ارتفاع ضغط الدم لدى مهنيي الصحة يعود إلى واجهة النقاش حول الموارد البشرية داخل المنظومة الصحية المغربية، بعدما سجلت دراسة علمية جديدة أن 20 في المائة من المهنيين المشاركين في عينة بجنوب المغرب أفادوا بإصابتهم بارتفاع ضغط الدم، رغم تسجيلهم سلوكيات صحية أفضل في بعض المؤشرات مقارنة بباقي المشاركين.
ونشرت مجلة BMC Public Health التابعة لمجموعة Springer Nature، الاثنين 7 شتنبر 2026، الدراسة تحت عنوان «مخاطر أمراض القلب والشرايين وعوامل نمط العيش لدى مهنيي الصحة والسكان في جنوب المغرب»، بعدما خضعت للمراجعة العلمية وقُبلت للنشر.
وتوضح المجلة أن النسخة المتاحة حالياً نسخة علمية مبكرة قابلة للاستشهاد وتحمل معرفاً رقمياً دائماً DOI، على أن تحل محلها لاحقاً النسخة النهائية بعد استكمال التعديلات التحريرية.
الدراسة الأصلية | BMC Public Health – Springer Nature
واعتمد الباحثون دراسة مقطعية تحليلية شملت ما مجموعه 263 مشاركاً من مهنيي الصحة ومن السكان بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، وجُمعت المعطيات بواسطة استبيانات منظمة وفحوص سريرية، قبل إخضاع المؤشرات الديموغرافية والسلوكية والسريرية للتحليل الإحصائي.
وأظهرت النتائج أن مهنيي الصحة المشاركين سجلوا، مقارنة بالمجموعة الأخرى، نسبة أقل من التدخين بلغت 25 في المائة مقابل 35 في المائة لدى السكان المشاركين، بينما بلغت نسبة ممارسة النشاط البدني 45 في المائة لدى مهنيي الصحة مقابل 30 في المائة لدى المجموعة المقارنة.
غير أن هذه المؤشرات لم تمنع ظهور عامل صحي لافت داخل الفئة المهنية، إذ أفاد 20 في المائة من مهنيي الصحة المشاركين بارتفاع ضغط الدم، ما دفع الباحثين إلى التشديد على الحاجة إلى تدخلات موجهة لهذه الفئة تراعي المخاطر المهنية والضغط المرتبط ببيئة العمل إلى جانب عوامل نمط العيش.
وسجلت الدراسة أيضاً ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين التدخين ومخاطر أمراض القلب والشرايين، بينما ارتبط النشاط البدني بانخفاض هذه المخاطر، وخلص الباحثون إلى أهمية تطوير برامج وقاية ومراقبة مخصصة لمهنيي الصحة، مع الاستفادة من التقنيات الرقمية في تتبع المؤشرات الصحية.
ارتفاع ضغط الدم لدى مهنيي الصحة يفتح ملف الموارد البشرية
لا تسمح طبيعة الدراسة بتحويل نسبة 20 في المائة إلى معدل يشمل جميع مهنيي الصحة بالمغرب، لأن البحث مقطعي ومحصور في عينة تضم مهنيين وسكاناً داخل جهتين فقط، كما لا تثبت نتائجه وجود علاقة سببية مباشرة بين ظروف العمل وارتفاع ضغط الدم لدى جميع العاملين في القطاع.
لكنها تقدم مؤشراً محلياً يستحق التتبع، خصوصاً أن ملف الموارد البشرية يوجد في قلب ورش إعادة هيكلة المنظومة الصحية، الذي يشمل إحداث المجموعات الصحية الترابية، وإعادة توزيع الأطر، وتنظيم الحركة الانتقالية، وتطوير أنظمة التحفيز والتكوين.
وكان MarocActu24 قد تابع في يونيو الماضي صدور إطار تنظيمي جديد للحركة الانتقالية لمهنيي الصحة، في سياق يسعى إلى التوفيق بين حاجات المناطق التي تعرف خصاصاً في الأطر وبين الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين داخل القطاع.
اقرأ أيضاً | مرسوم جديد للحركة الانتقالية في قطاع الصحة.. الحكومة تضبط تنقلات الأطر داخل المنظومة الصحية
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية عند مقارنته بآخر تقرير لحالة تنفيذ «برنامج إصلاح الصحة في المغرب» الصادر عن البنك الدولي، والمؤرشف بتاريخ 6 أبريل 2026، والذي سجل أن توزيع الموارد البشرية بين الجهات والأقاليم لا يزال غير متكافئ، وأن بعض الأقاليم لا تتوفر على أعداد كافية من الأطباء والممرضين والتقنيين الصحيين.
وحدد البرنامج هدفاً نهائياً يقضي بأن ترفع جميع المجموعات الصحية الترابية الواقعة داخل مجال البرنامج قدرتها من الموارد البشرية بنسبة 50 في المائة مقارنة بالفجوات المحددة سنة 2023، بما يسمح بتحسين التوزيع في الأقاليم التي تعاني خصاصاً، وذلك بحلول شتنبر 2028.
وتظهر جداول مؤشرات الصرف في التقرير أن المسار المرتبط بتفعيل الخدمة الصحية وتحديد حقوق مهنيي الصحة وتحسين جودة تقديم الخدمات كان مصنفاً Off-track وفق الوضع المرجعي المعروض بتاريخ 5 يناير 2026، فيما أشار البنك كذلك إلى عدم إعلان تفاصيل تنفيذ نظام التحفيز الخاص بمهنيي الصحة عند إعداد بيانات التقييم.
البنك الدولي | تقرير تنفيذ برنامج إصلاح الصحة بالمغرب – 6 أبريل 2026
ويعني ذلك أن النقاش حول الموارد البشرية في إصلاح الصحة لا يقتصر على عدد الأطباء والممرضين أو توزيعهم الجغرافي، بل يشمل أيضاً ظروف اشتغالهم وحالتهم الصحية وقدرتهم على الاستمرار داخل منظومة تشهد توسعاً في المسؤوليات وإعادة تنظيم واسعة للخدمات والهياكل.
وتتقاطع هذه المسألة مع تحديات أخرى مرتبطة برقمنة القطاع وتحسين أنظمة التتبع، بعدما أظهرت معطيات برنامج آخر ممول من البنك الإفريقي للتنمية استمرار بعض المكونات التقنية لنظام معلومات المستشفيات دون الإنجاز النهائي.
اقرأ أيضاً | 135 مليون وحدة حساب صُرفت.. و«نظام معلومات المستشفيات» ما يزال دون الإنجاز النهائي
وتبرز أهمية النتائج داخل الجهات الجنوبية بشكل خاص، بالنظر إلى الرهان على تقوية العرض الصحي وتعزيز جاذبية المناطق التي تواجه صعوبات في استقطاب الموارد البشرية والمحافظة عليها، بالتوازي مع تعميم المجموعات الصحية الترابية وتطوير بنيات الاستشفاء والرعاية الأولية.
ولا تقدم الدراسة حكماً على حصيلة الإصلاح الحكومي، كما لا تسمح معطياتها بالجزم بأن ضغط العمل تسبب مباشرة في ارتفاع ضغط الدم لدى المشاركين، لكنها تضع أمام صانع القرار مؤشراً إضافياً يتعلق بصحة الأشخاص المكلفين بتشغيل المنظومة نفسها.
لذلك لا ينبغي قراءة نسبة 20 في المائة باعتبارها إحصاءً وطنياً، بل باعتبارها إشارة علمية داخل عينة محددة تعيد طرح أسئلة الفحوص الطبية الدورية، والوقاية من المخاطر القلبية، ومراقبة الضغط المهني، والتحفيز والاستقرار الوظيفي لدى العاملين في المناطق التي تعرف ضغطاً أو خصاصاً.
ومع انتقال إصلاح الصحة إلى مرحلة تشغيل المجموعات الصحية الترابية وإعادة توزيع الموارد البشرية، يصبح ارتفاع ضغط الدم لدى مهنيي الصحة واحداً من المؤشرات التي تبرز ضرورة إدماج صحة العاملين أنفسهم ضمن تقييم جودة المنظومة، إلى جانب عدد المؤسسات المفتوحة والأسرة المضافة وحجم الموارد البشرية المتاحة للمواطنين.
