دخلت أزمة سبتة والمغرب، الاثنين 21 شتنبر 2026، مرحلة سياسية أكثر حساسية داخل النقاش الأوروبي، بعدما وجّه مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي ورئيس مجموعته داخل البرلمان الأوروبي، رسالة مباشرة إلى الرباط، محذراً من «عواقب» إذا لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تحقيق الاستقرار على حدوده، ومذكّراً في السياق نفسه بأن العلاقات بين المغرب وأوروبا تشمل اتفاقات تجارية وأمنية ومصالح تهم الطرفين.
وجاءت تصريحات فيبر خلال زيارة إلى سبتة رفقة وفد من حزب الشعب الأوروبي، إلى جانب زعيم الحزب الشعبي الإسباني ألبرتو نونييث فيخو ورئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، فيما لا تزال تداعيات عمليات العبور الجماعي التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز حاضرة في الجدل السياسي الإسباني والأوروبي.
وبحسب وكالة الأنباء الإسبانية «EFE»، قال فيبر إن الاتحاد الأوروبي والمغرب يتوفران على اتفاقات تجارية وأمنية وغيرها «تهم الطرفين»، قبل أن يضيف أنه إذا لم تستطع أوروبا تحقيق الاستقرار على حدودها فستكون هناك «عواقب واضحة».
وفي الوقت نفسه، أكد رئيس حزب الشعب الأوروبي أنه يأمل أن يفهم المغرب أن أزمة سبتة ينبغي حلها بين الجانبين باعتبارهما «أصدقاء وشركاء»، ما يجعل التصريح يجمع بين التحذير السياسي والتأكيد على استمرار منطق الشراكة.
المصدر الرئيسي | وكالة EFE – تصريحات مانفريد فيبر في سبتة
ويكتسب موقف فيبر وزناً سياسياً بسبب موقعه داخل المؤسسات الحزبية الأوروبية، فهو يرأس حزب الشعب الأوروبي ويقود مجموعة الحزب داخل البرلمان الأوروبي، وهي أكبر مجموعة سياسية في المؤسسة التشريعية الأوروبية وتضم 188 نائباً وفق معطيات المجموعة المنشورة خلال 2026.
المصدر الرسمي | مجموعة حزب الشعب الأوروبي
غير أن هذا الوزن السياسي لا يعني أن تحذير فيبر يمثل قراراً صادراً عن الاتحاد الأوروبي أو المفوضية الأوروبية، كما لا يعني أن بروكسيل اتخذت قراراً بتعليق اتفاق تجاري أو أمني مع المغرب.
فالتصريحات صدرت عن رئيس أكبر مجموعة سياسية في البرلمان الأوروبي خلال زيارة سياسية إلى سبتة، بينما تظل القرارات التنفيذية المتعلقة بالعلاقات الخارجية والتمويل والاتفاقات خاضعة لمسارات مؤسساتية أوروبية مختلفة.
أزمة سبتة والمغرب.. المفوضية تتحدث عن «شريك استراتيجي»
ويبرز هذا التمييز عند مقارنة تصريحات فيبر بالموقف الذي أعلنته المفوضية الأوروبية في 3 شتنبر.
فخلال الإحاطة الصحفية اليومية في بروكسيل، قالت المفوضية إن المغرب يظل «شريكاً استراتيجياً مهماً»، خصوصاً في جهود مكافحة تهريب المهاجرين والهجرة غير النظامية.
كما رحبت بالتعاون بين المغرب وإسبانيا في إدارة الوضع وضمان عودة الأشخاص الذين لا يتوفرون على حق البقاء، وأكدت أن التواصل مستمر بين المفوضية والرباط.
المصدر الرسمي | المفوضية الأوروبية – إحاطة 3 شتنبر 2026
ويعني ذلك أن المؤسسات الأوروبية لا تقدم، حتى الآن، موقفاً موحداً يقوم على مراجعة العلاقات مع المغرب، بل تتقاطع داخلها مقاربات سياسية مختلفة بين الدعوة إلى مواصلة التعاون، والمطالبة بتشديد شروطه، وربط بعض أدوات التمويل والسوق بمستوى التعاون في إدارة الهجرة والحدود.
لكن الجديد في تصريحات فيبر يتمثل في وضعه الاتفاقات التجارية والأمنية في السياق نفسه الذي تحدث فيه عن استقرار الحدود و«العواقب»، من دون أن يحدد طبيعة هذه العواقب أو يسمّي اتفاقاً بعينه قد يصبح مهدداً.
ومن ثم، لا تسمح تصريحاته بالقول إن الاتحاد الأوروبي هدد رسمياً بتعليق اتفاقاته التجارية مع المغرب، لكنها تكشف أن أدوات العلاقة الاقتصادية والأمنية أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي الذي يرافق أزمة سبتة داخل أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي.
339 صوتاً تدخل التمويل والسوق في معادلة التعاون
ولا يأتي كلام فيبر في فراغ سياسي.
ففي 17 شتنبر، صادق البرلمان الأوروبي على قرار بشأن أزمة سبتة بـ339 صوتاً مقابل 225، مع امتناع 16 نائباً.
وأدان القرار عمليات العبور الجماعي غير النظامي، ودعا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وزيادة الدعم الموجه إلى سبتة، ومواصلة التعاون بين إسبانيا والمغرب بشأن العودة وإعادة القبول.
المصدر الرسمي | البرلمان الأوروبي – قرار أزمة سبتة
والجزء الأكثر ارتباطاً بالعلاقة مع المغرب جاء عندما أكد البرلمان أن علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار ينبغي أن تقوم على «المعاملة بالمثل والتعاون الفعال».
وأضاف النص أن الولوج التفضيلي إلى سوق الاتحاد الأوروبي والاستفادة من التمويل الأوروبي ينبغي أن يكونا مشروطين بالتعاون الفعال في ملفات تشمل إدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر وتحديد هوياتهم وإعادة قبول من لا يملكون حق البقاء.
ودعا القرار السلطات المغربية إلى الوفاء بالتزاماتها في هذه المجالات.
ولا يعني ذلك أن البرلمان الأوروبي قرر وقف التمويل الموجه إلى المغرب أو تعليق الامتيازات التجارية القائمة، إذ لم يتضمن التصويت قراراً تنفيذياً من هذا النوع.
وسبق لـMarocActu24 أن دقق في هذه النقطة عقب التصويت، موضحاً الفرق بين ربط التمويل بالتعاون وبين اتخاذ قرار فعلي بقطع الأموال عن المملكة.
اقرأ أيضاً | 339 صوتاً تفتح ملف أموال المغرب.. البرلمان الأوروبي يربط التمويلات بالتعاون بعد أزمة سبتة
من العودة إلى القاصرين.. ماذا طلب فيبر؟
وخلال زيارته إلى سبتة، دعا فيبر إلى تسريع عودة من لا يتوفرون على حق قانوني في البقاء، بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي ما يتعلق بالقاصرين غير المصحوبين، قال إنهم يمثلون فئة هشة تحتاج إلى معاملة خاصة، معتبراً أن المكان الأفضل لهم هو مع أسرهم، وداعياً إلى استخدام الأدوات القانونية المتاحة لتحقيق ذلك.
كما عبر عن أمله في أن يفي المغرب بالتزاماته المتعلقة باستقبال الأشخاص المعنيين بعمليات العودة.
وتظل عمليات إعادة القاصرين، على وجه الخصوص، خاضعة لضمانات القانون الأوروبي والدولي وتقييم مصلحة الطفل وظروف الاستقبال، وهي نقطة شدد عليها أيضاً قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 17 شتنبر.
وقبل ذلك بيوم واحد، كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد وضعت أزمة سبتة ضمن النقاش بشأن آلية أوروبية جديدة للطوارئ في الحالات التي يتم فيها استغلال الهجرة أو استخدامها أداة للضغط، مع الدعوة إلى تعزيز دور «فرونتكس» وتسريع عمليات العودة.
غير أن خطاب فون دير لاين لم يتهم المغرب رسمياً بتنظيم عمليات العبور، ولم يقدم نتيجة تحقيق تثبت مسؤولية السلطات المغربية عنها.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع تفاصيل هذا الموقف الأوروبي والحدود الدقيقة لما أعلنته رئيسة المفوضية.
اقرأ أيضاً | أزمة سبتة.. فون دير لاين تعلن آلية طوارئ عند «تسليح الهجرة» وتسريع الترحيل
23 شتنبر.. مدريد تفعل إجراءات وقائية
وتزامنت تصريحات فيبر مع تحرك جديد للحكومة الإسبانية قبل الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر.
فوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أعلن، الاثنين، أن مدريد فعّلت آليات «وقائية» للتعامل مع دعوات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي لمحاولات عبور جديدة نحو سبتة بالتزامن مع يوم الاقتراع.
وقال ألباريس إن وزارته فعّلت قنوات اتصال وحملات لمواجهة المعلومات المضللة، مؤكداً وجود تواصل مع السلطات المغربية بهدف توفير إجراءات ردعية ومنع أي محاولة عبور جماعي جديدة إذا دعت الحاجة.
ولا تسمح هذه التحركات، في حد ذاتها، بالجزم بأن محاولة عبور جديدة ستقع يوم الانتخابات، كما أكد الوزير الإسباني أن الدعوات المتداولة لم تكن قد حققت مستوى التفاعل الذي سبق أحداث نهاية يوليوز.
تجارة وأمن وهجرة.. أين تقف العلاقة؟
تظل أزمة سبتة والمغرب أكثر تعقيداً من مواجهة سياسية مباشرة بين بروكسيل والرباط.
فالمغرب شريك للاتحاد الأوروبي في التجارة والاستثمار والهجرة ومكافحة شبكات التهريب والتعاون الأمني، بينما أكدت المفوضية نفسها، بعد اندلاع الأزمة، استمرار اعتبار المملكة شريكاً استراتيجياً مهماً.
وفي المقابل، أظهر تصويت البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر أن أغلبية برلمانية مستعدة لربط الولوج التفضيلي إلى السوق الأوروبية والتمويل بدرجة التعاون مع دول الجوار في إدارة الحدود والهجرة.
وجاء مانفريد فيبر بعد أربعة أيام ليضع الاتفاقات التجارية والأمنية مباشرة داخل حديثه عن أزمة سبتة و«العواقب»، لكن من دون الإعلان عن إجراء محدد أو مسطرة مؤسساتية لمراجعة اتفاق قائم.
ولهذا فإن المعطى الأكثر دقة في المرحلة الحالية ليس أن الاتحاد الأوروبي قرر معاقبة المغرب، وإنما أن أزمة سبتة رفعت مستوى النقاش داخل المؤسسات والأحزاب الأوروبية بشأن شروط التعاون مع الرباط، وأدخلت أدوات التجارة والتمويل والأمن بصورة أوضح إلى قلب هذا النقاش.
وستتضح أهمية هذا التحول وفق ما إذا كان سيبقى في مستوى التصريحات والقرارات السياسية غير التنفيذية، أم سينتقل لاحقاً إلى مقترحات مؤسساتية محددة تمس فعلياً أدوات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.


