بقلم: محمد زاوي
تعاقبت على القضية الفلسطينية، خلال أكثر من قرن من الصراع، مشاريع فكرية وسياسية متعددة حاول كل واحد منها أن يقدم إجابته الخاصة عن سؤال فلسطين: كيف تُقاوم إسرائيل؟ وكيف يمكن تحويل القضية من مأساة تاريخية إلى مشروع تحرر قادر على تغيير موازين القوة؟
يمكن، من زاوية تحليلية، اختزال هذه المسارات في خمس تجارب كبرى: مقاومة دينية وطنية سبقت قيام إسرائيل، ثم القومية العربية، فاليسار الاشتراكي، فالإسلام السياسي الحركي، وصولاً إلى المشروع الإيراني الذي جعل دعم فلسطين ومحور المقاومة جزءاً مركزياً من رؤيته الإقليمية،وهنا تبدأ علاقة إيران وفلسطين باعتبارها المرحلة الخامسة في هذه القراءة.
هذا التقسيم ليس حكماً تاريخياً نهائياً، بقدر ما هو محاولة لقراءة انتقال مركز الثقل من إيديولوجيا إلى أخرى، وكيف كانت كل مرحلة تصطدم في النهاية بالسؤال نفسه: هل تستطيع الأفكار، مهما بلغت قوتها التعبوية، أن تصمد عندما تنتقل المواجهة من الخطاب إلى ميزان القوة الفعلي؟
بدأت إحدى أولى صور المقاومة المنظمة قبل قيام إسرائيل نفسها. وفي فلسطين الانتدابية، ارتبطت أسماء مثل الشيخ عز الدين القسام والحاج أمين الحسيني بمرحلة جمعت بين التعبئة الدينية والوطنية والاجتماعية والسياسية، قبل أن يصل الصراع إلى المواجهة المسلحة مع الحركة الصهيونية وسلطات الانتداب البريطاني.
لم تنجح تلك المرحلة في منع قيام إسرائيل سنة 1948، لكنها تركت إرثاً سياسياً ورمزياً ظل حاضراً في الحركات الفلسطينية التي ظهرت بعدها.
الأمم المتحدة | تاريخ القضية الفلسطينية من الانتداب إلى 1948 و1967
ثم جاءت القومية العربية.
بعد نكبة 1948، تحول الصراع مع إسرائيل إلى قضية مركزية داخل مشاريع التحرر العربية. صعود جمال عبد الناصر في مصر، ثم الأنظمة والحركات القومية في سوريا والعراق واليمن والجزائر وليبيا وغيرها، جعل فلسطين جزءاً من تصور أوسع يتعلق بالوحدة العربية والاستقلال والتحرر من الهيمنة الغربية.
وفي السياق الفلسطيني نفسه، صعدت حركة «فتح» بوصفها حركة تحرر وطني فلسطينية مستقلة، وإن كانت تعمل داخل فضاء عربي مشبع آنذاك بالأفكار القومية والوحدوية.
لكن هزيمة يونيو 1967 شكلت لحظة كسر كبرى.
لم تكن «النكسة» مجرد خسارة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة فكرية عميقة طرحت سؤالاً قاسياً: لماذا فشل المشروع القومي في تحقيق وعوده؟
الأمم المتحدة | الخط الزمني للقضية الفلسطينية
من القومية إلى اليسار ثم الإسلام السياسي
من قلب تلك الأزمة ظهرت تيارات يسارية عربية وفلسطينية أكثر وضوحاً في تبني الماركسية والاشتراكية العلمية. وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المرتبطة باسم جورج حبش، من أبرز تجليات هذا المسار داخل الساحة الفلسطينية.
لم ينحصر تأثير اليسار في التنظيمات المسلحة، بل امتد إلى فضاء فكري عربي واسع حاول تفكيك أسباب الهزيمة، وبنية الدولة العربية، وعلاقة التخلف بالاستعمار والرأسمالية والسلطة.
برز في هذا السياق مفكرون وفاعلون من مدارس مختلفة، من ياسين الحافظ وإلياس مرقص وصادق جلال العظم في المشرق، إلى أسماء يسارية أخرى في مصر ولبنان والأردن والمغرب.
لكن المشروع اليساري بدوره دخل مرحلة انحسار تدريجي، خصوصاً مع التحولات الدولية التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، ومع صعود الحركات الإسلامية التي استطاعت احتلال مساحات اجتماعية وسياسية واسعة تركتها التيارات القومية واليسارية.
هنا ظهرت الإيديولوجيا الرابعة: الإسلام السياسي الحركي.
جعلت تيارات إسلامية سنية القضية الفلسطينية جزءاً مركزياً من خطابها السياسي والديني، قبل أن تنتقل هذه العلاقة من التضامن الفكري والتنظيمي إلى وجود حركة فلسطينية مسلحة ذات مرجعية إسلامية هي حركة «حماس».
ومع مرور السنوات، أصبحت حماس أحد أهم الفاعلين العسكريين والسياسيين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى أن جاءت عملية 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة في قطاع غزة لتضع الحركة، ومعها المشروع السياسي والعسكري الذي تمثله، أمام أعنف اختبار في تاريخها.
وبغض النظر عن الموقف من العملية أو من خيارات حماس، فإن ما حدث بعدها غيّر البيئة الاستراتيجية المحيطة بالقضية الفلسطينية بصورة عميقة، وأعاد طرح سؤال قدرة الحركات المسلحة على تحويل الإنجاز العسكري أو الصدمة الأمنية إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.
لكن خلف هذا المشهد برزت علاقة إيران وفلسطين باعتبارها جزءاً من مشروع إقليمي أوسع تقوده طهران.
إيران.
إيران وفلسطين.. اختبار «الإيديولوجيا الخامسة»
منذ الثورة الإيرانية سنة 1979، وضعت الجمهورية الإسلامية القضية الفلسطينية في موقع مركزي داخل خطابها الخارجي، لكنها لم تكتفِ بطرح موقف سياسي مؤيد للفلسطينيين.
مع مرور الوقت بنت طهران شبكة تحالفات إقليمية امتدت من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن والأراضي الفلسطينية، ووفرت بدرجات مختلفة التدريب والتمويل والسلاح والخبرة لعدد من القوى المنضوية ضمن ما بات يعرف بـ«محور المقاومة».
ومن هنا تختلف تجربة إيران وفلسطين عن التجارب العربية السابقة.
إيران ليست مجرد حركة سياسية أو تنظيم أيديولوجي، بل دولة كبيرة تملك مؤسسات عسكرية وأجهزة أمنية وقاعدة صناعية ومنظومات صاروخية وطائرات مسيرة وبرنامجاً نووياً وشبكة تحالفات إقليمية.
ويكشف تطور الملف النووي الإيراني حجم الضغط الذي بات يحيط بطهران، بعدما دخلت المواجهة مع القوى الغربية مرحلة جديدة مرتبطة بمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإمكانية إعادة الملف إلى مجلس الأمن.
اقرأ أيضاً | 4 قوى غربية تدفع بإيران نحو مجلس الأمن بعد 20 عاماً.. 440.9 كلغ من اليورانيوم بلا تحقق
لهذا لم يعد الاختبار متعلقاً بحليف بعيد عن طهران فقط.
السؤال أصبح متعلقاً بقدرة المشروع الإيراني نفسه على تحمل الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي، وعلى الحفاظ على أدوات الردع والنفوذ التي بناها خلال عقود.
وهنا نصل إلى جوهر علاقة إيران وفلسطين واختبار «الإيديولوجيا الخامسة».
فالمسألة لم تعد مقدار ما تستطيع إيران تقديمه لفلسطين أو لحلفائها، وإنما ما إذا كانت الاستراتيجية الإيرانية نفسها قادرة على الصمود عندما تصبح الدولة التي بنت «محور المقاومة» جزءاً مباشراً من معادلة المواجهة.
وقد أظهرت المواجهات المباشرة بين واشنطن وطهران أن هذا الاختبار لم يعد نظرياً فقط، بعدما امتد التصعيد إلى المياه المحيطة بإيران ومضيق هرمز، ووصل إلى ضرب ناقلات نفط وهجمات استهدفت سفناً حربية أمريكية، وفق الروايات الرسمية الصادرة عن أطراف المواجهة.
اقرأ أيضاً | 3 ناقلات مقابل سفينتين حربيتين.. تصعيد أمريكي إيراني جديد يشعل مياه الخليج
هل تستطيع إيران الحفاظ على قوتها العسكرية والصاروخية؟
هل تستطيع حماية بنيتها الاقتصادية والطاقة والصناعة في ظل الضغوط والصراعات الإقليمية؟
هل تستطيع الاحتفاظ بنفوذها لدى حلفائها بعد التحولات الكبيرة التي أصابت الشرق الأوسط؟
والأهم: هل تستطيع ترجمة كل ذلك إلى معادلة سياسية جديدة تحد من التفوق الإسرائيلي، أم أن المشروع الإيراني سيواجه المصير نفسه الذي واجهته مشاريع عربية سابقة رفعت فلسطين إلى مركز إيديولوجيتها ثم اصطدمت بميزان قوة يفوق قدرتها؟
لا توجد إجابة نهائية بعد.
لكن التاريخ يقدم درساً يصعب تجاهله: القضية الفلسطينية كانت، في كل مرحلة تقريباً، ميداناً تختبر فيه الإيديولوجيات العربية والإقليمية قدرتها على الانتقال من الشعارات إلى القوة، ومن القوة إلى السياسة، ومن السياسة إلى نتائج قابلة للاستمرار.
المشايخ جُرّبوا.
والقومية جُرّبت.
واليسار جُرّب.
والإسلام السياسي دخل أقسى اختباراته منذ 7 أكتوبر.
والآن يأتي الدور على إيران.
لهذا فإن اختبار إيران لا يتعلق فقط بمستقبل الجمهورية الإسلامية أو بصراعها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤال أكبر: هل تشهد المنطقة تشكل ميزان قوة جديد، أم أننا أمام فصل آخر من الدورة التاريخية نفسها، حيث تصعد إيديولوجيا تحمل فلسطين في قلب مشروعها قبل أن تكتشف أن الجغرافيا السياسية أكثر صلابة من الإيديولوجيا؟
هذه هي المسألة التي يحاول كتاب «إيران وفلسطين: اختبار جيوسياسي للإيديولوجيا الخامسة» تفكيكها؛ لا انطلاقاً من الانحياز إلى إيران أو ضدها، وإنما عبر محاولة فهم موقع التجربة الإيرانية داخل التاريخ الطويل للصراع، وحدود القوة التي بنتها، وما إذا كان بإمكانها أن تحقق ما عجزت عنه المشاريع التي سبقتها.
لأن السؤال الحقيقي ليس من يرفع راية فلسطين أكثر، وإنما من يستطيع تحويلها من قضية أيديولوجية دائمة إلى معادلة سياسية واستراتيجية تغير الواقع على الأرض.


