بقلم: مراد مجاهد
هناك أسئلة لا يحب أصحاب الشعارات أن تُطرح، ليس لأنها بلا جواب، وإنما لأن بعض الأجوبة قد تكون محرجة أكثر من السؤال نفسه.
ومن بين هذه الأسئلة اليوم: من يحارب التطبيقات فعلاً، ومن يحارب من أجل تقنينها؟ لأننا إذا تجاوزنا الضجيج، وتركنا جانباً مكبرات الصوت واللافتات ومقاطع الفيديو التي تصنع أبطالاً من ورق في دقائق، ثم نظرنا فقط إلى النتيجة التي يمكن أن تفضي إليها هذه الوقفات، سنجد أنفسنا أمام مفارقة تستحق التوقف طويلاً: قد تكون بعض الوقفات التي ترفع شعار إسقاط النقل عبر التطبيقات هي، من حيث لا يدري المشاركون فيها أو ربما من حيث يدري بعض منظميها، أفضل خدمة يمكن أن تقدم للتطبيقات نفسها.
وليس في الأمر لغز كبير؛ فحين يصبح الصراع دائماً، وحين تتحول المواجهة إلى مشهد يومي، وحين يصبح وجود هذه التطبيقات حقيقة اجتماعية واقتصادية يصعب تجاهلها، فإن الدولة تجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، أمام سؤال التنظيم بدل سؤال المنع.
وهنا بالضبط يجب أن نسأل: من الذي يدفع بهذا الاتجاه؟ ومن الذي سيستفيد من اللحظة التي تتحول فيها التطبيقات من واقع متنازع حوله إلى نشاط مقنن ومعترف به؟
وقد وصل النقاش حول الانتشار المتزايد لتطبيقات نقل الأشخاص إلى البرلمان، حيث وُجه إلى وزير الداخلية سؤال كتابي بتاريخ 9 يونيو 2026 حول وضع تقنين واضح لهذه الخدمات وضمان تكافؤ الفرص وحماية المستخدمين، وهو ما يؤكد أن سؤال الإطار القانوني أصبح مطروحاً مؤسساتياً، دون أن يعني ذلك أن قرار التقنين قد اتُّخذ بالفعل.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – الانتشار المتزايد لتطبيقات نقل الأشخاص والخدمات الرقمية
ولنفترض جدلاً أن الغاية فعلاً هي القضاء على التطبيقات، فليكن المطلب واضحاً: تطبيق القانون، مراقبة المخالفين، محاربة النقل غير المرخص، وإنهاء حالة الفوضى.
أما أن تبقى الوقفات تدور حول التطبيقات نفسها، وأن يستمر الصدام، وأن تتكرر المشاهد، وأن يتحول الموضوع إلى أزمة مفتوحة، ثم ننتظر في النهاية أن تتدخل الدولة لإيجاد حل تشريعي وتنظيمي، فهنا يصبح من حقنا أن نقول إن النتيجة قد تكون عكس الشعار تماماً.
لأنك حين تدفع الدولة إلى البحث عن حل لمشكل أصبح مستعصياً، فإنك تدفعها بالضرورة إلى التفكير في التقنين والتنظيم وإدماج الواقع الجديد داخل المنظومة القانونية. وهنا لا تعود القضية: هل نريد التطبيقات أم لا نريدها؟ بل تصبح: كيف نقننها؟ وتحت أي شروط؟ ومن يراقبها؟ ومن يمنحها الحق في الاشتغال؟ وعند تلك اللحظة يكون السؤال الذي يجب أن يطرح على المهنيين: ماذا لو كانت بعض هذه الوقفات لا تحاصر التطبيقات، وإنما تحاصر الدولة نفسها حتى تجد نفسها مضطرة إلى تقنينها؟
والأخطر من ذلك أن بعض المهنيين قد يستيقظون غداً على واقع لم يكن في حسبانهم. اليوم يقولون لهم: التطبيقات عدو، وغداً قد تصبح التطبيقات قانونية، وبعد غد قد لا يبقى الأمر مجرد زبون يفتح هاتفه، يطلب سيارة، ينتظرها ثم ينتهي الأمر.
قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها هذا النوع من النقل جزءاً من المشهد الحضري المنظم، يبحث عن الزبون وفق القواعد التي يسمح بها القانون، ويتوسع حضوره داخل السوق وفق إطار تنظيمي محدد.
وهنا لا أقول إن التجربة الفرنسية تعني أن سيارات VTC ستتحول إلى سيارات أجرة، فهذا غير صحيح؛ فرنسا نفسها تميز قانونياً بين التاكسي وVTC، وتحصر حق التقاط الزبون مباشرة من الطريق في سيارات الأجرة، بينما تفرض على VTC الحجز المسبق، كما تمنعه من التوقف أو التجول بحثاً عن الزبناء وتضع قيوداً خاصة حول المحطات والمطارات.
المصدر الرسمي | وزارة النقل الفرنسية – القواعد المنظمة للتاكسي وVTC
لكن التجربة الفرنسية تقدم لنا شيئاً أهم: إنها تثبت أن الدولة تستطيع في النهاية أن تنتقل من مرحلة الصراع مع هذا النمط من النقل إلى مرحلة تنظيمه بقواعد خاصة به، مع إبقاء امتيازات معينة للتاكسي.
وهذا بالضبط هو السيناريو الذي يجب أن يخشاه المهني إذا دخل هذه المعركة بعقلية الشعارات فقط، ولم يسأل عن شكل السوق الذي سيستيقظ عليه غداً.
فقد يأتي اليوم الذي لا يكتفي فيه سائق السيارة العاملة بالتطبيق بانتظار الطلب على هاتفه، بل يصبح له إطار مهني وقواعد معروفة وشروط اشتغال محددة قانوناً.
وعندها سيكتشف السائق الذي خرج اليوم يهتف ضد التطبيقات أن المعركة لم تنته بإخراجها من السوق، وإنما انتهت بإدخالها إليه من الباب القانوني.
ولن يكون السؤال يومها: لماذا توجد التطبيقات؟ فهذا السؤال سيكون قد فات أوانه؛ سيكون السؤال: من سمح لها بالدخول؟ وبأي شروط؟ ومن تفاوض باسم المهنيين؟ ومن حدد قواعد اللعبة؟ ومن ضمن ألا يتحول التقنين إلى إعادة توزيع للسوق على حساب من قضى سنوات عمره داخل المهنة؟
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها أخطر من كل الشعارات: إذا كانت هذه الوقفات تؤدي في نهاية المطاف إلى جعل التقنين هو الحل الوحيد المطروح، فإنها تخدم التطبيقات أكثر مما تضرها.
نعم، أقولها بهذه الصراحة، مع كامل الاحترام لحق أي مهني في الاحتجاج، ومع كامل التحفظ عن اتهام أي شخص بعينه.
لأنني لا أقول إن منظمي الوقفات يريدون تقنين التطبيقات، ولا أقول إنهم يتآمرون عليها، ولا أملك دليلاً يسمح لي بذلك. لكنني أقول شيئاً أبسط وأقسى: النتيجة المحتملة لهذه المعركة قد تخدم الطرف الذي تقول الشعارات إنها تحاربه.
وهذا هو الفرق بين قراءة النوايا وقراءة النتائج. أنا لا أحتاج إلى معرفة ما يوجد داخل رأس أي منظم أو نقابي أو مؤثر.
يكفيني أن أسأل: إلى أين تقودنا هذه المعركة؟ إذا كانت تقود إلى استمرار الفوضى، واستمرار الاحتكاك، واستمرار الأزمة، ثم إلى تدخل الدولة من أجل وضع إطار قانوني للتطبيقات، فمن المستفيد؟ وإذا كانت ستنتهي إلى اعتراف رسمي بهذا النشاط، فمن الذي يكون قد ساهم، شاء أم أبى، في تعبيد الطريق أمامه؟
ثم هناك سؤال آخر أكثر إحراجاً: لماذا لا نسمع دائماً المطالبة الصريحة بإصلاح سيارة الأجرة نفسها؟ لماذا لا يكون شعار المعركة هو: رقمنة القطاع، توحيد شروط الاستغلال، محاربة الريع، إنهاء تعدد الاستغلال، حماية السائق، تحسين الخدمة، فرض شروط عادلة على الجميع، ثم بعد ذلك مواجهة كل منافس بالقانون؟ لماذا نختزل أزمة قطاع عمره عقود في سيارة خاصة تحمل زبوناً حجزها عبر هاتفه؟ لماذا نتصرف وكأن التطبيقات هي التي خلقت كل مشاكل سيارات الأجرة، بينما يعرف كل مهني أن القطاع كان يعاني من الاختلالات والريع والوسطاء وسوء التنظيم قبل أن يسمع المغاربة أصلاً بكلمة تطبيق؟
وهذا النقاش حول إصلاح نموذج سيارات الأجرة وصل بدوره إلى البرلمان، إذ طرح سؤال كتابي حول نظام «الكريمة» و«الروسيطا» والرخص المهنية وعلاقة ذلك ببروز التطبيقات الرقمية للنقل.
وهي مطالب وملاحظات واردة في السؤال البرلماني وليست أحكاماً قضائية أو معطيات رسمية نهائية بشأن جميع العاملين في القطاع.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – النقل الحضري والعمل بنظام الكريمة
وهنا تحديداً يصبح الأمر أخطر: أن يتحول التطبيق إلى شماعة نعلق عليها كل فشل القطاع، وأن يتحول بعض المتصدرين للمشهد إلى أبطال لأنهم وجدوا عدواً سهلاً يصرخون في وجهه، بينما تظل الأسئلة الحقيقية معلقة: أين إصلاح القطاع؟ أين حماية السائق؟ أين إنهاء الريع؟ أين تنظيم الاستغلال؟ أين الرقمنة؟ أين توحيد القواعد؟ وأين النقاش الحقيقي حول مستقبل النقل الحضري في المغرب؟
وسبق لـMarocActu24 أن طرح بدوره سؤال مراقبة قطاع سيارات الأجرة وتطبيق القواعد على الجميع، ضمن مقال تناول ملف سيارات الأجرة بفاس ودور المؤسسات المختصة في التحقق والمراقبة.
اقرأ أيضاً | سيارات الأجرة بفاس 2026.. متى يتحرك القانون أمام هذه المعطيات؟
أما الحديث عن أن بعض الوجوه التي تتصدر محاربة التطبيقات، فهذا موضوع آخر لا يجوز أن يتحول إلى اتهامات مجانية.
تقنين النقل عبر التطبيقات.. من المنع إلى التنظيم
هناك كلام وشهادات متداولة بين مهنيين، وهناك من يقول إن بعض من يظهرون أمام الكاميرات باعتبارهم أشد المحاربين للتطبيقات يستعملونها في حياتهم اليومية.
إذا كان الأمر مجرد إشاعة، فليُنفَ بالأفعال. وإذا كان هناك تضارب مصالح مثبت، فليُكشف بالدليل. فالذي يريد أن يقود معركة باسم آلاف المهنيين عليه أن يكون أول من يقبل أن تسأل الجماهير: هل أنت جزء من المشكلة؟ هل تستعمل ما تحاربه؟ هل لك مصلحة في بقائه؟ هل تريد إسقاط التطبيقات فعلاً أم تريد فقط أن تدخلها إلى السوق بشروط تخدمك أنت ومن معك؟
لأن أخطر شيء في هذه القصة ليس أن تكون هناك تطبيقات، ولا أن تكون هناك سيارات أجرة، ولا حتى أن تختلف المصالح بين الطرفين.
الأخطر أن يتحول المهني البسيط إلى وقود لمعركة لا يعرف نهايتها، وأن يخرج إلى الشارع معتقداً أنه يحمي مهنته، بينما تكون النتيجة النهائية هي بناء إطار قانوني جديد لمنافس كان بالأمس خارج الإطار المنظم.
وعندها لن تنفعه اللافتات القديمة، ولن تنفعه فيديوهات البطولة، ولن يستطيع أن يسأل: كيف حدث هذا؟ لأن الجواب سيكون أمامه: حدث يوم تحولت المعركة من تطبيق القانون إلى مطاردة التطبيقات، ومن إصلاح القطاع إلى صناعة عدو، ومن الدفاع عن مستقبل المهنة إلى الضغط على الدولة حتى تجد حلاً لمشكلة أصبحت أكبر من أن تُترك بلا تنظيم.
والتجارب المهنية في قطاع النقل نفسه تظهر أن القرارات التنظيمية الكبرى يمكن أن تتحول سريعاً إلى مصدر احتقان عندما يشعر المهنيون بأنهم لم يشاركوا بما يكفي في صياغتها، كما حدث في الجدل الذي واكب مشروع ترحيل محطة باب دكالة بمراكش نحو العزوزية.
اقرأ أيضاً | مراكش.. ترحيل محطة باب دكالة إلى العزوزية يشعل غضب مهنيي النقل
لذلك، وبكل هدوء، أقول للمهنيين: لا تصدقوا كل من يرفع شعاراً باسمكم، ولا تجعلوا ارتفاع الصوت دليلاً على صحة الاتجاه.
اسألوا فقط عن المآل، فإذا كانت الوقفة التي قيل لكم إنها جاءت لمحاربة التطبيقات ستنتهي إلى تقنينها، وإذا كان الاحتجاج الذي قيل لكم إنه جاء لحماية سيارات الأجرة سينتهي إلى فتح السوق أمام منافس جديد، وإذا كان الذين يقودون المعركة يرفضون أن يشرحوا لكم ماذا يريدون في اليوم التالي للانتصار، فربما يكون السؤال الحقيقي ليس: كيف نحارب التطبيقات؟ وإنما: من يريد أن يجعلنا نحاربها بالطريقة التي تخدمها؟
وعندها فقط نفهم أن أخطر معركة ليست تلك التي ترى فيها عدوك أمامك، وإنما تلك التي تكتشف فيها، بعد فوات الأوان، أنك كنت تدفعه بيدك نحو الباب الذي كنت تظن أنك تغلقه في وجهه.


