يكشف خطاب التجارة الخارجية اليوم عن مفارقة مغربية واضحة: بلد صار قادراً على تصدير مليون سيارة سنوياً، ورفع نسبة الإدماج المحلي في صناعة السيارات إلى حوالي 70 في المائة، لكنه ما زال يواجه سؤالاً ثقيلاً حول العجز التجاري، ضيق الأسواق، وتمركز الصادرات في قطاعات وجهات محددة.
تصريحات كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، خلال برنامج “لقاء مع الصحافة”، تضع الإصبع على هذه المفارقة. فالمغرب، حسب المعطيات التي قدمها، لم يعد بلداً يصدر الفوسفاط فقط، بل وسع عرضه التصديري نحو السيارات، أجزاء الطائرات، النسيج، الجلد، الصناعات الغذائية، والإلكترونيات.
هذا التحول مهم ولا يمكن التقليل منه. فقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً، مستفيداً من مناطق صناعية، بنية مينائية، اتفاقيات تبادل حر، واستقرار سياسي جعل المملكة منصة جاذبة لعدد من الاستثمارات.
غير أن قوة الصناعة لا تلغي هشاشة التمركز. فحوالي 70 في المائة من الصادرات المغربية تتجه نحو السوق الأوروبية، مع حضور بارز لفرنسا وإسبانيا. وهذا يعني أن أي تباطؤ اقتصادي أو تغيير تنظيمي أو توتر تجاري في أوروبا يمكن أن ينعكس مباشرة على الميزان التجاري المغربي.
كما أن الصادرات المغربية تتمركز في ستة قطاعات رئيسية، هي صناعة السيارات، الفوسفاط، الفلاحة، النسيج والملابس، صناعة الطائرات، والإلكترونيات والكهرباء. ورغم أهمية هذه القطاعات، فإنها تطرح سؤال التنويع الحقيقي: هل يكفي المغرب أن يكون قوياً في قطاعات محددة، أم يحتاج إلى موجة صناعية جديدة أوسع وأكثر ابتكاراً؟.
الأمر لا يتعلق بالقطاعات فقط، بل بالجهات أيضاً. فحسب التصريحات نفسها، فإن 80 في المائة من الصادرات تصدر من جهات محددة تمتد بين طنجة والجديدة، بينما تسجل جهات أخرى أرقاماً متواضعة. وهذا يعني أن ثمار التصدير لا تتوزع ترابياً بالشكل نفسه.
هنا يصبح التصدير قضية تنمية جهوية، وليس مجرد أرقام في الميزان التجاري. فإذا بقيت القدرة التصديرية محصورة في شريط اقتصادي محدود، فإن الفوارق بين الجهات ستظل قائمة، حتى لو ارتفعت مؤشرات الصناعة على المستوى الوطني.
المقاولات الصغيرة والتعاونيات بدورها توجد أمام عتبة صعبة. فالتصدير ظل لفترة طويلة حكراً على المقاولات الكبرى، في حين تصطدم الوحدات الصغيرة بحواجز تتعلق بالتسويق، الجودة، التمويل، اللوجستيك، والمعرفة بالأسواق الخارجية.
لذلك تبدو الإشارة إلى القدرة الصناعية غير المستغلة، المقدرة بـ120 مليار درهم على مستوى الأسواق العالمية، مع إمكانية توجيه 12 مليار درهم منها نحو إفريقيا، معطى يستحق التوقف. فالمشكل، كما يظهر من التصريحات، ليس دائماً في غياب المنتج، بل في ضعف التسويق والولوج المنظم إلى الأسواق.
الرهان الإفريقي يبرز هنا كخيار استراتيجي. فإحداث آلية تأمين إضافية للتصدير نحو 15 دولة إفريقية يمكن أن يشجع المقاولات المغربية على دخول أسواق جديدة وتقليص المخاطر. لكن هذا التوجه يحتاج إلى ما هو أكثر من النوايا: يحتاج إلى مواكبة ميدانية، تمويل مناسب، معلومات دقيقة عن الأسواق، وحضور تجاري مغربي أقوى.
أما العجز التجاري، فلا يمكن اختزاله في فشل اقتصادي مباشر. جزء منه يرتبط بالأوراش الكبرى، واستيراد التجهيزات ومستلزمات الإنتاج، وتقلبات أسعار البترول، وتداعيات الجفاف. لكن استمرار العجز يفرض في المقابل سؤال القيمة المضافة: هل ينتج المغرب ما يكفي مما يستهلك؟ وهل يصدر ما يكفي مما ينتج؟.
قوة المغرب الصناعية صارت حقيقة قابلة للقياس، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من منطق “النجاح القطاعي” إلى منطق “السيادة الإنتاجية المتوازنة”. أي صناعة أكثر تنوعاً، صادرات أقل ارتهاناً لأوروبا، جهات أكثر حضوراً في التصدير، ومقاولات صغيرة قادرة على الخروج من السوق المحلية نحو العالم.
التجارة الخارجية ليست واجهة اقتصادية فقط، بل مرآة لنموذج التنمية. وكلما اتسعت قاعدة المنتجين والمصدرين، وكلما توزعت فرص التصدير بين الجهات والقطاعات، أصبح النمو أقل هشاشة وأكثر عدلاً.
