اقتصاد الوقود في المغرب يواجه فجوة تنظيمية لافتة رغم الصعود السريع للمملكة كقاعدة صناعية وتصديرية للسيارات، وفق دراسة مرجعية جديدة نُشرت أمس الاثنين 21 شتنبر 2026، خلصت إلى أن المغرب لم يعتمد، إلى تاريخ إعدادها، معياراً إلزامياً لكفاءة استهلاك الوقود بالنسبة إلى السيارات الجديدة، ولا نظاماً للملصقات الطاقية يسمح للمستهلك بمقارنة استهلاك المركبات، كما لا يفرض حصة محددة من السيارات عديمة الانبعاثات على المصنعين أو الموردين داخل السوق المحلية.
الدراسة، التي تحمل عنوان «Conditions and Barriers for Vehicle Energy Efficiency Regulation in Morocco»، تقع في 83 صفحة بحسب بطاقة النشر الرسمية، وأُنجزت ضمن مشروع «IMPROVE» الذي تنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ» بتمويل من المبادرة الدولية للمناخ «IKI» التابعة للوزارة الفدرالية الألمانية للبيئة والعمل المناخي وحماية الطبيعة والسلامة النووية.
ولم يُنجز العمل بمعزل عن المؤسسات المغربية، إذ يشير المصدر إلى إعداد الدراسة بالشراكة مع وزارة النقل واللوجستيك والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «NARSA»، مع مساهمات من وزارتي الاقتصاد والمالية والصناعة والتجارة.
المصدر الرئيسي | GIZ – Changing Transport
الدراسة الكاملة | Reference Study Morocco – September 2026
ولا تقتصر الدراسة على رصد القواعد التنظيمية، بل تضع الملف في سياق الضغط المتزايد الذي يمثله النقل على الطاقة والانبعاثات بالمغرب.
ففي سنة 2023، كان قطاع النقل مسؤولاً عن 28 في المائة من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بالمملكة وعن 36 في المائة من الاستهلاك النهائي للطاقة، فيما ظل أكثر من 99 في المائة من اعتماده الطاقي قائماً على النفط.
ومنذ 2010، ارتفعت انبعاثات القطاع في المتوسط بنحو 2 في المائة سنوياً، أي بزيادة إجمالية بلغت 26 في المائة خلال الفترة التي يتتبعها التقرير.
ويزداد الضغط مع توسع أسطول المركبات، إذ ارتفع إجمالي عدد المركبات المسجلة، بما فيها الدراجات والمركبات السياحية والخفيفة والثقيلة، من نحو 2.68 مليون مركبة سنة 2015 إلى 4.47 ملايين في 2023، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 6.5 في المائة.
كما ارتفع معدل امتلاك المركبات من 55 مركبة لكل ألف نسمة سنة 2015 إلى 88 مركبة لكل ألف نسمة في 2023.
اقتصاد الوقود في المغرب.. صناعة ضخمة وتنظيم لم يلحق بعد
المفارقة التي يبرزها التقرير تظهر عند مقارنة هذه المعطيات بالحجم الذي وصلت إليه صناعة السيارات المغربية.
ففي سنة 2024، مثل قطاع السيارات، بحسب الأرقام التي جمعها معدو الدراسة، نحو 23 في المائة من القيمة المضافة الصناعية و23 في المائة من الإنتاج الوطني، مع حوالي 280 ألف منصب شغل و230 مورداً.
أما صادرات قطاع السيارات فبلغت سنة 2025 نحو 154.49 مليار درهم، أي ما يعادل قرابة ثلث صادرات المملكة، ما جعله أول قطاع تصديري في البلاد وفق التقرير.
وفي السنة نفسها، تجاوز الإنتاج الفعلي 500 ألف مركبة بمختلف أنواعها، بينما وصلت الطاقة الإنتاجية إلى نحو مليون مركبة سنوياً، مع هدف معلن لرفعها إلى مليوني مركبة بحلول سنة 2030.
كما يعتبر التقرير أن المغرب أصبح منذ 2024 أكبر منتج للسيارات السياحية في إفريقيا، ومن أبرز موردي السيارات إلى الاتحاد الأوروبي.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع الوزن المتزايد لصناعة السيارات في التجارة الخارجية، بعدما سجل القطاع صادرات بقيمة 58.2 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من سنة 2026.
اقرأ أيضاً | قطاع السيارات في المغرب يقود الصادرات بـ58.2 مليار درهم رغم ارتفاع العجز التجاري
لكن تحول المغرب إلى قاعدة صناعية كبيرة لا يعني أن السوق المحلية تعتمد أساساً على السيارات المنتجة داخلياً.
فوفق بيانات جمعية مستوردي السيارات في المغرب «AIVAM» التي اعتمدها التقرير، بيع في السوق المغربية خلال 2023 نحو 138207 مركبات مستوردة، بما يمثل قرابة 85.6 في المائة من إجمالي المبيعات المسجلة في ذلك العام.
ويخلص التقرير من ذلك إلى أن السوق المحلية ما تزال شديدة الاعتماد على الواردات، رغم وجود صناعة وطنية كبيرة موجهة بدرجة أساسية إلى التصدير.
لا معيار إلزامياً لاستهلاك الوقود ولا ملصقاً للطاقة
عند الانتقال من الصناعة إلى التنظيم، تصبح الخلاصة أكثر وضوحاً.
فالتقرير يؤكد أنه، إلى تاريخ إعداده، لم يعتمد المغرب معياراً إلزامياً لاقتصاد الوقود أو كفاءة استهلاك الطاقة بالنسبة إلى المركبات، كما لا يوجد نظام للملصقات الخاصة باستهلاك الوقود يتيح تصنيف السيارات ومقارنتها أمام المستهلك.
ولا توجد أيضاً آلية من نوع «ZEV mandate» تلزم المصنعين أو الموردين بتوفير حصة معينة من المركبات عديمة الانبعاثات داخل السوق المغربية.
لكن ذلك لا يعني أن السيارات بالمغرب تعمل في فراغ تنظيمي.
فالمملكة تطبق معيار «Euro 6b» على السيارات السياحية الجديدة من الفئة M1 في مرحلة المصادقة منذ يناير 2023، وعلى التسجيلات الجديدة منذ يناير 2024.
أما بالنسبة إلى فئات أخرى من المركبات، فقد أُرجئ تطبيق المعيار إلى يناير 2027 في مرحلة المصادقة وإلى سنة 2028 في التسجيل.
ويشدد التقرير على ضرورة التمييز بين معايير «Euro»، التي تستهدف أساساً الملوثات الصادرة من المركبة، وبين معايير اقتصاد الوقود أو أنظمة أداء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تقيس كفاءة المركبة بصورة مختلفة.
وهذا الفارق يجعل القول بأن المغرب «لا يتوفر على معايير بيئية للسيارات» غير دقيق؛ الموجود هو تنظيم لبعض الانبعاثات، بينما تظل أدوات أخرى مرتبطة بكفاءة الطاقة واستهلاك الوقود غير مطبقة بعد.
وكان MarocActu24 قد تابع أخيراً تعديلات تنظيمية أخرى مرتبطة بالمركبات، بعدما أوضحت «NARSA» قواعد الانتقال إلى النموذج الجديد للوحات التسجيل، وهو ما يعكس استمرار تحديث أجزاء مختلفة من المنظومة التنظيمية للسيارات.
اقرأ أيضاً | لوحات السيارات بالمغرب.. «نارسا» تحسم أجل 31 دجنبر وتحدد من يجب عليه التغيير
«Bonus-Malus» حاضر في الخطط.. لكن ليس في التطبيق بعد
وتبرز مفارقة إضافية لأن عدداً من الأدوات التي يقترحها التقرير ليست جديدة تماماً على الوثائق الاستراتيجية المغربية.
فالمساهمتان المحددتان وطنياً للمغرب لسنتي 2021 و2025 تتضمنان ضمن إجراءات قطاع النقل تطوير نظام «Bonus-Malus» ومعايير لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بالنسبة إلى السيارات السياحية والمركبات التجارية الخفيفة.
ويقوم نظام «Bonus-Malus» من حيث المبدأ على منح أفضلية مالية للمركبات الأقل تلويثاً أو الأكثر كفاءة، مقابل تحميل المركبات الأكثر تلويثاً كلفة أكبر.
كما سجل التقرير أن وزارة النقل واللوجستيك عبّرت علناً عن رغبتها في تطوير هذا النظام، وأن العمل عليه يجري ضمن مشروع «IMPROVE».
لكن الدراسة تؤكد أن المغرب لم يكن قد طبق فعلياً، إلى تاريخ إعدادها، منظومة متكاملة تشمل ملصق كفاءة الوقود و«Bonus-Malus» ومعايير ثاني أكسيد الكربون وإلزامية حصة للمركبات عديمة الانبعاثات.
خمس قواعد بيانات.. واستهلاك الوقود غير مسجل مباشرة
وتكشف الدراسة عن عقبة أخرى تتعلق بالبيانات.
فالوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تجمع معطيات مهمة خلال المصادقة وتسجيل السيارات، تشمل خصائص تقنية وقيم ثاني أكسيد الكربون ومعايير «Euro».
لكن هذه المعطيات موزعة، وفق التقرير، على خمس قواعد بيانات مختلفة.
كما أن بيانات استهلاك الوقود نفسها لا تُجمع بصورة مباشرة، وإن كان يمكن استنتاج بعضها انطلاقاً من بيانات الانبعاثات.
ويشير التقرير أيضاً إلى صعوبات تقنية في احتساب متوسط سنوي دقيق لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون لأسطول المركبات، بينها نقص المعلومات المرتبطة بدورة الاختبار المستخدمة لبعض السيارات وعدم دقة بعض بيانات تصنيف «Euro».
وتكتسي هذه المشكلة أهمية عملية، لأن فرض ملصق طاقي أو معيار لاستهلاك الوقود أو نظام «Bonus-Malus» يحتاج إلى بيانات موحدة ودقيقة تسمح بمقارنة المركبات الموجودة في السوق وفق منهجية واحدة.
السيارات الكهربائية.. امتيازات ضريبية لكن بلا دعم عام للشراء
في مجال السيارات الكهربائية والهجينة، يسجل التقرير وجود امتيازات فعلية.
فهذه المركبات معفاة من الضريبة السنوية على السيارات ومن الضريبة المفروضة على السيارات الفاخرة، كما تستفيد من رسم استيراد يبلغ 2.5 في المائة، مقابل 17.5 في المائة للمركبات ذات محركات الاحتراق الداخلي.
لكن الدراسة تعتبر أن هذه الإجراءات وحدها غير كافية لإحداث تحول سريع وشامل في السوق.
فباستثناء الإعفاءات المذكورة وبرامج محددة لتجديد سيارات الأجرة وبعض مركبات النقل المهني، لا يوجد، وفق التقرير، برنامج دعم عام أو حوافز ضريبية واسعة موجهة إلى الأسر والشركات لشراء المركبات الكهربائية أو الهجينة.
كما لا توجد منحة شاملة لجميع المواطنين للتخلص من السيارات القديمة وتعويضها بمركبات أكثر كفاءة.
100 ألف سيارة كهربائية قدرة إنتاجية.. والسوق المحلية تتحرك ببطء
وتظهر هنا واحدة من أكبر المفارقات بين الصناعة والسوق.
فالمغرب وصل سنة 2025، وفق معطيات التقرير، إلى طاقة إنتاجية تقارب 100 ألف سيارة كهربائية، تمثل صادراتها بين 4 و5 في المائة من إجمالي صادرات السيارات.
كما يستهدف توفير قدرة لإنتاج ما بين 400 ألف و500 ألف سيارة كهربائية سنوياً ابتداء من نهاية 2026.
غير أن جزءاً كبيراً من هذه الصناعة موجه إلى الخارج، بينما لا تزال السوق الداخلية تفتقر إلى بعض الأدوات التنظيمية والحوافز التي يمكن أن تسرع انتشار المركبات الكهربائية محلياً.
ولا يقدم التقرير هذه الفجوة باعتبارها دليلاً على فشل صناعة السيارات المغربية، بل يرصد في المقابل عدداً من نقاط القوة، بينها قاعدة صناعية مستقرة، وشبكة موردين، والقرب من السوق الأوروبية، والموارد المعدنية الداخلة في سلاسل البطاريات، وتراكم الخبرة المؤسساتية في جمع بيانات المركبات.
كما يضع توسع صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات ضمن الفرص التي يمكن للمغرب استغلالها لتسريع تحول السوق الداخلية نفسها.
ماذا يقترح التقرير؟
من بين الإجراءات ذات الأولوية، يدعو التقرير إلى تطوير نظام موحد لجمع ومراقبة بيانات المركبات واستهلاك الوقود والانبعاثات، وتحسين التنسيق بين المؤسسات والوزارات المعنية.
كما يقترح إدخال ملصقات موحدة لكفاءة استهلاك الوقود وفق المعايير الدولية، وتطبيق نظام «Bonus-Malus»، واعتماد معايير لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسيارات السياحية والمركبات التجارية الخفيفة الجديدة.
ويدعو كذلك إلى تسريع الاستثمارات في البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، إلى جانب دراسة الآثار الاجتماعية لهذه التدابير وتطوير آليات مالية لمساعدة الأسر ومهنيي النقل خلال الانتقال إلى مركبات أقل استهلاكاً وانبعاثاً.
وبذلك يضع تقرير اقتصاد الوقود في المغرب تحدياً جديداً أمام قطاع حقق قفزة صناعية وتصديرية كبيرة: فالمملكة أصبحت قادرة على إنتاج مئات الآلاف من السيارات سنوياً، وتملك طاقة صناعية تصل إلى مليون مركبة، لكنها ما تزال في مرحلة بناء بعض الأدوات التنظيمية التي تسمح للمستهلك المحلي بمعرفة كفاءة السيارة التي يشتريها ومقارنتها بغيرها.
لذلك، لا يرتبط مستقبل اقتصاد الوقود في المغرب فقط بالسيارات الكهربائية، بل أيضاً بكفاءة الأسطول التقليدي والقواعد التي تنظم استهلاكه وانبعاثاته.
والمرحلة المقبلة، وفق منطق الدراسة، لن تُقاس فقط بعدد السيارات الخارجة من المصانع أو بمليارات الدراهم التي تحققها الصادرات، وإنما أيضاً بمدى قدرة التنظيم المحلي على مواكبة التحول الصناعي نحو سيارات أقل استهلاكاً للطاقة وأقل انبعاثاً.
