وضع تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 المشهد الإعلامي المغربي أمام معطى مقلق، بعدما أشار إلى أن مستوى الثقة في الأخبار داخل المغرب لا يتجاوز 28 في المائة، في سياق يعرف تحولات متسارعة في طرق تلقي الأخبار ومصادرها.
وتفيد المعطيات المنشورة بأن المشهد الإعلامي في المغرب يتشكل بشكل متزايد بفعل المنصات الرقمية، ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، وصناع المحتوى، في مقابل استمرار تراجع الثقة في الأخبار التقليدية وتوسع حضور شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر يومي للمعلومة.
ولا يتعلق الأمر برقم معزول، بل بمؤشر يعكس تحولات عميقة في علاقة الجمهور المغربي بالإعلام. فالمواطن لم يعد يكتفي بالنشرات والمواقع الإخبارية، بل أصبح يتنقل بين منصات متعددة، ويقارن بين روايات مختلفة، ويستهلك الأخبار في شكل مقاطع قصيرة وتعليقات مباشرة ومحتوى بصري سريع الانتشار.
هذا التحول يمنح الجمهور هامشاً أوسع للوصول إلى المعلومة، لكنه يطرح في المقابل تحديات كبيرة تتعلق بالتحقق، ومصداقية المصادر، وانتشار الأخبار غير الدقيقة، وصعوبة التمييز بين الخبر والرأي والتأثير الشخصي لصناع المحتوى.
وتكتسي نتائج التقرير أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات الإعلامية المغربية، لأنها تضعها أمام سؤال الثقة قبل سؤال الانتشار. فالترافيك وحده لم يعد كافياً لبناء علاقة متينة مع القارئ، إذا لم يكن مصحوباً بالدقة، والوضوح، والاعتراف بالأخطاء، والتمييز بين المعطيات المؤكدة والتقديرات أو المواقف.
كما يبرز التقرير الحاجة إلى تطوير نموذج صحفي أكثر قرباً من الجمهور، دون السقوط في الإثارة أو التسرع. فالقارئ المغربي يبحث عن خبر واضح، موثق، وسهل الفهم، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر حساسية تجاه العناوين المبالغ فيها والمضامين التي لا تضيف قيمة حقيقية.
ويفتح هذا المعطى نقاشاً واسعاً حول مستقبل الصحافة المهنية في المغرب، خاصة في ظل المنافسة القوية التي تفرضها المنصات الرقمية، حيث يستطيع صانع محتوى واحد الوصول إلى جمهور واسع بسرعة أكبر من مؤسسة إعلامية تقليدية.
ومع ذلك، تظل الحاجة إلى الإعلام المهني قائمة، بل أكثر إلحاحاً، لأن وفرة المحتوى لا تعني وفرة المعلومة الدقيقة. ولذلك فإن استعادة الثقة تمر عبر الاستثمار في التحرير الجيد، والتحقق من المصادر، واحترام القارئ، وتقديم أخبار ذات قيمة عمومية واضحة.


