سوق الكتاب المدرسي بالمغرب يعود إلى الواجهة في 7 شتنبر 2026، بعد 17 سنة بالضبط على رأي رسمي لمجلس المنافسة نبه إلى اختلالات في بنيته، وثلاث سنوات على تشخيص أحدث وصف السوق بأنها شديدة التركيز ومغلقة في مرحلتها القبلية، ومتحدثاً عن «وضعيات ريع حقيقية» استفاد منها ناشرون ظلوا داخل المنظومة لسنوات طويلة.
وتأتي هذه الذكرى بالتزامن مع الانطلاقة الفعلية للموسم الدراسي 2026-2027، حيث تعود الأسر إلى المكتبات واقتناء المقررات والدفاتر واللوازم، بينما تطرح الوثائق الرسمية سؤالاً أبعد من أسعار الدخول المدرسي: ماذا تغير فعلياً في سوق سبق لأعلى مؤسسة دستورية مختصة بالمنافسة أن شخصت اختلالاتها مرتين؟
ففي 7 شتنبر 2009، أصدر مجلس المنافسة رأيه رقم 5/2009 بشأن وضعية المنافسة في قطاع الكتاب المدرسي، بعد إحالة مرتبطة بتقرير أنجز حول السوق، وسجل وجود روابط قانونية واقتصادية أفقية وعمودية بين دور نشر ومطابع ومكتبات شاركت في طلبات العروض الخاصة بتصميم وإنتاج المقررات.
وسجل المجلس آنذاك أن معظم دور النشر والمطابع والمكتبات المعنية كانت تُسير من الأشخاص أنفسهم أو تعود إلى أشخاص تجمعهم علاقات تجارية وأحياناً عائلية، موضحاً أن هذه الروابط ليست محظورة في حد ذاتها بموجب قانون المنافسة، لكنها قد تؤثر سلباً في استقلالية العروض وتخلق صورة مضللة عن تعددها واستقلاليتها.
المصدر الرسمي | التقرير السنوي لمجلس المنافسة لسنة 2009 – الرأي رقم 5/2009
وبعد أكثر من عقد، عاد مجلس المنافسة إلى سوق الكتاب المدرسي بمبادرة منه. ويحمل نص الرأي رقم ر/2/23 تاريخ 31 غشت 2023، بعدما عُرض مشروع الرأي خلال اجتماع للمجلس في 27 يوليوز ثم جرت المداولة النهائية في 31 غشت، وهي نقطة مهمة لتدقيق التاريخ المنشور بشأن هذا الملف.
ولم يقدم الرأي الجديد صورة توحي بزوال الإشكالات القديمة، بل اعتبر أن مستوى تركيز السوق بقي مرتفعاً رغم العدد الظاهر لدور النشر، وأشار إلى أن الاستنتاجات التي سجلها المجلس سنة 2009 «من المرجح للغاية» أنها لم تتغير كثيراً.
المصدر الرسمي | رأي مجلس المنافسة رقم ر/2/23 حول سير المنافسة في سوق الكتاب المدرسي
سوق الكتاب المدرسي.. 30 مليون نسخة و«وضعيات ريع حقيقية»
الأرقام التي يتضمنها رأي مجلس المنافسة تكشف الحجم الاقتصادي للقطاع، إذ قدر الإنتاج السنوي بما بين 25 و30 مليون نسخة من الكتب والكراسات المدرسية، بمعدل يتراوح بين ثلاثة وأربعة كتب في المتوسط لكل تلميذ في السنة.
والأكثر إثارة للانتباه أن المجلس وصف جزءاً من هذا الإنتاج بأنه مبرمج ومصمم «لاستخدامه لمرة واحدة فقط»، معتبراً أن هذا النموذج يؤدي إلى هدر كبير للموارد والمواد والطاقة.
وهذا المعطى لا يبقى تقنياً بالنسبة إلى الأسر، لأن المقرر الذي يقوم التلميذ بملء تمارينه وخاناته مباشرة يصبح، في حالات كثيرة، غير قابل لإعادة الاستعمال من طرف أخ أو أخت في الموسم التالي، ما يقلص كذلك فرص إعادة بيعه أو تداوله في سوق الكتب المستعملة.
وتتزامن هذه المعطيات التاريخية مع دخول مدرسي يعرف بدوره نقاشاً حول توفر بعض المقررات. وكان MarocActu24 قد تابع قبل أيام ملف كتب مدارس الريادة، بعدما أعلنت الوزارة طباعة 3.96 ملايين نسخة في مقابل حديث مهنيين عن صعوبات مرتبطة بوصول بعض العناوين إلى نقاط البيع.
ولا ينبغي الخلط بين الرقمين، لأن 3.96 ملايين نسخة يتعلق بمطبوعات محددة موجهة إلى مستويات مدارس الريادة خلال الموسم الحالي، بينما يمثل رقم 25 إلى 30 مليوناً تقدير مجلس المنافسة للإنتاج السنوي الإجمالي للكتاب المدرسي وفق المعطيات التي اعتمدها في رأي 2023.
اقرأ أيضاً | قبل 5 أيام من الدراسة.. الكتبيون يحذرون من خصاص كتب مدارس الريادة والوزارة تعلن طباعة 3.96 ملايين نسخة
ويحدد مجلس المنافسة كذلك طبيعة الطلب داخل سوق الكتاب المدرسي، إذ سجل أن مصالح وزارة التربية الوطنية، ولا سيما الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، تحدد الكتب المطلوب اقتناؤها ودور النشر المعنية بها عند كل دخول مدرسي، بينما يتحمل أولياء التلاميذ مسؤولية شراء الكتب المحددة.
وتكشف بنية العرض، بحسب الوثيقة نفسها، أن التعدد الظاهر لدور النشر لا يعني بالضرورة توزيعاً متوازناً للسوق، إذ تستحوذ مجموعات الناشرين الأربع الأولى على أكثر من 53 في المائة، وترتفع الحصة التراكمية إلى 63 في المائة عند إضافة المجموعة الخامسة.
وخلص المجلس من هذه الأرقام إلى أن سوق الكتاب المدرسي تتسم بتركيز مرتفع، إلى جانب تركيز جغرافي قوي في الدار البيضاء وبدرجة أقل في الرباط.
لكن النقطة الأكثر حساسية جاءت عند دراسة طريقة فتح السوق أمام المنافسة، إذ أوضح المجلس أن العرض الحالي للكتب الرسمية نتج أساساً عن طلبات المنافسة التي أطلقت بين 2002 و2008، وأن الوزارة لم تطلق بعد ذلك طلبات منافسة جديدة بالنسبة إلى المستويات والمواد المرتبطة بهذه المقررات، باستثناء تعديلات محدودة في المحتوى.
ورغم أن دفتر التحملات كان يحدد في الأصل مدة حياة المقرر المدرسي في ثلاث سنوات، سجل المجلس أن هذه القاعدة لم تطبق فعلياً، وأن الوزارة لجأت إلى تمديدات سنوية للمقررات الموجودة بدل إعادة فتح المنافسة على نطاق واسع.
واعتبر مجلس المنافسة أن هذا الوضع شكل نوعاً من «الريع المقنّع» أدى إلى استمرار الناشرين أنفسهم داخل سوق الكتاب المدرسي، قبل أن يكون توصيفه أكثر وضوحاً في خلاصاته النهائية، حيث اعتبر السوق «مغلقة تماماً» في مرحلتها القبلية وتفضي إلى خلق «وضعيات ريع حقيقية» اكتسبها الناشرون أنفسهم المعتمدون منذ سنوات طويلة، مع بقاء حصصهم السوقية شبه مستقرة.
ولا يتعلق الأمر بسوق محدودة من حيث القيمة، إذ قدر الرأي رقم معاملات سوق الكتاب المدرسي بنحو 400 مليون درهم سنوياً، وفق معطيات الجمعية المغربية للناشرين التي استند إليها المجلس، مقابل نحو 800 مليون درهم لسوق النشر إجمالاً.
ويحتاج هذا الرقم إلى وضعه في سياقه؛ فهو تقدير وارد في رأي مجلس المنافسة المنشور سنة 2023 استناداً إلى البيانات التي جمعها أثناء إعداد الدراسة، ولا يمثل بالضرورة رقم معاملات محيناً لسوق الكتاب المدرسي خلال سنة 2026.
ومع بداية الموسم الدراسي، لا تقف الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالمدرسة عند الكتب وحدها، إذ سبق لـMarocActu24 أن تابع ملف نحو 30 ألف أسرة تنتظر حسم برنامج دعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، في مؤشر إضافي على حجم الأعباء التي تتقاطع عند بداية كل موسم دراسي.
اقرأ أيضاً | قبل الدخول المدرسي.. 30 ألف أسرة و10 آلاف مهني ينتظرون حسم دعم تمدرس الأطفال ذوي الإعاقة
وتطرح هذه الخلاصات سؤالاً مباشراً حول مآل تدخل مجلس المنافسة نفسه. فالمجلس مؤسسة دستورية مستقلة تتوفر، وفق الإطار القانوني المنظم لها، على اختصاصات استشارية وتقريرية، وتتوفر مصالحه على صلاحيات البحث والتحقيق في الممارسات المحتمل أن تكون منافية لقواعد المنافسة.
المصدر الرسمي | مهام واختصاصات مجلس المنافسة
غير أن رأي 2023 بشأن سوق الكتاب المدرسي مصنف رسمياً ضمن «الآراء الاستشارية»، ولا يظهر ضمن المواد المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس، إلى حدود 7 شتنبر 2026، قرار زجري لاحق خاص بهذه السوق. بل إن المجلس عاد في أبريل 2025 إلى نشر عرض لنتائج الرأي نفسه، دون أن يمثل ذلك في حد ذاته قراراً بعقوبة أو إثباتاً لممارسة منافية للمنافسة.
وهنا يجب الفصل قانونياً بين الأمرين؛ فتوصيف السوق بالتركيز أو وجود «وضعيات ريع» في دراسة قطاعية لا يعني تلقائياً ثبوت اتفاق محظور أو إساءة استغلال وضع مهيمن تستوجب الجزاء، لأن الانتقال إلى العقوبات يفترض تحديد ممارسات بعينها وإجراء تحقيق وفق المسطرة التواجهية وضمان حقوق الدفاع.
لكن هذا التمييز لا يلغي السؤال المرتبط بالنتائج العملية للتشخيص، خصوصاً أن المجلس نفسه أظهر في ملفات وأسواق أخرى قدرته على اتخاذ المبادرة وفتح التحقيق وتبليغ المؤاخذات عندما تتوفر حجج وقرائن بشأن ممارسات محتملة منافية للمنافسة.
وبعد 17 سنة بالضبط على رأي 7 شتنبر 2009، وثلاث سنوات على الرأي الجديد، يعود سوق الكتاب المدرسي إلى الواجهة بسؤال لم يعد يتعلق بالتشخيص وحده: ماذا تغير فعلياً في سوق قال مجلس المنافسة إنها مركزة، ومغلقة في مرحلتها القبلية، وإنها أنتجت «وضعيات ريع حقيقية»؟
أما بالنسبة إلى الأسر، فالمعادلة أبسط بكثير من النقاش القانوني والاقتصادي، لأن الدخول المدرسي يعني كل شتنبر لائحة جديدة من المقررات والمصاريف، بينما تظل ملايين النسخ، وفق تشخيص مجلس المنافسة نفسه، مصممة للاستهلاك في موسم واحد.
وبعد 17 سنة من أول إنذار رسمي، يبقى السؤال مفتوحاً: كم رأياً يحتاج سوق الكتاب المدرسي قبل أن يتحول تشخيص الاختلالات إلى تغيير ملموس في بنية السوق وفي الكلفة التي يتحملها المواطن؟


