الشباب في انتخابات المغرب 2026 يضعون الحملة أمام مفارقة رقمية لافتة قبل يومين فقط من فتح صناديق الاقتراع: المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة يمثلون نحو 12 في المائة من السكان، لكنهم لا يشكلون سوى قرابة 3 في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، وفق معطيات رسمية أوردتها وكالة «رويترز».
وعاد هذا الرقم إلى الواجهة، الاثنين 21 شتنبر 2026، ضمن تحليل جديد للباحثة المغربية انتصار فقير، الزميلة البارزة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، تناول الإرث السياسي والاجتماعي لاحتجاجات «Gen Z 212» وتأثيرها في لغة الحملة الانتخابية الحالية.
المصدر الرئيسي | Middle East Institute – تحليل انتصار فقير
التحليل، الذي يحمل عنوان «The Legacy of Morocco’s Gen Z Protests: Development as the New Political Language»، ينطلق من الاحتجاجات الشبابية التي شهدها المغرب خلال السنة الماضية ليعتبر أن أثرها تجاوز لحظة الشارع، وأن ملفات التنمية والشغل والصحة والتعليم والكرامة الاجتماعية أصبحت حاضرة بدرجات مختلفة في برامج وخطابات الأحزاب المتنافسة.
وتقدم فقير هذا الاستنتاج باعتباره قراءة تحليلية للمشهد السياسي، وليس حكماً رسمياً على أداء الأحزاب أو تقييماً محايداً لجدوى برامجها.
وبحسب الباحثة، أظهرت الاحتجاجات فجوة بين الطموحات الاقتصادية والجيوسياسية للمغرب وبين استمرار تحديات مرتبطة بالتشغيل وجودة بعض الخدمات العمومية ومدى انتشار أثر الاستثمارات والنمو بين مختلف الفئات والمناطق.
وترى أن هذه الخلفية ساهمت في جعل «التنمية» لغة مركزية في الحملة الحالية، حتى مع اختلاف الأحزاب بشأن الأدوات التي تقترحها لمعالجة ملفات التشغيل والدخل والخدمات الاجتماعية والاستثمار.
140 مليار درهم للصحة والتعليم
وتستحضر الباحثة في هذا السياق الارتفاع الذي شهده الإنفاق العمومي على قطاعي الصحة والتعليم.
وتؤكد المعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية أن قانون مالية 2026 رفع الغلاف الإجمالي المخصص للصحة والتربية الوطنية إلى نحو 140 مليار درهم، إلى جانب إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي لفائدة القطاعين.
وبالمقارنة مع السنة السابقة، تمثل هذه الاعتمادات زيادة تقارب 16 في المائة.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – قانون مالية 2026
لكن فقير ترى أن حجم الإنفاق وحده لا يحسم تحديات التنمية، وتربط المسألة أيضاً بقدرة السياسات العمومية على وصل الاستثمار بالتكوين وسوق الشغل وتحسين الخدمات محلياً وتوسيع استفادة مختلف المناطق والفئات من النمو.
ويظل هذا الاستنتاج تقييماً للباحثة، وليس نتيجة رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية بشأن أثر النفقات الاجتماعية.
الشباب في انتخابات المغرب 2026.. الأحزاب تتقاطع عند «التنمية»
ويتوقف التحليل عند نماذج من البرامج الانتخابية لإظهار مدى انتقال قضايا التنمية والكرامة والتشغيل إلى قلب خطاب الأحزاب.
فالبرنامج الرسمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يحمل شعار «20 التزاماً من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم»، ويربط رؤيته بالإنصاف والشغل والكرامة والعدالة المجالية.
أما حزب العدالة والتنمية فيضع «كرامة المواطن» ضمن العناوين المركزية لبرنامجه، إلى جانب التعليم والصحة والشغل والإصلاح السياسي ومحاربة الفساد والريع.
وفي المقابل، يخوض التجمع الوطني للأحرار الانتخابات ببرنامج تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، ويتعهد، بحسب البرنامج الذي قدمه رئيسه محمد شوكي، بالعمل على إحداث مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية.
كما تحدث الحزب خلال حملته عن بلوغ الحد الأدنى للأجر نحو 5000 درهم، وهو هدف يقدمه التجمع ضمن التزاماته للمرحلة المقبلة وليس رقماً مطبقاً حالياً على جميع الأجراء.
وتكشف هذه الأمثلة تقاطعاً واضحاً في حضور مفردات الشغل والكرامة والصحة والتعليم والتنمية في البرامج، لكن اختلاف التفاصيل والتمويل وآليات التنفيذ يعني أن مجرد تشابه العناوين لا يجعل البرامج متطابقة.
وسبق لـMarocActu24 أن دقق في أحد هذه البرامج، بعد تقديم حزب العدالة والتنمية وثيقة تضم 467 إجراءً موزعة على خمسة محاور، بالتزامن مع محاولته استعادة موقعه بعد خسارته 112 مقعداً بين انتخابي 2016 و2021.
اقرأ أيضاً | بعد خسارة 112 مقعداً.. 467 إجراءً في برنامج العدالة والتنمية واختبار الثقة قبل 23 شتنبر
3% فقط من المسجلين.. ماذا يعني الرقم؟
المعطى الأكثر مباشرة بالنسبة إلى الشباب في انتخابات المغرب 2026 لا يأتي من البرامج، بل من تركيبة اللوائح الانتخابية نفسها.
فوفق الأرقام الرسمية التي نقلتها «رويترز» في 17 شتنبر، تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 سنة نحو 12 في المائة من مجموع سكان المغرب، لكنها لا تشكل سوى حوالي 3 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين.
المصدر | Reuters – الشباب والانتخابات المغربية
والتمييز هنا ضروري: رقم 3 في المائة لا يعني أن 3 في المائة فقط من جميع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة سجلوا في اللوائح، بل يعني أن هذه الفئة العمرية تمثل قرابة 3 في المائة من إجمالي المسجلين.
كما أن الرقم يتعلق بالفئة بين 18 و24 سنة تحديداً، ولا يمثل جميع الشباب المغاربة، ولا يسمح بمفرده بتحديد أسباب عدم التسجيل أو الموقف السياسي للأفراد غير المسجلين.
لكن المقارنة بين 12 في المائة من السكان ونحو 3 في المائة من الهيئة المسجلة تطرح سؤالاً حول الفارق بين الوزن الديمغرافي لهذه الفئة ووزنها داخل اللوائح التي ستحدد من يشارك فعلياً في الاقتراع.
الثقة في البرلمان والأحزاب لا تتجاوز الثلث تقريباً
وتضيف بيانات «أفروبارومتر» بعداً آخر إلى هذه الصورة.
ففي دراسة منشورة يوم 16 مارس 2026 حول المغاربة بين 18 و35 سنة، قال 37 في المائة إنهم يثقون «إلى حد ما» أو «كثيراً» في البرلمان.
وبلغت النسبة 33 في المائة بالنسبة إلى رئيس الحكومة، و33 في المائة بالنسبة إلى أحزاب الأغلبية، و33 في المائة أيضاً بالنسبة إلى أحزاب المعارضة.
المصدر | Afrobarometer – ثقة الشباب المغربي في المؤسسات السياسية
ولا تعني هذه النسب أن 63 أو 67 في المائة من الشباب يتخذون الموقف السياسي نفسه، إذ تجمع الفئات المتبقية مستويات مختلفة من ضعف الثقة وعدمها، كما أن الاستطلاع يشمل الفئة بين 18 و35 سنة وليس حصراً الشباب بين 18 و24 سنة الذين تتعلق بهم أرقام التسجيل الانتخابي.
لكن نتائج «أفروبارومتر» تشير أيضاً إلى اختلاف أشكال المشاركة السياسية بين الأجيال.
فالشباب، وفق الدراسة، أقل من الفئات الأكبر سناً في التصويت والشعور بالقرب من حزب سياسي، بينما ترتفع بينهم نسب نشر محتوى سياسي على شبكات التواصل الاجتماعي والمشاركة في الاحتجاجات.
وهذا يعني أن ضعف بعض أشكال المشاركة التقليدية لا يساوي بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام، بل قد يتزامن مع انتقال جزء من المشاركة إلى الفضاء الرقمي أو الاحتجاجي.
وكان MarocActu24 قد تناول قبل أيام مؤشراً دولياً آخر للمشاركة السياسية، بعدما وضع تقرير «International IDEA» المغرب في المرتبة 99 عالمياً في مؤشر المشاركة، قبل أيام من اقتراع 23 شتنبر.
اقرأ أيضاً | قبل 8 أيام من انتخابات 23 شتنبر.. تقرير دولي: المغرب 99 عالمياً في المشاركة
من احتجاجات Gen Z 212 إلى صناديق الاقتراع
وتربط انتصار فقير بين الحملة الحالية واحتجاجات «Gen Z 212» التي برزت سنة 2025، معتبرة أن تلك التحركات دفعت ملفات الخدمات العمومية والشغل والعدالة الاجتماعية إلى موقع أكثر مركزية داخل النقاش السياسي.
لكن الانتقال من الاحتجاج أو النقاش الرقمي إلى المشاركة الانتخابية ليس آلياً.
فحتى عندما تتبنى الأحزاب ملفات يعتبرها الشباب مهمة، لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مشاركتهم في التصويت، كما لا يمكن استنتاج سلوكهم الانتخابي من الاحتجاجات أو استطلاعات الثقة وحدها.
وتذهب فقير إلى أن الاختبار الأوسع للبرامج يرتبط بمدى قدرتها على الربط بين التعليم وحاجات سوق العمل، وبين الاستثمار الخاص وخلق الوظائف، وبين النمو الاقتصادي وتوزيعه جغرافياً واجتماعياً.
وهذه أيضاً قراءة تحليلية للباحثة يمكن مقارنتها بالبرامج الرسمية للأحزاب وبما ستكشفه السياسات الفعلية بعد تشكيل المؤسسات الجديدة، وليست حكماً مسبقاً على قدرة حزب بعينه على التنفيذ.
ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر، تبقى المفارقة الرقمية واضحة: الفئة العمرية بين 18 و24 سنة تمثل نحو 12 في المائة من السكان، لكنها لا تشكل سوى نحو 3 في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية.
ومن ثم، فإن أحد المعطيات التي ستصبح قابلة للقياس بعد الاقتراع هو حجم المشاركة الفعلية للناخبين، بينما ستحتاج مسألة مشاركة الشباب تحديداً إلى بيانات مفصلة حسب العمر قبل استخلاص أي نتيجة نهائية بشأن سلوك هذه الفئة.
وتضع هذه المعطيات الشباب في انتخابات المغرب 2026 أمام اختبار مباشر بين الحضور في النقاش العام والحضور داخل صناديق الاقتراع.
فملف الشباب في انتخابات المغرب 2026 لا يرتبط فقط بالتسجيل في اللوائح، بل أيضاً بالثقة في المؤسسات والقدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى مشاركة سياسية.
وتبقى مشاركة الشباب في انتخابات المغرب 2026 من المؤشرات التي ستساعد على قراءة نتائج اقتراع 23 شتنبر، خصوصاً أن قضايا الشباب في انتخابات المغرب 2026 احتلت مساحة بارزة في برامج وخطابات الأحزاب.
أما قبل فتح الصناديق، فالمؤكد فقط أن الشباب أصبحوا موضوعاً مركزياً في خطاب وبرامج عدد من الأحزاب، في وقت يظل وزن الفئة الأصغر، بين 18 و24 سنة، داخل الهيئة الانتخابية المسجلة أقل بكثير من وزنها الديمغرافي.
