عاد ملف الهيدروجين الأخضر إلى واجهة التعاون الاقتصادي بين المغرب وإسبانيا، بعدما احتضنت الدار البيضاء لقاءً تجارياً نظمته وكالة Andalucía Trade، خُصص لاستكشاف فرص الشراكة والاستثمار في واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بمستقبل الطاقة والصناعة النظيفة.
اللقاء، الذي نُظم بتعاون مع غرفة التجارة الإسبانية في الدار البيضاء وCluster Andaluz del Hidrógeno، عرف مشاركة خمس شركات أندلسية متخصصة في مجالات مختلفة من سلسلة قيمة الهيدروجين الأخضر، في مؤشر جديد على تنامي الاهتمام الإسباني بالسوق المغربية وبموقع المملكة داخل التحول الطاقي المتوسطي.
وحسب المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام إسبانية، فقد شهدت هذه المبادرة تنظيم 61 اجتماعاً ثنائياً بين شركات أندلسية ومؤسسات وفاعلين مغاربة، بهدف بحث فرص التعاون، وتطوير مشاريع مشتركة، وفتح قنوات عملية بين الضفتين في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الصناعية.
ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل العروض، بل تحول إلى منصة تقنية واقتصادية ناقشت وضعية سوق الهيدروجين الأخضر في المغرب، والإطار الاستراتيجي الوطني، والبنيات التحتية الطاقية، وإدماج الطاقات المتجددة، إلى جانب تقديم مشاريع وتطبيقات مرتبطة بتقنيات Power-to-X.
وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يسعى إلى تثبيت موقعه كمنصة إقليمية واعدة في مجال الطاقة النظيفة، مستفيداً من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، ومن مؤهلاته الكبيرة في الطاقات الشمسية والريحية، ومن الرهان الرسمي على جعل الهيدروجين الأخضر جزءاً من التحول الصناعي والطاقي خلال السنوات المقبلة.
أما بالنسبة للأندلس، فإن التعاون مع المغرب يمنحها امتداداً طبيعياً داخل الضفة الجنوبية للمتوسط، خاصة في ظل سعيها إلى ترسيخ موقعها كقطب صناعي ولوجستي في جنوب أوروبا، قادر على استقبال وتحويل وتوزيع الطاقات المتجددة ومشتقات الهيدروجين.
وتفتح هذه الشراكة المحتملة الباب أمام مجالات متعددة، من بينها تطوير الممرات اللوجستية والبحرية لنقل مشتقات الهيدروجين، وربط سلاسل التوريد الصناعية، ونقل التكنولوجيا، والبحث التطبيقي، وتكوين الكفاءات المتخصصة، فضلاً عن ملاءمة المعايير التقنية الضرورية للولوج إلى السوق الأوروبية.
ويؤكد هذا التحرك أن الهيدروجين الأخضر لم يعد مجرد عنوان بيئي أو وعد بعيد المدى، بل أصبح ملفاً اقتصادياً مفتوحاً على الاستثمار، والتصنيع، والتمويل، وبناء شراكات عابرة للمتوسط.
وبين الدار البيضاء والأندلس، يبدو أن الطاقة النظيفة تتحول تدريجياً إلى لغة جديدة للتعاون، حيث لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج الهيدروجين، بل بصناعة موقع استراتيجي داخل اقتصاد عالمي يتغير بسرعة، وتبحث فيه أوروبا عن مصادر جديدة وآمنة للطاقة النظيفة، بينما يسعى المغرب إلى تحويل مؤهلاته الطبيعية إلى قوة صناعية واستثمارية.
