انتقلت أحداث سبتة التي شهدتها الحدود المغربية الإسبانية يومي 30 و31 يوليوز 2026 من مستوى التقارير الأمنية والتجاذب السياسي إلى مرحلة قضائية أكثر حساسية، بعدما فتحت القاضية ماريا تاردون، بالمحكمة الوطنية الإسبانية، تحقيقاً جنائياً رسمياً في الوقائع، معتبرة أن المعطيات الموضوعة أمامها تكشف عما وصفته بـ«تدبير واضح ولا لبس فيه مُسهِّل للعملية» انطلاقاً من التراب المغربي، دون أن يعني ذلك ثبوت مسؤولية الحكومة المغربية أو تحديد الجهة التي أصدرت أوامر محتملة.
وجاء فتح التحقيق رسمياً الاثنين 7 شتنبر، قبل أن تكشف وكالة الأنباء الإسبانية «EFE»، الثلاثاء 8 شتنبر، تفاصيل أوسع من قرار القاضية، الذي يتعامل مع العبور الجماعي باعتباره واقعة قد تتجاوز مجرد تدفق مهاجرين خارج عن السيطرة، بعدما تحدث عن «سلوك إجرامي مفترض ارتُكب في الخارج» يُشتبه في أنه ألحق مساساً خطيراً بالسلامة الترابية لإسبانيا.
الرئيسي | وكالة EFE – فتح التحقيق الجنائي في أحداث سبتة
واستندت تاردون، ضمن العناصر التي دفعتها إلى فتح التحقيق، إلى تقرير أعده مركز الشرطة الوطنية الإسبانية للهجرة والحدود «CENIF»، والذي تضمن معطيات وصوراً مرتبطة بسلوك عناصر من قوات الأمن المغربية خلال الساعات التي شهدت عبور أعداد كبيرة من الأشخاص نحو سبتة.
وبحسب مضمون القرار الذي نشرته وسائل إعلام إسبانية، لم تتوقف القاضية عند فرضية «التساهل» أو ضعف التدخل لمنع العبور، بل اعتبرت أن بعض الصور والمعطيات التي يتضمنها تقرير الشرطة تسمح بالحديث عن مؤشرات على «توجيه نشط»، بعدما ظهر عناصر بزي أمني مغربي يقدمون إرشادات لأشخاص يتحركون في اتجاه الحدود ويساعدونهم، وفق توصيف القرار، على تجاوز بعض العوائق والوصول إلى المنطقة المؤدية إلى شاطئ الفنيدق والمياه المحاذية لسبتة.
وتضمن القرار أيضاً إشارات إلى تفاعل بين عناصر أمنية بزي رسمي وأشخاص تصفهم الوثائق الإسبانية بمحركي أو منشطي الحشود، مع اعتبار بعض هؤلاء حلقة محتملة ضمن مستويات التنظيم الميداني التي تريد المحكمة تحديد أصحابها وأدوارها.
غير أن هذا المعطى لا يساوي، من الناحية القانونية، إثبات أن السلطات المغربية خططت للعملية، وهو تفريق تكتسب أهميته من موقف مدير الشرطة الوطنية الإسبانية فرانسيسكو باردو، الذي أكد يوم 2 شتنبر أن المعطيات المتوفرة لا تسمح بإسناد التخطيط أو التنفيذ رسمياً إلى حكومة أو جهاز أو شخص بعينه، وأن هوية صاحب التخطيط الفكري للعملية لم تكن قد حُددت.
وكان MarocActu24 قد تابع هذا التباين قبل أيام، بعدما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البرلمان أن الدرك المغربي «سمح بعبور الحدود» خلال عشر ساعات مركزية من يوم 30 يوليوز، مع تشديده على أن التحقيق يجب أن يحدد ما إذا كان الأمر نتيجة عجز عن السيطرة أم عدم تدخل.
اقرأ أيضاً | سانشيز أمام البرلمان: الدرك المغربي سمح بالعبور 10 ساعات
أحداث سبتة بين «التوجيه النشط» وحدود المسؤولية القضائية
ترفع أحداث سبتة مستوى الحساسية القضائية بعدما قسمت القاضية مستويات المسؤولية المفترضة إلى حلقات تبدأ بالأشخاص الذين عبروا الحدود، ثم منشطي الدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والمنظمين الميدانيين، قبل الانتقال إلى مستوى التخطيط، وصولاً إلى من قد تكون لديهم، بحسب القرار، قدرة مرتفعة على التأثير في شبكات التواصل وعلى أشخاص مرتبطين بقوات الأمن المغربية أو جهات تملك الخبرة والقدرة اللازمة للمشاركة في التخطيط.
ولا يعني هذا التصنيف أن القضاء الإسباني حدد مسؤولين سياسيين مغاربة أو أثبت صدور أوامر حكومية بتنظيم العبور. التحقيق لا يزال في مرحلة البحث عن المسؤوليات، وبعض المستويات التي وضعتها القاضية ضمن خريطة البحث القضائي لم تُربط إلى الآن بأشخاص محددين.
وتبرز هذه الحدود بوضوح في قرار آخر داخل الملف نفسه، بعدما رفضت تاردون دخول حزب «Se Acabó La Fiesta» إلى القضية كاتهام شعبي على أساس الشكوى التي قدمها ضد الملك محمد السادس ومسؤولين مغاربة، والتي نسبت إليهم جرائم ضد الإنسانية.
واعتبرت القاضية أن تلك الاتهامات قُدمت دون تبرير أو تفسير كافيين، ووصفت اللجوء إلى المسطرة الجنائية بهذه الصيغة بأنه «توظيف سياسي»، وهو ما يؤكد أن فتح التحقيق الأساسي لا يعني تبني كل الاتهامات السياسية أو القضائية التي وُجهت إلى مسؤولين مغاربة منذ اندلاع الأزمة.
وبالمقابل، أبقت المحكمة الوطنية المسار الرئيسي للتحقيق مفتوحاً بعدما اعتبرت نفسها مختصة بالنظر في الملف، تماشياً مع موقف النيابة العامة، مع بحث مؤشرات محتملة على جرائم ضد سلام أو استقلال الدولة، وجرائم تتعلق بحقوق المواطنين الأجانب مرتبطة بالقتل غير العمد، فضلاً عن فرضية وجود تنظيم إجرامي.
وتذهب تاردون في قراءتها للوقائع إلى ما هو أبعد من توصيفها كأزمة هجرة، إذ تستحضر استعمال التدفقات البشرية ضمن أدوات ما يعرف بـ«المنطقة الرمادية» أو أشكال «الحرب الهجينة»، حيث يمكن أن تتداخل التحركات البشرية مع التعبئة الرقمية والتضليل أو الضغط المنظم لإرباك دولة ومؤسساتها.
وتستند القاضية أيضاً إلى تنبيه أمني مؤرخ في 29 يوليوز، أي قبل يوم واحد من بداية الدخول الجماعي، تحدث عن مستوى خطر مرتفع يتعلق بإمكانية تزامن محاولات دخول سباحة مع محاولات تجاوز السياج الحدودي، وهو ما يفتح مساراً موازياً داخل القضية يتعلق بمدى استعداد الأجهزة الإسبانية نفسها وطريقة تعاملها مع الإنذارات السابقة.
وتعزز المسار القضائي، الثلاثاء 8 شتنبر، بقرار جديد لتاردون يقضي بقبول مدينة سبتة نفسها طرفاً مدنياً متضرراً واتهاماً خاصاً في القضية، معتبرة أن صفة المتضرر متوفرة بالنظر إلى ما لحق المدينة وسكانها، بحسب القرار، من تأثير مباشر على حرياتهم وحقوقهم وسلامتهم وممتلكاتهم.
قرار دخول سبتة طرفاً متضرراً في القضية
وتزامن هذا التطور مع قرار مجلس الوزراء الإسباني، الثلاثاء 8 شتنبر، رفع السرية عن معلومات مرتبطة بالأزمة، بينها وثائق للمركز الوطني للاستخبارات «CNI» ومركز استخبارات القوات المسلحة «CIFAS»، تمهيداً لنشر نحو 40 وثيقة مؤرخة بين فاتح يوليوز وفاتح غشت 2026.
وأكدت الحكومة الإسبانية أن الوثائق ستتاح للعموم الأربعاء 9 شتنبر، فيما أوضحت مصادر إسبانية أن المواد تشمل ثلاث مذكرات للمخابرات الإسبانية وتقريراً للاستخبارات العسكرية ومعلومات مرتبطة باتصالات مع مندوبية الحكومة في سبتة ووحدة استخباراتية تابعة للحرس المدني.
المصدر الرسمي | رئاسة الحكومة الإسبانية – قرار رفع السرية عن معلومات سبتة
وتكتسب عملية النشر أهمية خاصة لأنها ستسمح بمقارنة المعلومات التي كانت متوفرة لدى أجهزة الدولة الإسبانية قبل أحداث سبتة وأثناءها مع الخلاصات التي توصل إليها تقرير CENIF والمعطيات التي اعتمدتها المحكمة الوطنية عند تقرير فتح التحقيق.
وكان MarocActu24 قد تابع انتقال الأزمة إلى المستوى البرلماني الإسباني، حيث خضع عدد من وزراء حكومة سانشيز للمساءلة بشأن التدبير الأمني والسياسي والإنساني للوقائع.
اقرأ أيضاً | أزمة سبتة تصل إلى البرلمان الإسباني.. وزراء سانشيز أمام المساءلة
وتضع التطورات الجديدة العلاقات المغربية الإسبانية أمام مستوى مختلف من الحساسية، لأن الملف لم يعد محصوراً في السجال السياسي حول ما إذا كانت السلطات المغربية عجزت عن وقف العبور أو امتنعت عن التدخل خلال جزء من الأحداث، بل أصبح موضوع تحقيق جنائي يبحث فرضيات التنظيم والتوجيه والتخطيط ومن كانت له القدرة الفعلية على التأثير في مسار العملية.
ولا يسمح قرار القاضية، قانونياً، بالقول إن الحكومة المغربية خططت أو أمرت بعملية العبور، كما لا توجد إلى حدود الثلاثاء 8 شتنبر 2026 إدانة قضائية لمسؤول مغربي على خلفية أحداث سبتة.
الجديد هو أن المحكمة الوطنية الإسبانية انتقلت من مرحلة تلقي التقارير والشكايات إلى فتح تحقيق جنائي رسمي، وأن القاضية اعتبرت بعض ما ورد في تقرير CENIF كافياً لتبرير مواصلة البحث في فرضية وجود تدبير مُسهِّل وتوجيه ميداني انطلاقاً من الجانب المغربي.
وبذلك تدخل أحداث سبتة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد السؤال القضائي مقتصراً على كيفية وصول عشرات الآلاف إلى الحدود خلال فترة زمنية متقاربة، بل أصبح يشمل من حرك التدفقات، ومن نظم جزءاً منها ميدانياً، وما إذا كان هناك مستوى أعلى من التخطيط والتوجيه، وهي أسئلة ستظل مفتوحة إلى أن تحدد التحقيقات المسؤوليات بالأدلة وتصدر بشأنها قرارات قضائية نهائية.
