برنامج العدالة والتنمية 2026 يدخل الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية محملاً بـ467 إجراءً موزعة على خمسة محاور، في محاولة حزبية لإعادة بناء العلاقة مع الناخبين بعد خمس سنوات من الهزيمة التي نقلت الحزب من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 فقط سنة 2021، أي بخسارة 112 مقعداً دفعة واحدة.
وعاد هذا المسار إلى الواجهة، الأحد 20 شتنبر 2026، بعدما خصصت «Al Jazeera English» تقريراً لتجربة حزب العدالة والتنمية منذ صعوده عقب انتخابات 2011 وصولاً إلى حملته الحالية، مركزة على سؤال ما الذي تغير داخل الحزب بعد انهياره الانتخابي، وما الذي يحمله برنامجه الجديد قبل اقتراع 23 شتنبر.
المصدر الرئيسي | Al Jazeera English – 20 شتنبر 2026
ولم يبدأ المسار الانتخابي للحزب من نتيجة 125 مقعداً. ففي انتخابات نونبر 2011 حصل العدالة والتنمية على 107 مقاعد من أصل 395، وتولى أمينه العام آنذاك عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة، قبل أن يرفع الحزب رصيده إلى 125 مقعداً في اقتراع 2016. وبعد تعثر تشكيل الأغلبية، انتهت مهمة بنكيران في مارس 2017 وخلفه سعد الدين العثماني على رأس الحكومة.
أما التحول الأكبر فجاء في انتخابات 8 شتنبر 2021، عندما حصل العدالة والتنمية على 13 مقعداً فقط، مقابل 102 مقعد للتجمع الوطني للأحرار، و87 للأصالة والمعاصرة و81 لحزب الاستقلال، وفق النتائج الرسمية المنشورة من مجلس النواب.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021
برنامج العدالة والتنمية 2026.. 467 إجراءً في خمسة محاور
البرنامج الرسمي للحزب يؤكد رقم 467 إجراءً، موزعة على خمسة محاور رئيسية: 43 إجراءً في محور الهوية والأسرة والقيم، و87 في الإصلاح السياسي والحقوق والحريات، و200 في الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، و106 في الاقتصاد والتشغيل، و31 في السياسة الخارجية، ليصل المجموع إلى 467 إجراءً.
المصدر الرسمي | برنامج العدالة والتنمية لانتخابات 2026
وتضع الوثيقة قضايا الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية ضمن أولوياتها، إلى جانب الشفافية في الصفقات العمومية، وتضارب المصالح، والإثراء غير المشروع، والسيادة الغذائية والمائية والطاقية. ويقول الحزب إن الإجراءات صيغت لتكون قابلة للتطبيق والقياس والمحاسبة عليها إذا تولى مسؤولية تدبير الحكومة.
ولا يكفي عدد الإجراءات وحده للحكم مسبقاً على نتائج البرنامج أو إمكانية تنفيذه. فالاختبار الموضوعي لأي برنامج حكومي يبقى مرتبطاً بما تتضمنه إجراءاته من آجال ومصادر تمويل ومؤشرات قابلة للقياس، ثم بما تسمح به الأغلبية البرلمانية والموارد المالية والاختصاصات الدستورية للحكومة.
وكان MarocActu24 قد دقق سابقاً في الأرقام المالية داخل برنامج العدالة والتنمية 2026، ورصد فارقين حسابيين يبلغ مجموعهما 13.79 مليار درهم بين بعض الأرقام المفصلة والخلاصات الواردة في الوثيقة، وهي نقطة مستقلة عن عدد الإجراءات لكنها تبرز أهمية إخضاع البرامج الانتخابية للتدقيق الرقمي إلى جانب قراءة الوعود السياسية.
اقرأ أيضاً | من 85 إلى 90 ومن 109.79 إلى 101.. فارقان بـ13.79 مليار درهم داخل برنامج العدالة والتنمية
وفي حديثه للجزيرة، قال سعد الصباحي، العضو بالكتابة الجهوية للحزب في الدار البيضاء سطات، إن إعداد البرنامج اعتمد على دراسات ولقاءات تشاورية ومقترحات جُمعت عبر منصة إلكترونية، وربط الحزب هذه الالتزامات بقضايا المشاركة السياسية ومحاربة الفساد والتعليم والصحة والتشغيل والسيادة الاقتصادية.
كما تضع قيادة الحزب هزيمة 2021 داخل عملية مراجعة داخلية. فالعدالة والتنمية يقول إنه أعاد تنظيم هياكله وأجرى تقييماً لاختياراته السياسية والتنظيمية، في حين ينسب في خطابه الحزبي جزءاً من النتيجة السابقة إلى ما يصفه بإضعاف الاختيار الديمقراطي والفساد الانتخابي والتضليل. وتبقى هذه الأسباب الأخيرة تفسيراً سياسياً يقدمه الحزب، وليست في ذاتها خلاصات قضائية أو وقائع مثبتة بصورة مستقلة.
ويظهر الشباب كأحد محاور هذه المراجعة. فقد شددت إيمان الطريفي، من شبيبة العدالة والتنمية، في تصريحات للجزيرة على ضرورة بناء علاقة مستمرة مع الشباب تتجاوز فترة الحملات، بينما أقر ياسين العشيري، عضو المكتب الوطني للشبيبة والمجلس الوطني للحزب، بأن العمل السياسي للحزب قابل للخطأ ويحتاج إلى مراجعة نقدية سياسية وتنظيمية.
أما عبد الإله بنكيران، الذي عاد إلى قيادة الحزب، فيمثل عنصراً آخر في استراتيجية الحملة الحالية. فقد وصفت ورقة تحليلية نشرها مركز الجزيرة للدراسات في 17 شتنبر حضوره باعتباره حالة من «الشهرة السياسية» يمكن أن تتحول إلى رأسمال انتخابي للحزب، وهي قراءة تحليلية لصاحب الدراسة وليست قياساً لنتيجة الانتخابات أو توقعاً لها.
وتبقى نتيجة هذا الرهان رهينة أصوات الناخبين في 23 شتنبر، إذ لا يسمح حجم التجمعات أو الانتشار الإعلامي أو الحضور الشخصي لزعيم الحزب وحده باستخلاص عدد المقاعد التي سيحصل عليها العدالة والتنمية قبل إعلان النتائج الرسمية.
التطبيع يعود إلى قلب اختبار البرنامج
وتبرز واحدة من أكثر نقاط برنامج العدالة والتنمية 2026 حساسية في السياسة الخارجية، إذ يضع الحزب مناهضة التطبيع ضمن التزاماته، رغم أن استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل جرى سنة 2020 عندما كان سعد الدين العثماني، القيادي في الحزب، رئيساً للحكومة.
وعاد الملف بقوة إلى الحملة الحالية بعدما اتفق المغرب وإسرائيل في 16 شتنبر 2026 على رفع مستوى بعثتيهما الدبلوماسيتين إلى سفارتين وتعيين سفراء، إلى جانب توسيع الربط الجوي والعمل على اتفاقات مرتبطة بالاستثمار والعلاقات الاقتصادية والتجارية، وفق بيان الاجتماع الثلاثي في نيويورك وتغطية رويترز.
وفي اليوم التالي، عقدت الأمانة العامة للعدالة والتنمية اجتماعاً استثنائياً وأعلنت رفض الحزب للتطبيع ولرفع مستوى العلاقات، وهو موقف حزبي سياسي لا يمثل الموقف الرسمي للدولة المغربية.
وكان MarocActu24 قد تابع هذا التطور فور صدور البلاغ، مع الفصل بين موقف الحزب وبين مضمون الاتفاق الثلاثي المعلن.
اقرأ أيضاً | اجتماع عاجل بعد قرار السفارتين.. العدالة والتنمية يرفض رفع العلاقات مع إسرائيل
وهنا يظهر الفارق بين البرنامج الانتخابي ومجال الصلاحيات المؤسساتية. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، بينما يحدد الدستور اختصاصات أخرى للمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، بما فيها التداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة.
المصدر الدستوري الرسمي | المحكمة الدستورية – الفصل 47
ويؤكد حزب العدالة والتنمية أنه يعمل داخل هذا الإطار الدستوري، وهو ما يجعل تقييم برنامجه مرتبطاً أيضاً بالتمييز بين الإجراءات التي يمكن للحكومة والبرلمان تنفيذها مباشرة، وبين الملفات الاستراتيجية التي تتداخل فيها مؤسسات واختصاصات دستورية متعددة.
وبعد الانتقال من 125 مقعداً إلى 13 في 2021، يدخل الحزب انتخابات 2026 بوثيقة تضم 467 إجراءً وبقيادة بنكيران مجدداً، لكن هذه الأرقام لا تسمح وحدها باستخلاص حجم التأييد الذي سيحصل عليه.
ما يمكن قياسه بعد الاقتراع هو عدد الأصوات والمقاعد التي سيحققها الحزب، أما برنامج العدالة والتنمية 2026 نفسه فسيظل قابلاً للتقييم على أساس تفاصيل إجراءاته، والآجال والموارد التي يربطها بها، ثم ما يمكن تنفيذه منها فعلياً إذا شارك الحزب في تدبير الحكومة المقبلة.
