الكنبوري يهاجم أخنوش من بوابة تعد من أكثر ملفات ولايته حساسية: العلاقة بين المال والحكم، فبالنسبة إلى الباحث والكاتب إدريس الكنبوري، لا تكمن المشكلة في أن يصل رجل أعمال إلى رئاسة الحكومة من حيث المبدأ، وإنما في ما يمكن أن يحدث عندما تجتمع القوة الاقتصادية بسلطة القرار السياسي داخل بيئة لا توفر، بحسب قراءته، الضمانات الكافية للفصل الصارم بين المصالح الخاصة وتدبير الشأن العام.
وفي تدوينة شديدة اللهجة، اعتبر الكنبوري أن تجربة السنوات الخمس الماضية أظهرت ما وصفه بخطورة تولي رجال المال والأعمال قيادة الحكومة في الظروف المغربية الحالية، مؤكداً أن اعتراضه ليس على حق رجال الأعمال في ممارسة السياسة أو الوصول إلى المسؤولية، لأن حرمانهم من ذلك سيكون، حسب تعبيره، منافياً للديمقراطية.
لكن السؤال الذي يطرحه الكاتب يبدأ، في نظره، من مكان آخر: ماذا يحدث عندما يكون صاحب القرار السياسي نفسه جزءاً من منظومة اقتصادية واسعة، بينما يشعر المواطن بأن القانون والنفوذ والفرص لا تتحرك دائماً بالقواعد نفسها؟
جواب الكنبوري جاء قاطعاً: «في هذا الوضع يصبح تولي رجال المال والأعمال قيادة الحكومة افتراساً حقيقياً».
الكنبوري يهاجم أخنوش من بوابة المال والحكم
وحين يهاجم الكنبوري أخنوش من زاوية العلاقة بين الثروة والسلطة، فإنه لا يقف عند نقد نظري، بل أسقط قراءته مباشرة على تجربة حكومة عزيز أخنوش، وذهب إلى اعتبار ولايتها مرحلة «ساد فيها الافتراس أكثر من أي حكومة أخرى في تاريخ الحكومات»، وهي عبارة شديدة تبقى موقفاً سياسياً للكاتب وتقييماً شخصياً للحصيلة، وليست توصيفاً صادراً عن مؤسسة رقابية أو حكماً قضائياً.
واستحضر في هذا السياق الجدل حول الأموال العمومية الموجهة لدعم عدد من القطاعات، مستعملاً تعبير «الفراقشية» في وصف فئات قال إنها استفادت خلال هذه المرحلة، وربط ذلك بموجة الغلاء التي عاشها المغاربة وبأسعار المحروقات التي ظلت واحدة من أكثر الملفات إحراجاً للحكومة.
ويكتسب هذا الجزء من نقد الكنبوري ثقله من كون رئيس الحكومة مرتبطاً تاريخياً بمجموعة اقتصادية تنشط، ضمن قطاعات أخرى، في مجال المحروقات، وهو ما جعل ملف الفصل بين المصالح الاقتصادية وممارسة السلطة حاضراً باستمرار في خطاب خصوم أخنوش السياسيين.
وكان MarocActu24 قد تناول هذا النقاش في سياق هجوم سابق لعبد الإله بنكيران على أخنوش، مع الفصل بين الاتهامات السياسية وبين الوقائع المثبتة رسمياً.
اقرأ أيضاً | «260 مليار» والمحروقات.. بنكيران يهاجم أخنوش وثروته
غير أن الانتقال من مساءلة تضارب المصالح سياسياً إلى إثبات استفادة شخصية غير مشروعة يحتاج إلى أدلة رسمية.
ولا تتضمن المعطيات التي استند إليها الكنبوري في تدوينته حكماً قضائياً أو قراراً رقابياً يثبت أن عزيز أخنوش استفاد شخصياً من قرار حكومي بعينه بطريقة غير قانونية.
وينطبق الأمر نفسه على ملف المحروقات، فمجلس المنافسة أعلن رسمياً، في 23 نونبر 2023، المصادقة على اتفاقات صلح مع تسع شركات تنشط في أسواق تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين ومنظمتها المهنية، مقابل تسوية تصالحية إجمالية بلغت 1.840.410.426 درهماً، إضافة إلى التزامات مرتبطة باحترام قواعد المنافسة.
لكن بلاغ المجلس لا يمثل إدانة شخصية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، ولا يسمح وحده بتحويل الانتقادات السياسية الموجهة إليه إلى مسؤولية قضائية ثابتة.
المصدر الرسمي | مجلس المنافسة – ملف المحروقات
ويستعمل الكنبوري في تدوينته صورة أكثر حدة حين يصف الولاية الحكومية بـ«السنوات الخمس العجاف»، معتبراً أن المواطنين واجهوا خلالها ضغط الأسعار والتحولات الاجتماعية بينما مرت المرحلة، على حد تعبيره، «دون بلبلة ولا شوشرة ولا طقطقة»، قبل أن يقدم تفسيره السياسي لذلك في عبارة مختصرة: «من يملك كان يحكم».
هنا ينتقل نقد الكنبوري من حصيلة حكومة بعينها إلى سؤال بنيوي أوسع: هل تملك المؤسسات والقوانين أدوات كافية لمنع النفوذ الاقتصادي من التحول إلى نفوذ داخل القرار السياسي؟ وهل تكفي القواعد القانونية القائمة لإقناع المواطنين بأن المنافسة الاقتصادية والقرار العمومي منفصلان فعلاً عندما يصل رجال أعمال كبار إلى مواقع السلطة التنفيذية؟
المقارنة التي يعقدها الكاتب مع مرحلة قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة تدخل في السياق نفسه، فهو يرى أن الفارق لم يكن في السياسة فقط، وإنما في حجم الثروة والمصالح الاقتصادية التي يحملها الأشخاص الموجودون في قمة السلطة التنفيذية.
ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، يبرز عنوان «الكنبوري يهاجم أخنوش» داخل سجال أوسع حول المال والسلطة وتضارب المصالح، وهو الملف الذي عاد بقوة إلى الخطاب السياسي خلال الأيام الأخيرة.
اقرأ أيضاً | ابن كيران يحذر الناخبين ويهاجم أخنوش وملف المحروقات
ولا تعني المقارنة التي يقدمها الكنبوري أن الحكومات السابقة كانت بمنأى عن النقد أو المسؤولية السياسية، لكنها تكشف عن زاوية يريد الكاتب تثبيتها في النقاش الانتخابي الحالي: امتلاك السلطة الاقتصادية بالتزامن مع السلطة التنفيذية يضع صاحبهما، حتى في غياب مخالفة مثبتة، أمام مستوى أعلى من التدقيق والمساءلة بشأن تضارب المصالح وشفافية القرار العمومي.
ويختم الكنبوري هجومه بعبارة قصيرة ذات حمولة سياسية ثقيلة: «ما لكم كيف تحكمون؟».
ومع اقتراب الانتخابات، يعيد الجدل حول كون الكنبوري يهاجم أخنوش ملف المال والحكم إلى صدارة المواجهة السياسية للانتقال من سجال حول شخص عزيز أخنوش إلى سؤال انتخابي أوسع حول النموذج الذي يريده الناخب لرئاسة الحكومة، وحدود الجمع بين إدارة المصالح الاقتصادية الكبرى وقيادة السلطة التنفيذية.
وبهذا المعنى، حين يهاجم الكنبوري أخنوش فهو لا يقدم ملفاً قضائياً ضد رئيس الحكومة، وإنما يبني مرافعة سياسية تقول إن خمس سنوات من تجربة رجل الأعمال في رئاسة الجهاز التنفيذي أعادت، في نظره، طرح السؤال القديم نفسه بصورة أكثر إلحاحاً: أين ينتهي المال وأين يبدأ الحكم؟
