تفتح دراسة أكاديمية حديثة واحداً من أكثر الملفات حساسية في مسار الانتقال الطاقي بالمغرب، بعدما خلص باحثون إلى أن بطء الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب لم يكن مرتبطاً فقط بالتعقيدات التقنية والتشريعية، بل كذلك بتعارض مصالح مؤسساتية داخل سوق الكهرباء، وبمخاوف فاعلين قائمين من التأثير المالي الذي يمكن أن يحدثه توسع إنتاج المواطنين والمقاولات للكهرباء التي يستهلكونها بأنفسهم.
الدراسة، المنشورة في 4 شتنبر 2026 بمجلة «Globalizations»، تحمل عنوان «Solar extraversion: incumbent interests, foreign capital and the making of Morocco’s megaproject strategy»، وأنجزها موريتز شمول من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وجايسون ميكليان من جامعة أوسلو، وكريستيان هولشر من معهد أبحاث السلام في أوسلو.
واعتمد الباحثون على تحليل القوانين والوثائق المرتبطة بسياسة الطاقة الشمسية وتمويل المشاريع الكبرى، إلى جانب عشر مقابلات خلفية أُجريت بين فبراير 2025 ويوليوز 2026 مع مسؤولين في قطاع الطاقة، ومصرفيين بمؤسسات تمويل تنموية، وموظفين لدى جهات مانحة، ودبلوماسيين وخبراء مستقلين.
المصدر العلمي الأصلي | دراسة Globalizations
وتتبعت الدراسة خمسة قوانين مرتبطة بتطور الإطار المنظم للإنتاج اللامركزي وسوق الكهرباء بين 2010 و2023، معتبرة أن المشرع فتح تدريجياً الباب أمام أنماط أكثر لامركزية، لكن تنزيل عدد من المقتضيات ظل متأخراً بسبب غياب النصوص والإجراءات التطبيقية الضرورية.
ويخلص الباحثون إلى أن منتجي وموزعي الكهرباء القائمين كانت لديهم مصلحة مالية في الحد من توسع الإنتاج اللامركزي، لأن انتقال المصانع والمقاولات والمستهلكين إلى إنتاج جزء من حاجياتهم بأنفسهم يمكن أن يقلص حجم الكهرباء المشتراة من الشبكة.
وتذهب الدراسة أبعد من ذلك حين تسمي وزارة الداخلية ضمن المؤسسات التي لعبت، وفق تحليل الباحثين والمقابلات التي اعتمدوا عليها، دوراً في عرقلة توسع الإنتاج الذاتي خلال مراحل سابقة، في ارتباط بمصالح شبكات التوزيع والفاعلين القائمين.
ولا تمثل هذه الخلاصة اعترافاً رسمياً من وزارة الداخلية أو المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بل هي نتيجة بحثية صاغها أصحاب الدراسة بالاستناد إلى مقابلات غير منسوبة وتحليل مسار اتخاذ القرار، وهو ما يستوجب الفصل بين استنتاج الباحثين والمعطى المؤسساتي الرسمي.
وتورد الدراسة أيضاً تقديراً لافتاً نقلاً عن مصادرها، يفيد بأن فتح الشبكة أمام منتجي الطاقات المتجددة في الجهد العالي أدى، بحسب أشخاص تمت مقابلتهم، إلى انخفاض مبيعات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بما يتراوح بين 30 و40 في المائة في المجالات المعنية.
غير أن الرقم لا يرد باعتباره إحصائية مالية رسمية مدققة صادرة عن المكتب، بل كتقدير منسوب إلى مصادر الدراسة، لذلك لا يمكن التعامل معه كحصيلة مؤسساتية معلنة.
وفي المقابل، يرى البحث أن المغرب منح خلال سنوات أولوية أكبر للمشاريع الشمسية المركزية الضخمة، وفي مقدمتها مركب نور ورزازات، الذي تبلغ قدرته الإجمالية 582 ميغاواط، وحصل، وفق الدراسة، على نحو 2.5 مليار دولار من التمويلات الدولية.
ويفسر الباحثون هذا التوجه بما يسمونه «الاستفادة الاستراتيجية من الخارج»، أي قدرة المشاريع الكبرى على تعبئة القروض والتمويلات الدولية الميسرة، إلى جانب ما تمنحه من حضور دبلوماسي وصورة دولية للمغرب باعتباره فاعلاً بارزاً في الانتقال الطاقي.
لكن الدراسة تضع هذه السياسة أمام مفارقة واضحة: مشاريع مركزية بمليارات الدولارات تقدمت بسرعة أكبر، بينما واجه نموذج أبسط من حيث المبدأ، يقوم على إنتاج المصنع أو المقاولة أو المواطن جزءاً من الكهرباء التي يستهلكها، مساراً تنظيمياً أكثر بطئاً وتعقيداً.
وتدعم بيانات رسمية لمجلس المنافسة جانباً من هذه المفارقة. ففي سنة 2023، بلغت حصة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب 44.61 في المائة من القدرة المركبة، مقابل 41.54 في المائة للمنتجين الخواص العاملين في إطار عقود شراء الكهرباء، بينما لم يتجاوز الإنتاج الذاتي المنظم بالقانون 16-08 نحو 37 ميغاواط، أي 0.32 في المائة فقط من مجموع القدرة المركبة.
المصدر الرسمي | مجلس المنافسة – وضع المنافسة في قطاع الكهرباء
الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب.. ماذا تغير خلال 2026؟
شهد الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب تحولاً تنظيمياً مهماً خلال 2026، بعدما نُشر المرسوم رقم 2.25.100 المنظم لشروط ومساطر إنجاز واستغلال منشآت الإنتاج الذاتي، ودخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر من نشره، في 9 يونيو 2026.
ويحدد الإطار الجديد مساطر مختلفة بحسب حجم المنشأة وطريقة ربطها بالشبكة، من نظام التصريح لبعض المنشآت الصغيرة إلى اتفاق الربط والترخيص بالنسبة إلى المنشآت الأكبر.
كما يتيح القانون بيع فائض الإنتاج إلى مسير الشبكة في حدود سقف يصل إلى 20 في المائة من الإنتاج السنوي للمنشأة، وهو سقف تؤكده قرارات الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء.
وحددت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء تعريفة شراء هذا الفائض في 21 سنتيماً للكيلواط ساعة خلال ساعات الذروة و18 سنتيماً خارج ساعات الذروة، بالنسبة إلى شبكات الجهد المتوسط والعالي والعالي جداً.
أما شبكة الجهد المنخفض، التي تهم خصوصاً الأسر والمنشآت الصغيرة، فأكدت الهيئة أن التعريفة الخاصة بها ستُحدد بعد استكمال الإطارين التنظيمي والتقني الملائمين.
المصدر الرسمي | الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء
ولا يعني صدور هذه النصوص أن جميع العوائق انتهت. فالهيئة تنشر كذلك القدرة الاستيعابية للشبكات خلال الفترة 2026-2030، وهي معطيات تحدد عملياً حجم الطاقات الجديدة التي يمكن للشبكة استيعابها بحسب المناطق ومستويات الجهد.
ولهذا تعتبر الدراسة أن الاختبار الحقيقي لن يكون في وجود القانون وحده، بل في عدد المشاريع التي ستنجح فعلياً في الحصول على الربط والتراخيص، وحجم القدرات التي ستُفتح أمام المنتجين الصغار والمتوسطين، ومدى قدرة الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب على الانتقال من إطار قانوني إلى سوق فعلية واسعة.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع توسع استعمال الطاقة الشمسية خارج النموذج التقليدي للمحطات الكبرى، بعدما دخلت الطاقة الشمسية العائمة مرحلة الدراسة داخل حوض سبو، عبر مشروع بقيمة تقديرية تبلغ 3 ملايين درهم لتقييم إمكانية إقامة محطات فوق حقينات 12 سداً.
اقرأ أيضاً | 3 ملايين درهم لاختبار الطاقة الشمسية العائمة فوق 12 سداً بسبو
كما تابع الموقع دراسة أخرى تناولت العلاقة بين الماء والطاقة المتجددة في المغرب، في وقت تتزايد فيه المشاريع التي تجمع بين إنتاج الكهرباء والتحلية والهيدروجين الأخضر.
اقرأ أيضاً | معامل -5.28 عند تراجع سحب المياه.. دراسة تضع انتقال المغرب الطاقي أمام اختبار الماء
وبذلك، لا تقول الدراسة الجديدة إن الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب ما يزال ممنوعاً أو متوقفاً، لأن الإطار القانوني تغير فعلياً خلال 2026، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً وأكثر حساسية: لماذا احتاج فتح هذا السوق إلى كل هذه السنوات، وما المصالح الاقتصادية والمؤسساتية التي جعلت النموذج المركزي أكثر تقدماً من الإنتاج اللامركزي؟
ويفتح هذا السؤال بدوره نقاشاً أوسع حول شكل الانتقال الطاقي المغربي خلال السنوات المقبلة: هل ستظل المشاريع العملاقة هي المحرك الرئيسي للاستثمار في الكهرباء النظيفة، أم ستتحول أسطح المصانع والمقاولات والمنازل إلى جزء فعلي من منظومة الإنتاج؟
الدراسة لا تقدم حكماً مؤسساتياً نهائياً على أي جهة، لكنها تضع تضارب المصالح بين الفاعلين القائمين والإصلاحيين في قلب تفسيرها لتأخر اللامركزية، بينما تكشف الأرقام الرسمية أن حصة الإنتاج الذاتي ظلت عند 0.32 في المائة فقط من القدرة المركبة في 2023.
وبين تحول تشريعي بدأ يتضح خلال 2026، وسقف 20 في المائة لبيع الفائض، وتعريفة شراء محددة للجهود المتوسط والعالي والعالي جداً، يدخل الإنتاج الذاتي للكهرباء في المغرب مرحلة سيكون الحكم عليها مرتبطاً بالتطبيق الفعلي وعدد المشاريع التي ستتمكن من الوصول إلى الشبكة، لا بمجرد وجود النصوص القانونية.
