كشفت فجوة التحصيل في منتوجات الاحتكارات والاستغلالات والمساهمات المالية للدولة عن فرق تراكمي بلغ 9.1699 مليارات درهم بين ما برمجته قوانين المالية وما دخل فعلياً إلى الميزانية خلال السنوات المالية 2022 و2023 و2024، وفق معطيات تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024.
وتندرج السنوات الثلاث كاملة ضمن الولاية الحكومية الحالية، بينما تُظهر الأرقام أن الفارق لا يتعلق بأموال ثبت ضياعها أو اختفاؤها، وإنما بموارد توقعت قوانين المالية تحصيلها قبل أن تأتي النتائج الفعلية دون تلك التقديرات.
المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – تقرير تنفيذ قانون المالية لسنة 2024
وبجمع الفوارق الواردة في الجدول رقم 89 من التقرير، سجلت سنة 2022 قصوراً عن التوقعات قدره 839.9 مليون درهم، قبل أن تقفز الفجوة إلى 5.4765 مليارات درهم سنة 2023، ثم تستقر عند 2.8535 مليار درهم خلال 2024.
وتبرز سنة 2023 باعتبارها الأكثر ابتعاداً عن التوقعات خلال الفترة، بعدما راهنت الدولة على تحصيل 19.4639 مليار درهم من هذه الموارد، بينما لم تتجاوز الحصيلة الفعلية 13.9874 مليار درهم، بما يعادل نسبة إنجاز في حدود 71.9 في المائة.
أما سنة 2024، فقد حدد قانون المالية توقعات هذا الباب في 19.48 مليار درهم، مقابل تحصيل فعلي بلغ 16.6265 مليار درهم، أي بفارق سلبي قدره 2.8535 مليار درهم ونسبة إنجاز حسابية تقارب 85.4 في المائة.
فجوة التحصيل.. 4.1 مليارات أقل من المتوقع في الأتاوى والموارد الأخرى
يكشف تفصيل نتائج 2024 أن الجزء الأكبر من فجوة التحصيل نتج عن بند أتاوى احتلال الأملاك العامة والموارد الأخرى، الذي سجل حصيلة أقل من التوقعات بنحو 4.0975 مليارات درهم.
وسجل بند الأرباح الآتية من الشركات ذات المساهمة العمومية بدوره نقصاً قدره 1.8468 مليار درهم مقارنة بما كان مبرمجاً، ما عمق الفارق بين تقديرات قانون المالية والحصيلة النهائية المسجلة.
وقابل هذه النتائج السلبية أداء أفضل من المتوقع في بنود أخرى، إذ تجاوزت الموارد المتأتية من المؤسسات المالية التقديرات بنحو 994 مليون درهم، بينما فاقت عوائد الاحتكار وحصص الأرباح ومساهمات المؤسسات العامة التوقعات بحوالي 2.0968 مليار درهم.
وساهمت هذه الزيادات في امتصاص جزء مهم من النقص المسجل ببقية البنود، لتنتهي سنة 2024 بفارق صاف قدره 2.8535 مليار درهم بين التوقعات والتحصيل.
ولا يقدم تقرير المجلس هذه الفوارق باعتبارها ظاهرة مرتبطة بسنة واحدة، إذ سجل أن الاختلاف بين المبالغ المتوقعة والمحصلة، الذي ظل ضمن مستويات أكثر اعتدالاً بين 2016 و2019، تفاقم بشكل ملحوظ ابتداء من سنة 2020.
ويربط المجلس هذا التطور بعاملين رئيسيين، أولهما إدراج تقديرات مرتبطة بمؤسسات لا يترتب عنها تحصيل فعلي، وثانيهما احتفاظ بعض المؤسسات والمقاولات العمومية بجزء أكبر من أرباحها لتمويل برامجها الاستثمارية، بما يخفض المبالغ القابلة للتحويل إلى الميزانية العامة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية بالنظر إلى أن إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية يشكل بدوره أحد أوراش المالية العمومية، وقد سبق لـMarocActu24 أن تناول مؤشرات برنامج إصلاحي ممول من البنك الدولي بقيمة 350 مليون دولار، ظل فيه مؤشر عدد المؤسسات المحتسبة ضمن إعادة الهيكلة عند «0 من 22» في آخر قياس منشور، رغم تقدم إجراءات مرحلية أخرى.
اقرأ أيضاً | إصلاح المؤسسات العمومية.. 0 من 22 داخل برنامج بـ350 مليون دولار
وتصبح فجوة التحصيل أكثر وضوحاً عند الانتقال من المجاميع السنوية إلى وضعية بعض المؤسسات التي أدرجت لها قوانين المالية تقديرات متكررة دون أن يقابلها تحصيل منتظم.
ويبرز صندوق التجهيز الجماعي من بين أكثر الحالات لفتاً للانتباه، بعدما بلغت التقديرات المتراكمة المرتبطة به 850 مليون درهم خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2024، بينما ظل التحصيل الفعلي المسجل صفراً.
وسجل صندوق الإيداع والتدبير بدوره تقديرات متراكمة بلغت 922 مليون درهم، مقابل تحصيل لم يتجاوز 88 مليون درهم، مع تسجيل مساهمة فعلية خلال سنة واحدة فقط من الفترة، هي سنة 2020.
أما القرض الفلاحي للمغرب، فتوقفت مساهمته منذ سنة 2017، رغم بلوغ التقديرات المتراكمة المرتبطة به 700 مليون درهم خلال الفترة المدروسة، مقابل تحصيلات تراكمية لم تتجاوز 102 مليون درهم.
وتوقفت مساهمة المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن منذ سنة 2020، بينما تظهر الجداول تقديرات متراكمة بقيمة 830 مليون درهم مقابل تحصيلات فعلية في حدود 460 مليون درهم.
وسجل التقرير كذلك غياب مساهمة مجموعة التهيئة «العمران» برسم سنة 2024، مع وصول التقديرات المتراكمة خلال الفترة إلى 1.658 مليار درهم مقابل تحصيلات بقيمة 1.610 مليار.
كما لم تسجل الهيئة المغربية لسوق الرساميل مساهمة خلال سنة 2024، فيما بلغت التقديرات المتراكمة المتعلقة بها 191 مليون درهم والتحصيلات 153 مليوناً.
ولا تعني هذه الحالات بالضرورة وجود التزام قانوني ثابت على كل مؤسسة بتحويل المبالغ المدرجة في التوقعات، لكنها تبرز الإشكال الذي أثاره المجلس بشأن قابلية هذه الموارد للتوقع عندما تستمر البرمجة دون انتظام التحصيل.
وسبق لـMarocActu24 أن استخرج من التقرير نفسه مفارقة أخرى تتعلق بصندوق الإصلاح الزراعي خلال 2024، بعدما بلغ سقف التحمل النهائي 622.9 مليون درهم مقابل التزامات بالنفقات لم تتجاوز 100 ألف درهم.
اقرأ أيضاً | 622.9 مليون درهم لصندوق الإصلاح الزراعي مقابل 100 ألف فقط من الالتزامات
وتتجاوز فجوة التحصيل السنوات الثلاث الأخيرة، إذ تكشف حسابات الفترة الممتدة من 2016 إلى 2024 عن فارق تراكمي سلبي بلغ نحو 20.9676 مليار درهم.
ووصل مجموع التوقعات خلال السنوات التسع إلى 123.4121 مليار درهم، مقابل تحصيلات فعلية بقيمة 102.4445 مليار درهم، أي بنسبة إنجاز إجمالية تقارب 83.01 في المائة.
غير أن وزارة الاقتصاد والمالية قدمت داخل التقرير قراءة مختلفة لحجم هذا الفارق، موضحة أن الاقتصار على الموارد العادية المرتبطة مباشرة بالأداء الاقتصادي والمالي للمؤسسات والمقاولات العمومية يخفض الفارق التراكمي خلال الفترة 2016-2024 إلى حوالي 2.2 مليار درهم، مع نسبة إنجاز تقارب 98 في المائة.
وبررت الوزارة هذا التقييم بكون تحديد مساهمة كل مؤسسة لا يقوم فقط على هدف تعبئة الموارد لفائدة الميزانية، بل يأخذ بعين الاعتبار النتائج المالية والتوقعات ومؤشرات الأداء وبرامج الاستثمار ومستوى المديونية والسيولة وحاجيات التمويل الذاتي.
وبحسب جواب الوزارة، يفترض هذا النهج الحفاظ على التوازن بين موارد الميزانية واستدامة نشاط المؤسسات العمومية وقدرتها على تمويل استثماراتها وتنفيذ التزاماتها.
غير أن جداول المجلس تضع، في المقابل، مسألة دقة التقديرات تحت المجهر، خصوصاً عندما تنتهي توقعات متكررة إلى صفر تحصيل أو تظل مساهمة مؤسسة معينة منقطعة لعدة سنوات رغم استمرار إدراج مبالغ متوقعة بشأنها.
ودعا المجلس إلى اعتماد منهجية أكثر رشادة وشفافية في توزيع الأرباح، والعمل على ضمان انتظام مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين قابليتها للتوقع، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من آليات مؤسساتية من بينها عقود البرامج.
ولا تمثل فجوة التحصيل البالغة 9.17 مليارات درهم بين 2022 و2024 دليلاً على ضياع هذا المبلغ من خزينة الدولة، بل تقيس المسافة بين ما برمجته قوانين المالية وما تحقق فعلياً من موارد.
لكن استمرار إدراج توقعات لفائدة مؤسسات انتهت مساهماتها أحياناً إلى صفر، أو ظلت غير منتظمة لسنوات، يحول النقاش من مجرد فارق حسابي إلى اختبار مباشر لجودة إعداد موارد الميزانية ودقة الفرضيات التي تعتمد عليها الحكومة عند بناء توازناتها المالية.
