دخلت أزمة باب المندب، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، مرحلة أكثر حساسية، بعدما قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أمام البرلمان الأوروبي إن الاتحاد يرى أن المضيق أصبح «مغلقاً»، مطالبة الدول الأعضاء بتوفير مزيد من السفن الحربية لعملية «أسبيدس»، في وقت يتسع فيه نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي لليمن والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر.

ويكتسي التصريح أهمية خاصة لأنه صدر مباشرة عن أعلى مسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة: كلام كالاس لا يمثل قراراً أوروبياً بإغلاق باب المندب، ولا إعلاناً قانونياً بأن حركة جميع السفن توقفت بصورة كاملة، وإنما توصيفاً سياسياً وأمنياً قدمته للمشهد الميداني أثناء مطالبتها بتعزيز القوة البحرية الأوروبية.

وفي كلمتها الافتتاحية أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، قالت كالاس إن الحوثيين وسعوا سيطرتهم على الساحل اليمني الحساس، بما قد يؤدي إلى خنق ممر بحري حاسم آخر، هو باب المندب، مع «تداعيات خطيرة» على الاقتصاد العالمي.

لكنها كانت أكثر مباشرة في كلمتها الختامية، حين دعت الدول الأعضاء إلى تقديم قطع بحرية إضافية لعملية «أسبيدس»، قائلة إن الاتحاد يرى الآن أن باب المندب «مغلق»، وإن العملية تحتاج إلى مزيد من السفن حتى تحافظ على وجود أمني ذي مصداقية في المنطقة.

المصدر الرسمي | الاتحاد الأوروبي – كلمة كايا كالاس أمام البرلمان الأوروبي في 15 شتنبر 2026

باب المندب يدفع أوروبا إلى طلب سفن إضافية

الجديد في الموقف الأوروبي لا يتمثل في إطلاق قوة عسكرية جديدة، بل في المطالبة بتعزيز عملية بحرية موجودة بالفعل منذ فبراير 2024.

وأكدت كالاس أن «أسبيدس» تواصل مرافقة السفن في البحر الأحمر، مشيرة إلى أنها زارت العملية بنفسها، قبل أن تشدد على أن الاتحاد يحتاج إلى مزيد من القطع البحرية.

كما أعلنت أن بروكسل ستعزز التنسيق مع التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي أطلقته السعودية حديثاً، وربطت تعزيز الحضور الأوروبي أيضاً بدعم الحكومة اليمنية ومواجهة التهريب.

ولا تعني الدعوة الأوروبية إعلان حرب أوروبية على الحوثيين.

فالتفويض الرسمي لـ«أسبيدس» دفاعي، ويتمحور حول حماية السفن التجارية وأطقمها ودعم حرية الملاحة، وليس تنفيذ حملة هجومية برية داخل اليمن.

وتكشف أحدث أرقام الاتحاد الأوروبي حجم النشاط الذي راكمته العملية منذ إطلاقها؛ إذ دعمت عبور أكثر من 2390 سفينة تجارية وقدمت حماية قريبة لأكثر من 720 سفينة حتى 24 غشت 2026.

الاتحاد الأوروبي | أحدث معطيات عملية EUNAVFOR ASPIDES

كما ربطت كالاس مصداقية الاتحاد الأوروبي باعتباره فاعلاً أمنياً في المنطقة بتعزيز عمليتيه البحريتين، «أسبيدس» لحماية الملاحة و«أتالانتا» العاملة أيضاً في المنطقة لمواجهة القرصنة.

وهذا يعني أن النقاش الأوروبي بدأ ينتقل من مجرد التحذير من خطر الحوثيين إلى سؤال أكثر عملية: كم سفينة تستطيع الدول الأوروبية وضعها فعلياً في البحر الأحمر لحماية الملاحة؟

من ميون إلى حنيش.. الخريطة تغيرت

لا يأتي التحرك الأوروبي من فراغ.

فخلال أيام قليلة، وسع الحوثيون وجودهم على الساحل الغربي اليمني، ووصلوا إلى ميناء المخا وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، والواقعة في قلب باب المندب، قبل أن يمتد تقدمهم إلى جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى في البحر الأحمر.

وتكتسب ميون حساسية استثنائية لأنها تقع داخل المضيق نفسه وتقسمه جغرافياً إلى قناتين.

أما حنيش فتقع شمال المضيق، ولا تعني السيطرة عليها امتلاك القدرة التلقائية على وقف جميع السفن، لكنها توسع المجال الجغرافي الذي يوجد فيه الحوثيون بمحاذاة طريق بحري بالغ الأهمية.

وكان MarocActu24 قد تابع منذ 12 شتنبر انتقال الحوثيين إلى ميون وتزامن ذلك مع توقف خط «شرق–غرب» السعودي، في لحظة كانت فيها طرق تصدير الطاقة تواجه ضغوطاً متزامنة.

اقرأ أيضاً على MarocActu24 | 5 ملايين برميل يومياً تحت الضغط.. الحوثيون يسيطرون على ميون والسعودية توقف شريان النفط

ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن كل حركة تجارية عبر باب المندب توقفت دون استثناء.

لذلك يبقى الأدق صحفياً الفصل بين العبارة السياسية التي استعملتها كالاس، وبين إثبات إغلاق مادي كامل للمضيق؛ فالمؤكد رسمياً هو أن المسؤولة الأوروبية قالت إن الاتحاد يرى باب المندب «مغلقاً»، وأنها استخدمت هذا التقييم لتبرير مطالبتها بمزيد من السفن.

قطر تحذر من سيناريو هرمز وباب المندب

وفي اليوم نفسه، صدر تحذير رسمي من قطر يكشف حجم القلق الخليجي من انتقال أزمة الممرات البحرية إلى مستوى أكثر خطورة.

وقال إبراهيم بن سلطان الهاشمي، مدير إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الخارجية القطرية، إن إغلاق الممرات والمجاري البحرية لا يمكن التعامل معه باعتباره أمراً عادياً أو مقبولاً، داعياً المجتمع الدولي إلى التكاتف ضد أي إجراءات تعطل حرية الملاحة.

وأكد المسؤول القطري أن العالم يعاني بالفعل من إغلاق مضيق هرمز، ولذلك لا يستطيع تحمل تكلفة إغلاق باب المندب أيضاً، محذراً من أن تعطيل الملاحة في المضيقين ستكون له تداعيات «كارثية» على العالم.

المصدر الرسمي | وزارة الخارجية القطرية – 15 شتنبر 2026

وتكتسب المقارنة بين المضيقين وزناً اقتصادياً كبيراً.

فهرمز يشكل البوابة البحرية الرئيسية للخليج، بينما يمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي شمالاً إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

ولهذا لا يتعلق الخطر بممر واحد فقط، وإنما بإمكانية تعرض مسارين يفترض أن تعتمد عليهما التجارة والطاقة لضغوط متزامنة.

خط «شرق–غرب» يدخل المعادلة

تزداد الصورة تعقيداً مع الأزمة التي أصابت خط أنابيب «شرق–غرب» السعودي، وهو أحد أهم البدائل البرية التي تسمح للمملكة بنقل النفط من مناطق الإنتاج في الشرق إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بعيداً عن مضيق هرمز.

ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر، وتصل طاقته القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، بينما تشير تقديرات حديثة إلى أن التدفقات التي كان يحملها خلال الفترة الأخيرة تراوحت بين نحو 2.6 و4 ملايين برميل يومياً.

وتعرض الخط لهجوم بطائرات مسيرة أدى إلى توقفه، لكن تقديرات مدة التعطل ليست موحدة.

فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين مطلعين أن إصلاح الأضرار قد يستغرق ما بين ثلاثة وخمسة أسابيع، مع إمكانية استعادة جزء من التشغيل أثناء الإصلاحات.

وفي المقابل، قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، الثلاثاء 15 شتنبر، إن الخط قد يعود إلى العمل خلال أيام.

لذلك لا يمكن في هذه المرحلة الجزم بمدة نهائية لتوقف المنشأة، إلى أن تعلن السعودية جدولاً رسمياً نهائياً لإعادة التشغيل.

وكان MarocActu24 قد تناول أهمية هذا الشريان والفرق بين طاقته القصوى والتدفقات الفعلية التي تمر عبره.

اقرأ أيضاً على MarocActu24 | خط شرق–غرب السعودي.. 7 ملايين برميل في قلب أزمة الطاقة

وهكذا تتجمع الضغوط في ثلاثة مواقع مترابطة: اضطراب الملاحة عبر هرمز، وتعطل خط بري سعودي استراتيجي، وتصاعد الخطر العسكري حول باب المندب والبحر الأحمر.

لماذا تهم أزمة باب المندب المغرب؟

رغم ابتعاد المغرب جغرافياً عن جبهة القتال اليمنية، فإن الاقتصاد المغربي ليس معزولاً عن تداعيات اضطراب طرق الطاقة والتجارة العالمية.

فالمغرب يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاته الطاقية، ولذلك يمكن لارتفاع أسعار النفط والمنتجات المكررة وتكاليف الشحن والتأمين أن ينعكس، إذا طال أمد الأزمة، على فاتورة الاستيراد وكلفة النقل والأسعار.

كما يمثل باب المندب جزءاً أساسياً من الطريق الذي يربط آسيا والشرق الأوسط بالبحر المتوسط وأوروبا عبر قناة السويس.

وكلما ارتفعت المخاطر الأمنية إلى مستوى يدفع شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر، يصبح الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا أحد البدائل الرئيسية، وهو مسار أطول يرفع زمن الرحلة واستهلاك الوقود وكلفة تشغيل السفن والتأمين.

ولا يعني تصريح كالاس أن الأسعار في المغرب سترتفع تلقائياً، إذ تتدخل في أسعار الطاقة والشحن متغيرات عديدة.

لكن اجتماع الضغط على هرمز وباب المندب وخط «شرق–غرب» يرفع مستوى المخاطر الخارجية بالنسبة إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وللملف أيضاً زاوية دبلوماسية مغربية مباشرة.

ففي 11 شتنبر، أجرى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة اتصالاً هاتفياً مع وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية أفراح الزوبة، التي عرضت تطورات الوضع الميداني والتصعيد في الساحل الغربي وباب المندب.

وجدد بوريطة، بحسب البلاغ الرسمي اليمني، دعم المغرب لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية ووحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.

اقرأ أيضاً على MarocActu24 | باب المندب يدخل خط الرباط وعدن.. بوريطة يجدد دعم قيادة اليمن

حماية السفن أم تغيير قواعد المواجهة؟

السؤال الرئيسي بعد موقف كالاس يتعلق بحجم استجابة العواصم الأوروبية لدعوتها.

فإرسال سفن إضافية إلى «أسبيدس» يمكن أن يوسع قدرة العملية على مرافقة السفن التجارية وحمايتها، لكنه لا يعني تلقائياً انتقال أوروبا إلى تنفيذ عمليات هجومية ضد الحوثيين.

التفويض الحالي للعملية يظل دفاعياً، ولا يوجد حتى مساء 15 شتنبر إعلان رسمي عن قرار أوروبي بتحويلها إلى حملة عسكرية برية داخل اليمن.

وهنا تظهر المعضلة: توسع الوجود الحوثي على الساحل والجزر يرفع المساحة البحرية المعرضة للمخاطر، بينما تحتاج أوروبا إلى عدد أكبر من القطع البحرية إذا أرادت الحفاظ على قدرة فعلية على مرافقة السفن دون تغيير طبيعة التفويض.

لهذا ينبغي الفصل بين المؤكد والسيناريوهات المحتملة.

المؤكد هو أن كايا كالاس وصفت باب المندب بأنه «مغلق»، وطالبت الدول الأعضاء بتقديم مزيد من السفن لـ«أسبيدس»، ودعت إلى تقوية عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا».

أما توسيع المهمة الأوروبية إلى حرب مباشرة ضد الحوثيين فلم يُعلن عنه.

وتكشف التطورات المتزامنة أن الأزمة تجاوزت حدود الحرب اليمنية الداخلية. فمن هرمز شرقاً، مروراً بخط النفط السعودي، وصولاً إلى باب المندب والبحر الأحمر غرباً، أصبحت عدة طرق كان يفترض أن يشكل بعضها بديلاً عن بعض تحت الضغط في الوقت نفسه.

وإذا استمر الوضع، فلن يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على جزيرة أو ميناء يمني، بل بقدرة شركات الطاقة والشحن على الاستمرار في استخدام أحد أهم المحاور البحرية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا دون قفزة إضافية في المخاطر والكلفة.

طلب أوروبا سفناً حربية إضافية وتحذير قطر من تداعيات «كارثية» لتعطيل هرمز وباب المندب معاً يضعان أزمة باب المندب في مستوى دولي جديد.

والمرحلة المقبلة ستتوقف على حجم الاستجابة الأوروبية لنداء كالاس، وسرعة استعادة خط «شرق–غرب» السعودي لتشغيله، وطبيعة التحركات الإقليمية، وما إذا كان التوسع الحوثي حول باب المندب سيظل سيطرة جغرافية وعسكرية أم سيتحول إلى قيود أوسع على حركة السفن.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version