرة، والضمانات السيادية، وعقود شراء الكهرباء الموحدة، وتبسيط إجراءات الترخيص، إلى جانب آلية جزئية للربط بالعملة بهدف الحد من مخاطر تقلب أسعار الصرف.

وبحسب النموذج، خفضت هذه الإجراءات متوسط كلفة رأس المال المرجح بعد الضرائب «WACC» من 9.6 في المائة إلى 6.6 في المائة.

وانعكس ذلك مباشرة على الكلفة المعدلة لإنتاج الكهرباء، التي انخفضت بنسب تتراوح بين نحو 19 و23 في المائة حسب النظام المختبر.

وبعد تطبيق سيناريو تقليل المخاطر، بلغت الكلفة نحو 0.026 دولار للكيلوواط ساعة في السيناريو الأول، و0.032 دولار في السيناريو الثاني، و0.027 دولار في السيناريو الثالث.

وتضع هذه الأرقام التمويل في قلب معادلة الهيدروجين الأخضر في الداخلة، لأن الدراسة تشير إلى أن خفض المخاطر المالية قد يكون مؤثراً في تنافسية المشروع بقدر تأثير موارد الشمس والرياح أو أسعار المعدات نفسها.

فالمنشآت المعتمدة على الطاقة المتجددة والهيدروجين تحتاج عادة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة في البداية، ما يجعل سعر الاقتراض والعائد المطلوب من المستثمرين عاملاً حاسماً عند حساب كلفة الكهرباء على مدى عمر المشروع.

أرخص نظام ليس بالضرورة الأكثر اعتماداً على الطاقة المتجددة

وتكشف مقارنة السيناريوهات مفاضلة مهمة بين الكلفة والاستقرار وحصة الطاقة المتجددة.

فالسيناريو الثالث، الذي يجمع الطاقة الشمسية وخلايا الوقود والغاز الطبيعي، حقق أدنى كلفة أساسية تقليدية للكهرباء قبل إدخال إجراءات خفض المخاطر، عند نحو 0.0362 دولار للكيلوواط ساعة.

لكن السيناريو الثاني، الذي يجمع الشمس والرياح والهيدروجين والغاز، حقق أقوى أداء تشغيلي، مع أعلى نسبة للطاقة المتجددة عند 70.25 في المائة وأقل اعتماد على مولد الغاز الطبيعي عند 15.99 في المائة، فضلاً عن استقرار أفضل في تخزين الهيدروجين.

وبذلك لا تقدم الدراسة حلاً واحداً باعتباره الأفضل في جميع المؤشرات، وإنما تظهر وجود مفاضلة بين تقليل الكلفة، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتحسين استقرار النظام، وخفض الانبعاثات.

وسبق لـMarocActu24 أن تابع العلاقة المتزايدة بين انتقال المغرب الطاقي وإدارة الموارد، من خلال دراسة أخرى أظهرت أن توسع الطاقة المتجددة لم يعد ملفاً منفصلاً عن الماء والتحلية والهيدروجين الأخضر.

اقرأ أيضاً | معامل -5.28 عند تراجع سحب المياه.. دراسة جديدة تضع انتقال المغرب الطاقي أمام اختبار الماء

من النموذج العلمي إلى مشاريع فعلية في الداخلة

وتكتسب نتائج الدراسة أهمية إضافية بسبب تزامنها مع انتقال مشاريع حقيقية للهيدروجين الأخضر في جهة الداخلة–وادي الذهب إلى مراحل أكثر تقدماً من التطوير.

ففي فبراير 2026 أعلنت «TAQA Morocco» و«Moeve» توقيع اتفاق أولي لحجز عقار مع الحكومة المغربية ضمن «عرض المغرب للهيدروجين الأخضر»، بهدف تطوير مشروع واسع النطاق لإنتاج الأمونيا الخضراء والوقود الصناعي.

وبحسب البلاغ الرسمي، تتولى TAQA Morocco مكون إنتاج الطاقة المتجددة للمشروع في موقع بجهة الداخلة، فيما تتولى Moeve إنتاج وتسويق الوقود الاصطناعي، ودخل المشروع مرحلة إطلاق دراسات الجدوى.

المصدر الرسمي | TAQA Morocco – مشروع الهيدروجين الأخضر

ولا توجد صلة مباشرة معلنة بين مشروع TAQA Morocco وMoeve والدراسة المنشورة في «Journal of Cleaner Production»، وبالتالي لا ينبغي دمج نتائج النموذج العلمي مع الأرقام التجارية للمشروع الفعلي.

لكن تزامن المسارين يطرح سؤالاً اقتصادياً مشتركاً: إذا كانت الداخلة تمتلك موارد قوية من الشمس والرياح وتستقطب بالفعل مشاريع للهيدروجين ومشتقاته، فإلى أي حد يمكن لشروط التمويل والضمانات والتراخيص أن تخفض كلفة هذه الاستثمارات وتجعل إنتاجها أكثر تنافسية؟

وكان MarocActu24 قد تابع أيضاً توسع استثمارات TAQA Morocco في المشاريع منخفضة الكربون، بعدما رفعت المجموعة استثماراتها خلال النصف الأول من 2026 إلى 515 مليون درهم، مقابل 210 ملايين درهم خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.

اقرأ أيضاً | TAQA Morocco ترفع استثماراتها إلى 515 مليون درهم رغم تراجع رقم المعاملات 5.4%

وتظهر الدراسة في النهاية أن ميزة الداخلة الطبيعية لا تكفي وحدها لحسم اقتصاد الهيدروجين والطاقة المتجددة، لأن كلفة التمويل والمخاطر التنظيمية وشروط التعاقد يمكن أن تغير بصورة كبيرة السعر النهائي للكهرباء المنتجة.

والخلاصة ليست أن مشروعاً قائماً في الداخلة خفض كلفته فعلاً بـ23 في المائة، وإنما أن نموذج المحاكاة وجد أن تخفيض متوسط كلفة رأس المال من 9.6 إلى 6.6 في المائة يمكن، وفق الافتراضات المستخدمة، أن يقلص الكلفة المعدلة للكهرباء بنحو 19 إلى 23 في المائة.

وبذلك ينقل البحث جزءاً من معركة الهيدروجين الأخضر في الداخلة من حقول الشمس والرياح إلى غرف التمويل والتراخيص والضمانات، حيث قد تتحدد قدرة المشاريع المستقبلية على تحويل الإمكانات الطبيعية للمنطقة إلى طاقة منخفضة الكلفة وقابلة للمنافسة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version