هجوم المسيرات على خط شرق غرب السعودي دخل مرحلة جديدة بعد إعلان السلطات العراقية ضبط 15 منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة، في أعقاب الهجوم الذي استهدف أحد أهم شرايين نقل النفط في السعودية وأدى إلى إيقافه احترازياً، بينما توسعت التحريات إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية.

وأعلن صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أن الأجهزة الأمنية ضبطت 15 منصة لإطلاق المسيّرات، مؤكداً أن بغداد لن تسمح باستخدام أراضيها لاستهداف دول الجوار، وأن لجان تحقيق عليا تواصل عملها في محافظة ميسان لكشف المسؤولين عن الخروقات الأخيرة.

ويشكل الرقم تطوراً لافتاً مقارنة بالمعطيات الأولى التي كانت تتحدث فقط عن العثور على منصات قرب الشريط الحدودي.

غير أن المعطيات الرسمية المتاحة لا تسمح حتى الآن بالجزم بأن المنصات الخمس عشرة جميعها استُخدمت مباشرة في الهجوم نفسه على خط الأنابيب السعودي، وهو تمييز ضروري بين ما ضبطته السلطات العراقية وبين ما ستثبته التحقيقات الفنية.

وفي تطور موازٍ، وافق رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي على طلب إيراني لإجراء تحقيق مشترك بشأن منصات لإطلاق طائرات مسيّرة عُثر عليها قرب الشريط الحدودي العراقي الإيراني، وفق بيان للناطق باسم القائد العام.

المصدر | العراق يوافق على تحقيق مشترك بشأن منصات المسيّرات قرب الحدود

وتبقى هذه النقطة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً، لأن وجود منصات قرب الحدود مع إيران يمثل معطى جغرافياً وتحقيقياً، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلاً على مسؤولية طهران عن الهجوم.

وحتى الآن، لم تعلن بغداد أو الرياض نتيجة تحقيق رسمية أو اتهاماً قضائياً نهائياً يحدد الجهة التي أمرت بالعملية أو موّلتها أو نفذتها.

ويضع العثور على هذا العدد من منصات الإطلاق السلطات العراقية أمام مسار تحقيق أكثر تعقيداً، يشمل فحص المعدات ومواقعها ومسارات نقلها والجهات التي كانت تسيطر عليها، إلى جانب محاولة تحديد نوع الطائرات المستخدمة وكيفية تجهيزها والاتصالات المرتبطة بعملية الإطلاق.

كما اتخذت بغداد إجراءات أمنية داخل محافظة ميسان، شملت تغييرات وإعفاءات في مسؤوليات أمنية وفتح تحقيقات بشأن الخروقات التي سمحت بانطلاق الهجمات من داخل الأراضي العراقية، بعدما أكدت السلطات أن هجمات استهدفت السعودية انطلقت من موقع داخل المحافظة.

هجوم المسيرات.. التحقيق يتوسع بعد ضبط 15 منصة إطلاق

بدأت الحلقة الأخطر من الملف صباح الخميس 10 شتنبر 2026، عندما تعرض خط أنابيب شرق–غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لعدة استهدافات.

وأكد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية أن الخط أوقف احترازياً عقب الهجمات، وأن الاستهدافات أسفرت عن إصابات، فيما باشرت فرق الطوارئ والفرق الفنية تأمين المنشآت والتحقق من سلامتها.

المصدر الرسمي | إيقاف خط شرق–غرب احترازياً إثر الاستهدافات

وبعد ذلك، حسمت وزارة الخارجية السعودية جانباً مهماً من الجدل حول مصدر المسيّرات، معلنة رسمياً أن خط شرق–غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة استُهدف بعدة طائرات مسيّرة انطلقت من العراق، وأن الهجمات خلفت إصابات وأضراراً مادية.

وقالت الرياض إنها اختارت، بناء على طلب من رئيس الوزراء العراقي، عدم الرد في هذه المرحلة وإتاحة المجال للحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار هجمات تنطلق من أراضيها ضد السعودية أو دول الجوار.

لكن البيان السعودي أبقى خياراً آخر مفتوحاً، عندما أكد أن المملكة تحتفظ بحق اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها.

المصدر الرسمي | بيان الخارجية السعودية بشأن المسيّرات القادمة من العراق

وهكذا انتقل الملف خلال أيام قليلة من استهداف منشأة نفطية داخل السعودية، إلى تحديد العراق باعتباره نقطة انطلاق للمسيّرات، ثم إلى عمليات تفتيش وتحقيق داخل ميسان، قبل أن تعلن بغداد العثور على منصات قرب الحدود مع إيران ثم ضبط 15 منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة.

ورغم تسارع هذه التطورات، ما تزال الحلقة الأساسية غائبة: من يملك هذه المنصات، ومن أعطى أمر الإطلاق، ومن وفر المسيّرات والقدرات التقنية لتنفيذ الهجوم؟

ولا تسمح المعطيات المنشورة حتى الآن بإعطاء جواب نهائي عن هذه الأسئلة، لذلك يبقى أي ربط مباشر بين الهجوم وفصيل عراقي بعينه أو جهة إقليمية محددة سابقاً لأوانه ما لم تعلن السلطات العراقية نتائج الأدلة الفنية والاستخباراتية والقضائية.

ويحمل هذا التحفظ أهمية خاصة في ملف شديد الحساسية، إذ إن تحديد مكان انطلاق المسيّرات يختلف قانونياً وسياسياً عن إثبات الجهة التي خططت للعملية أو أمرت بها.

وتزداد خطورة الهجوم بالنظر إلى الدور الاستراتيجي لخط شرق–غرب داخل منظومة الطاقة السعودية. فالخط ينقل الخام من شرق المملكة باتجاه ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويمنح الرياض مساراً بديلاً يمكن استخدامه لتقليل الاعتماد على طرق التصدير المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد أعلنت في أبريل 2026 استعادة الطاقة التشغيلية للخط عند نحو 7 ملايين برميل يومياً بعد تعرضه لأضرار سابقة، وهو ما يكشف الحجم الاستراتيجي لهذا الممر داخل شبكة نقل النفط السعودية.

المصدر الرسمي | استعادة الطاقة التشغيلية لخط شرق–غرب في أبريل

ولهذا فإن استهداف الخط في شتنبر لا يتعلق فقط بمنشأة نفطية داخلية، بل بممر اكتسب أهمية أكبر في ظل التوترات التي يعرفها مضيق هرمز وارتفاع المخاطر التي تواجه حركة ناقلات الطاقة في المنطقة.

وحتى إعداد هذه المادة، لم يظهر في البيانات الرسمية السعودية التي تم التحقق منها إعلان يؤكد عودة خط شرق–غرب إلى كامل طاقته التشغيلية بعد استهداف 10 شتنبر.

لذلك لا يمكن تقديم أرقام متداولة حول حجم النفط المتوقف أو مدة الإصلاح باعتبارها أرقاماً رسمية نهائية.

وكان MarocActu24 قد تابع تطورات مضيق هرمز، بعدما عادت التهديدات والقيود على الملاحة إلى واجهة أزمة الطاقة، مع أهمية الممر بالنسبة إلى حركة النفط والغاز والأسواق الدولية.

اقرأ أيضاً | مضيق هرمز.. إيران تهدد بمنع السفن العسكرية وممر تجاري بعرض 7 أميال مع عُمان

كما سبق للموقع أن تناول تأثير المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سوق الطاقة، في وقت ظل مضيق هرمز أحد الملفات الأساسية التي تضغط على الأسعار والملاحة، وهو ما يفسر القيمة الاستراتيجية المتزايدة للمسار السعودي البري نحو البحر الأحمر.

اقرأ أيضاً | مفاوضات أمريكية إيرانية في سويسرا.. هرمز يضع أسعار الطاقة تحت الضغط

وبالنسبة إلى المغرب، لا يظل الملف بعيداً جغرافياً عن الاقتصاد الوطني. فالمملكة مستورد صافٍ للطاقة، وأي اضطراب طويل في مسارات نقل النفط أو ارتفاع حاد في علاوة المخاطر والتأمين والشحن يمكن أن ينتقل إلى الأسعار الدولية، ثم إلى كلفة الواردات الطاقية والنقل.

لكن حجم التأثير الفعلي سيظل مرتبطاً بعاملين أساسيين: المدة التي سيستغرقها توقف خط شرق–غرب، والقدرة السعودية على تعويض التدفقات عبر المخزونات والمنشآت والمسارات البديلة.

وحتى الآن، لا توجد أرقام رسمية نهائية تسمح بحساب الخسارة الفعلية في الإمدادات الناتجة عن الهجوم الأخير.

أما سياسياً، فتضع القضية الحكومة العراقية أمام اختبار سيادي مباشر، فإقرار بغداد بانطلاق الهجمات من أراضيها، ثم ضبط 15 منصة للمسيّرات، يعني أن التحدي لم يعد محصوراً في تحديد مكان الإطلاق، بل أصبح متعلقاً بقدرة الدولة على معرفة من يتحكم بهذه المعدات ومن يستخدم أراضي العراق لتنفيذ عمليات عابرة للحدود.

العثور على المنصات يمكن أن يمنح التحقيق خيطاً مادياً مهماً، لكنه لا يحسم المسؤولية وحده.

ويبقى السؤال المفتوح بعد ضرب خط شرق–غرب السعودي وضبط 15 منصة للمسيّرات هو نفسه: من أصدر أمر الهجوم، ومن وفر الطائرات والمنصات، ومن أشرف على الإطلاق؟

ويزيد هجوم المسيّرات الأخير من حساسية الملف، لأن التحقيق لم يعد مرتبطاً فقط بمصدر الطائرات أو مكان انطلاقها، بل بات يشمل أيضاً شبكة الإمداد والتجهيز والجهات التي وفرت المنصات والقدرات التقنية المستخدمة في التنفيذ.

وإذا أثبتت التحقيقات وجود تنظيم أو شبكة تقف خلف هجوم المسيّرات، فإن القضية قد تنتقل من مجرد خرق أمني عابر للحدود إلى ملف ذي تداعيات سياسية وأمنية أوسع بين بغداد والرياض، خصوصاً في ظل أهمية خط «شرق–غرب» داخل منظومة أمن الطاقة السعودية.

إلى أن تجيب التحقيقات العراقية عن ذلك بأدلة فنية وقضائية، فإن الثابت رسمياً هو أن خط شرق–غرب تعرض للاستهداف وأُوقف احترازياً، وأن السعودية قالت إن المسيّرات جاءت من العراق، وأن بغداد أقرت بانطلاق الهجمات من أراضيها ووسعت تحقيقاتها، فيما لم تُعلن حتى الآن بصورة نهائية هوية الجهة التي نفذت العملية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version