اكتشاف وادي بهت بالمغرب يفتح صفحة جديدة في دراسة التاريخ القديم لشمال إفريقيا، بعدما أعلن المجلس الوطني الإيطالي للبحوث، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، أن حفريات جديدة بإقليم الخميسات كشفت منظومة من خندق وساتر ترابي يعود تاريخها إلى ما بين 3500 و4000 سنة، وصفها المصدر الرسمي بأنها أقدم بنية دفاعية معروفة حتى الآن في شمال إفريقيا خارج وادي النيل.

ولا يتعلق اكتشاف وادي بهت بسور حجري منفرد أو ببقايا يصعب تحديد زمنها، إذ كشفت الحفريات تحت البناء الظاهر عن خندق واسع وساتر ترابي يعودان إلى الفترة الممتدة بين بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانا يقطعان الطرف الجنوبي من منطقة الاستيطان مستفيدين من الوضع الطبيعي للمرتفع.

وتستند هذه الخلاصة إلى سلسلة مهمة من الأدلة الزمنية. فبحسب المجلس الوطني الإيطالي للبحوث، أجرى الفريق 17 تأريخاً جديداً بالكربون المشع، أتاحت إعادة بناء التسلسل الزمني للمنشآت وتحديد تاريخها بدرجة أكبر من الدقة.

وتقدم الدراسة العلمية المنشورة في مجلة «Libyan Studies» تفاصيل إضافية، إذ توضح أن العينات الـ17 شملت ثماني عينات من البذور وتسعاً من الفحم، وأن 15 نتيجة منها وفرت نطاقات زمنية مفيدة ومتوافقة مع التسلسل الطبقي، بينما اعتبر الباحثون نتيجتين مرتبطتين بالفحم دخيلتين على السياق ولم يعتمدوهما في تحديد مراحل المنشآت.

المصدر العلمي | Libyan Studies – Cambridge University Press

اكتشاف وادي بهت.. ماذا كشفت 17 نتيجة بالكربون المشع؟

تكشف الدراسة أن إحدى المراحل الإنشائية المبكرة أعطت تأريخاً يمتد بين 2010 و1747 قبل الميلاد، بينما أعطى سياق آخر مرتبط بهذه المرحلة نطاقاً بين 1896 و1623 قبل الميلاد. كما أظهرت عينة من مرحلة أخرى نطاقاً بين 1729 و1516 قبل الميلاد، وهي معطيات تدعم وجود نشاط إنشائي كبير في الموقع خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.

وتكتسي النتائج أهمية خاصة لأن المجلس الوطني الإيطالي للبحوث يصف المنظومة بأنها أقدم بنية دفاعية معروفة حتى الآن في شمال إفريقيا خارج وادي النيل، وهو توصيف يستند إلى الحالة الراهنة للمعرفة الأثرية ولا يعني استبعاد ظهور اكتشافات أقدم مستقبلاً.

أما الدراسة العلمية نفسها فتستخدم صياغة أكثر تحفظاً بشأن وظيفة المنشآت. فهي تعتبر أن الخندق والساتر والجدار يمكن بالفعل تفسيرها باعتبارها مجمعاً دفاعياً بالنظر إلى موقعها العرضي فوق المرتفع، لكنها تشير أيضاً إلى أنه لا يمكن في المرحلة الحالية استبعاد دوافع أخرى مرتبطة بإحاطة المجال أو تقسيمه، كما لا يلزم أن تكون وظيفة المنشآت متطابقة خلال مختلف فترات استعمالها.

وهذا التفصيل مهم علمياً، لأنه يفرق بين وصف البلاغ الرسمي للاكتشاف باعتباره أقدم منظومة دفاعية معروفة في المنطقة وبين مستوى التحفظ الذي يحافظ عليه الباحثون داخل الدراسة الأكاديمية عند تفسير الوظيفة الدقيقة للمنشآت.

المصدر الرسمي | المجلس الوطني الإيطالي للبحوث CNR

ولم يبدأ الاهتمام العلمي بوادي بهت مع هذا الاكتشاف. فمنذ سنة 2021 ينفذ «مشروع وادي بهت الأثري» أبحاثاً جديدة في المنطقة، بينما أظهرت أعمال ميدانية سابقة وجود مركز واسع للنشاط البشري يمتد على مساحة تقارب 9 إلى 10 هكتارات فوق المرتفع.

وتعود المرحلة الأساسية لهذا الاستقرار إلى العصر الحجري الحديث النهائي، مع تأريخ النشاط الرئيسي تقريباً بين 3400 و2900 قبل الميلاد، بينما أظهرت الدراسات وجود مرحلة أقدم وأخرى تمتد في بعض المواقع إلى فترات لاحقة.

وكشفت المسوحات الأثرية المكثفة سنة 2022 عن حجم استثنائي للمادة الأثرية الموجودة في المنطقة. فبحسب دراسة سابقة للفريق نفسه، جُمعت 19 ألفاً و626 قطعة أثرية من مساحة مسح بلغت 19.5 هكتاراً، بينها 16 ألفاً و258 قطعة فخارية، و2947 قطعة حجرية مشذبة، و50 فأساً أو أداة مشابهة، و371 أداة حجرية كبيرة.

وتقدم هذه الأرقام صورة عن أهمية وادي بهت قبل اكتشاف المنشآت الدفاعية الأخيرة، إذ كانت الدراسات السابقة قد أظهرت وجود مجتمع يعتمد أساساً على الزراعة، إلى جانب مؤشرات على التخزين والإنتاج واستعمال الأدوات الحجرية وصناعة الفخار.

كما أظهرت الأبحاث أن هذا المجتمع لم يكن معزولاً عن محيطه المتوسطي، إذ ربط الباحثون بعض تطوراته بما كان يحدث في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، مع وجود دلائل على تفاعلات عبر البحر خلال عصور ما قبل التاريخ.

دراسة سابقة | Antiquity – Cambridge University Press

ويضيف اكتشاف وادي بهت الجديد مرحلة زمنية أخرى إلى تاريخ المكان. فالمنشآت المؤرخة إلى الألفية الثانية قبل الميلاد جاءت بعد المرحلة الرئيسية للاستقرار المرتبط بالعصر الحجري الحديث النهائي، ما يكشف أن المرتفع عرف تحولات متتابعة في طريقة استغلاله وتنظيمه.

وبحسب المجلس الوطني الإيطالي للبحوث، فإن حجم المجمع المكتشف يعكس قدرة مهمة على التخطيط وتنظيم العمل، ويوفر مؤشراً على مجتمع كان قادراً على تنظيم المجال وفق احتياجات واستراتيجيات محددة.

وتساعد طبيعة التضاريس على فهم التفسير الدفاعي للمنشآت. فالخندق والساتر كانا يغلقان الطرف الجنوبي للموقع، مع الاستفادة من الشكل الطبيعي للمرتفع لجعل الوصول أكثر صعوبة، بينما تشير المعطيات إلى انتقال مركز النشاط بمرور الزمن من القطاع الشمالي الأكثر انفتاحاً نحو نتوء صخري جنوبي أكثر حماية.

ويقارن الباحثون هذه التحولات بما كان يحدث خلال الفترة نفسها في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث عاشت مجتمعات «El Argar» داخل مستوطنات محصنة وطورت أنشطة معدنية، بالتزامن مع ظهور أشكال أكثر تعقيداً من التنظيم الاجتماعي.

لكن أهمية وادي بهت لا تتوقف عند عصور ما قبل التاريخ. فقد كشفت الحفريات أيضاً عن جدار حجري ضخم يعود إلى العصور الوسطى فوق المنشآت الأقدم، إلى جانب مقبرة تعود إلى الفترة نفسها، وهو ما يؤكد إعادة استعمال الموقع بعد آلاف السنين.

ويمنح هذا التراكم الزمني للموقع قيمة أثرية إضافية، لأنه يسمح بدراسة تحولات الاستقرار واستعمال المجال في شمال غرب المغرب عبر مراحل زمنية متباعدة، بدلاً من الاقتصار على فترة أثرية واحدة.

وجاءت النتائج الجديدة ضمن الحملة الثالثة لـ«مشروع وادي بهت الأثري» Oued Beht Archaeological Project، بمشاركة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب «INSAP»، ومعهد علوم التراث الثقافي التابع للمجلس الوطني الإيطالي للبحوث «CNR ISPC»، وجامعة كامبريدج، والجمعية الدولية لدراسات البحر الأبيض المتوسط والشرق «ISMEO».

ويقود المشروع كل من جوليو لوكاريني ويوسف بوكبوط وسيبريان برودبانك، فيما نُشرت النتائج العلمية الجديدة في مجلة «Libyan Studies» التابعة لجمعية الدراسات الليبية والصادرة عن Cambridge University Press.

كما يُنجز المشروع بالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية والمجتمع المحلي لآيت سيبرن بإقليم الخميسات، ويحظى بدعم مؤسسات بحثية وحكومية إيطالية وبريطانية، بينها المجلس الوطني الإيطالي للبحوث وجامعة كامبريدج ومعهد McDonald للبحوث الأثرية.

وفي سياق اهتمام MarocActu24 بالثقافة والتراث والحضور المغربي في المشهد الثقافي الدولي، سبق للموقع أن تابع حضور عمل فني مغربي على غلاف مجلة «تيليراما» الفرنسية.

اقرأ أيضاً | «تيليراما» الفرنسية تضع عملاً فنياً مغربياً في الواجهة

وتمنح النتائج الجديدة لاكتشاف وادي بهت أهمية تتجاوز العثور على خندق أو ساتر ترابي قديم، لأنها تقدم أدلة مؤرخة على قدرة مجتمعات شمال غرب المغرب خلال الألفية الثانية قبل الميلاد على إنجاز منشآت كبيرة تتطلب التخطيط وتنظيم العمل.

وبين مستوطنة امتدت على نحو 9 إلى 10 هكتارات، و17 تأريخاً جديداً بالكربون المشع، ومنشآت تعود إلى ما يصل إلى أربعة آلاف سنة، يضيف اكتشاف وادي بهت معطيات جديدة إلى النقاش العلمي حول درجة تعقيد المجتمعات التي عاشت في المغرب القديم وعلاقاتها بالمجال المتوسطي.

ويعزز اكتشاف وادي بهت مكانة الموقع ضمن أهم الأوراش الأثرية المفتوحة حالياً لدراسة عصور ما قبل التاريخ بالمغرب، خصوصاً أن النتائج الجديدة لا تُقرأ بمعزل عن المكتشفات السابقة التي وثقت وجود مجتمع زراعي واسع وعلاقات عبر غرب البحر الأبيض المتوسط.

كما يمنح اكتشاف وادي بهت الباحثين مادة جديدة لمقارنة تطور الاستقرار وتنظيم المجال في شمال غرب إفريقيا بما كان يحدث خلال الفترة نفسها في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

وحتى مع التحفظ العلمي بشأن حصر وظيفة كل عناصر المجمع في الدفاع وحده، فإن الخلاصة الرسمية للمجلس الوطني الإيطالي للبحوث تظل لافتة: ما ظهر في وادي بهت يمثل، وفق المعرفة الأثرية المتاحة حتى الآن، أقدم منظومة دفاعية معروفة في شمال إفريقيا خارج وادي النيل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version