بقلم: الباز عبدالإله
أثار تنصيب حكومة المنصوري جدلاً دستورياً جديداً، بعدما اتهم جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، الحكومة بالشروع في ممارسة اختصاصات قبل حصولها على ثقة مجلس النواب، معتبراً أن انعقاد المجلس الوزاري والمصادقة الحكومية على مشروع قانون المالية لسنة 2027 يطرحان إشكالاً بشأن احترام الفصل 88 من الدستور وحدود صلاحيات الحكومة المعينة قبل استكمال تنصيبها البرلماني.
ولم يقتصر اعتراض العسري على عمليات تسليم السلط بين الوزراء، بل شمل التوجهات العامة للميزانية التي نوقشت في المجلس الوزاري يوم 17 أكتوبر 2026، والمصادقة على مشروع قانون المالية رقم 60.26 في مجلس الحكومة يوم 20 أكتوبر، أي قبل الموعد المحدد للتصويت على البرنامج الحكومي بمجلس النواب.
وفي المقابل، دافعت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن المسطرة المتبعة، مؤكدة أن إيداع مشروع قانون المالية داخل الأجل المحدد لا يخالف الدستور أو القانون التنظيمي المتعلق بتسيير أشغال الحكومة، ما يضع موقفها في مواجهة مباشرة مع القراءة التي يقدمها القيادي اليساري.
وخلال استضافته في برنامج «جلسة عمل»، الذي بثته جريدة هسبريس الإلكترونية الأربعاء 21 أكتوبر 2026، اعتبر العسري أن بداية الحكومة اتسمت بالتسرع، وأن التعيين الملكي لا يغني عن استكمال المسطرة البرلمانية للحصول على الثقة.
وتمسك بموقفه القائل إن الدستور يربط التنصيب بشرطين متكاملين، هما تعيين أعضاء الحكومة من طرف الملك، ثم موافقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي بالأغلبية المطلقة.
المصدر الأصلي | هسبريس – حوار جمال العسري في برنامج «جلسة عمل»
تنصيب حكومة المنصوري.. ماذا يقول الفصل 88؟
ينص الفصل 88 من الدستور المغربي على أن رئيس الحكومة يقدم، بعد تعيين أعضاء الحكومة، البرنامج الذي يعتزم تطبيقه أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، قبل مناقشته في المجلسين وإخضاعه للتصويت في مجلس النواب.
ويحدد الفصل نفسه شرط التنصيب بحصول الحكومة على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وهو ما يعني أن التعيين الملكي وتشكيل الفريق الوزاري لا يمثلان، وحدهما، نهاية المسطرة الدستورية.
غير أن تحديد الاختصاصات التي يمكن للحكومة المعينة ممارستها خلال هذه المرحلة لا يستند إلى الفصل 88 وحده، بل يستوجب الرجوع أيضاً إلى القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها.
فالمادة 38 من هذا القانون تمنح الحكومة الجديدة، التي لم تنصب بعد، صلاحية إعداد برنامجها الحكومي، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لاستمرارية المرافق العمومية، وممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37.
وتتعلق هذه الصلاحيات باتخاذ القرارات والمقررات الإدارية والتدابير الضرورية والمستعجلة لضمان استمرارية مصالح الدولة وانتظام سير المرافق العمومية.
أما الفقرة الثانية من المادة 37 فتستبعد من تصريف الأمور الجارية التدابير التي تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وتذكر على وجه الخصوص المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيينات في المناصب العليا.
وهنا يتمركز الخلاف القانوني: هل يمكن اعتبار المصادقة على مشروع قانون المالية، قبل الحصول على الثقة البرلمانية، إجراءً ضرورياً لاحترام الأجل القانوني، أم أنها تدخل ضمن الاختصاصات التي تتجاوز الصلاحيات المحددة للحكومة غير المنصبة؟
ووفق قراءة العسري، فإن الاستثناءات التي تتيح استمرار المرافق العمومية لا تمنح الحكومة صلاحية مباشرة جميع اختصاصاتها قبل استكمال التنصيب.
المصدر القانوني الرسمي | القانون التنظيمي رقم 065.13 – المواد 36 و37 و38
وتزداد أهمية النقاش عند استحضار التسلسل الزمني للإجراءات المتخذة منذ تعيين الحكومة.
ففي 16 أكتوبر 2026، عُيّن أعضاء حكومة المنصوري، وفي اليوم الموالي انعقد المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس، حيث جرى التداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027.
وبعد تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، عقد مجلس الحكومة اجتماعاً في 20 أكتوبر، تداول خلاله في مشروع قانون المالية رقم 60.26 وصادق عليه، قبل تقديم المشروع أمام مجلسي البرلمان في اليوم نفسه.
وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية أن تداول المجلس الوزاري في التوجهات العامة للميزانية تم طبقاً للفصل 49 من الدستور، الذي يدرج هذه التوجهات ضمن اختصاصاته.
غير أن الفصل 92 ينص، بدوره، على تداول مجلس الحكومة في مشاريع القوانين، ومن بينها مشروع قانون المالية، قبل إيداعها بمكتب مجلس النواب.
وبذلك يتعلق النقاش القانوني بمدى إمكانية ممارسة هذه الصلاحيات في الفترة التي تسبق التنصيب، وليس بإنكار وجودها ضمن الاختصاصات الدستورية للمجلسين.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – المجلس الوزاري ومشروع قانون المالية 2027
حكومة المنصوري قبل الثقة.. ماذا قالت رئيسة الحكومة؟
في ردها على الجدل، دافعت فاطمة الزهراء المنصوري، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، عن الإجراء المتخذ بشأن مشروع قانون المالية.
وأكدت أن المسطرة لا تخالف الدستور أو القانون التنظيمي المنظم لأشغال الحكومة، معتبرة أن الهدف كان احترام الموعد القانوني لإيداع مشروع الميزانية لدى مكتب مجلس النواب.
ويستند هذا التبرير إلى المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، التي تحدد يوم 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية آخر أجل لإيداع المشروع.
وشددت المنصوري على التمييز بين إيداع مشروع قانون المالية ومناقشته برلمانياً، مؤكدة أن الحكومة احترمت الأجل القانوني دون الشروع في المناقشة البرلمانية للمشروع.
غير أن البلاغ الصادر عن مجلس الحكومة يوم 20 أكتوبر أكد أن المجلس تداول في مشروع قانون المالية وصادق عليه.
وهذا التمييز مهم في فهم الخلاف؛ فالتداول والمصادقة داخل مجلس الحكومة إجراءان مختلفان عن المناقشة التشريعية التي يجريها البرلمان بعد إيداع المشروع.
ولا يحسم الاستناد إلى الأجل القانوني، بمفرده، السؤال الذي أثاره العسري بشأن حدود الاختصاصات المسموح بممارستها قبل التنصيب.
المصدر | صوت المغرب – رد المنصوري على الجدل الدستوري
وتعيد هذه المواجهة إلى الواجهة قراراً دستورياً صدر قبل نحو 13 سنة، واستُحضر خلال مناقشة العسري في برنامج «جلسة عمل».
ويتعلق الأمر بالقرار رقم 931/13، الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 30 دجنبر 2013، بشأن الطعن في قانون المالية لسنة 2014.
وكان الطعن يستند، ضمن أسباب أخرى، إلى عدم عرض الحكومة المعدلة على تنصيب برلماني جديد، عقب انسحاب حزب من الأغلبية وانضمام حزب آخر إليها.
وقضى المجلس الدستوري آنذاك بأن تعديل التركيبة السياسية لحكومة سبق تنصيبها لا يستوجب تنصيباً جديداً ما دامت لم تُعفَ بكامل أعضائها، ولم تغير برنامجها الأصلي الذي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب.
لكن القرار تناول حالة حكومة قائمة سبق تنصيبها، بينما يتعلق الجدل الحالي بحكومة جديدة لم تستكمل، عند اتخاذ الإجراءات محل النقاش، أول مسطرة للتنصيب البرلماني.
ولذلك لا يصح تقديم القرار الصادر سنة 2013 باعتباره حكماً مباشراً بشأن الإجراءات التي اتخذتها حكومة المنصوري في أكتوبر 2026، كما لا يكفي هذا الاختلاف وحده للجزم بعدم دستوريتها.
المصدر القضائي الرسمي | قرار المجلس الدستوري رقم 931/13 بتاريخ 30 دجنبر 2013
وفي دفاعه عن موقفه، أثار العسري احتمال عدم حصول الحكومة الجديدة على ثقة مجلس النواب، متسائلاً عن الوضع الذي يمكن أن ينشأ إذا تسلم الوزراء مهامهم ومارسوا بعض الاختصاصات، قبل أن يتعذر استكمال التنصيب بسبب انسحاب أحد أحزاب الأغلبية أو عدم التصويت لصالح البرنامج.
ودافع عن استمرار الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش في تصريف الأمور الجارية إلى حين حصول الحكومة الجديدة على الثقة، ثم تنظيم عمليات تسليم السلط.
غير أن المادة 36 من القانون التنظيمي رقم 065.13 تنص على استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل حكومة جديدة، وليس إلى غاية تنصيبها.
ويجعل هذا المقتضى اقتراح العسري بشأن تمديد تصريف الأعمال إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة موقفاً سياسياً ودستورياً يدافع عنه، وليس ترتيباً منصوصاً عليه حرفياً في المادة المذكورة.
كما انتقد القيادي اليساري السرعة التي رافقت الانتقال بين الحكومتين، متسائلاً عن الوقت الذي أتيح للوزراء الجدد للاطلاع على الملفات المالية والإدارية لقطاعاتهم، قبل المصادقة على أول مشروع ميزانية في عهد الحكومة الجديدة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية بالنظر إلى أن إعداد قانون المالية مسار يمتد لأشهر، وتشارك فيه الإدارات والمؤسسات المكلفة بالميزانية قبل إحالته على المجلس الحكومي.
وكان MarocActu24 قد تناول، عقب تعيين الحكومة يوم 16 أكتوبر، ضيق المدة الفاصلة بين تشكيل الفريق الوزاري الجديد والموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية في 20 أكتوبر، أي أربعة أيام فقط.
اقرأ أيضاً | 32 عضواً في حكومة المنصوري.. لقجع على رأس المالية ورحو للذكاء الاصطناعي و7 نساء فقط!
ويتزامن الجدل مع موعد التصويت على البرنامج الحكومي، المقرر مساء الخميس 22 أكتوبر 2026، ابتداءً من الساعة السادسة، وفق جدول أعمال مجلس النواب.
وتتوفر الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية الحكومية على 207 مقاعد من أصل 395، بينما يتطلب التنصيب الحصول على 198 صوتاً على الأقل.
وكان الموقع قد تناول هذه التركيبة البرلمانية، موضحاً أن الفارق بين عدد مقاعد التحالف والعتبة المطلوبة لا يتجاوز تسعة مقاعد، ما يجعل التصويت الفعلي ضرورياً لحسم مسطرة التنصيب.
اقرأ أيضاً | حكومة المنصوري بـ4 أحزاب و207 مقاعد.. وعود بحلول واختبار الثقة ينتظر التفاصيل
ولا يفصل العسري بين هذه الانتقادات وموقف حزبه الأوسع من دستور 2011، إذ يرى أن عدداً من القوانين التنظيمية قيّد، وفق تقييمه، مضامين دستورية كان يفترض تفعيلها في اتجاه تعزيز الدور البرلماني والحريات.
وجدد دفاعه عن إصلاح دستوري يقود إلى ملكية برلمانية، معتبراً أن المسؤولية السياسية للحكومة أمام المؤسسة التشريعية ينبغي أن تكون أكثر وضوحاً، وأن احترام القواعد الدستورية لا يجب أن يخضع لمنطق الأغلبية العددية وحده.
وبين اتهامات العسري ورد المنصوري، يظل جوهر الخلاف متعلقاً بتفسير العلاقة بين الفصل 88 من الدستور، الذي يحدد شروط التنصيب، والمادتين 37 و38 من القانون التنظيمي للحكومة، والفصلين 49 و92 المتعلقين باختصاصات المجلس الوزاري ومجلس الحكومة.
أما القول بوقوع خرق دستوري، فيبقى موقفاً منسوباً إلى العسري، وليس حكماً قضائياً نهائياً بشأن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة.
وهكذا يطرح تنصيب حكومة المنصوري سؤالاً قانونياً محدداً يتجاوز الجدل السياسي: أين تنتهي صلاحيات الحكومة المعينة قبل الثقة البرلمانية، وأين تبدأ الاختصاصات التي يفترض ممارستها بعد استكمال التنصيب؟


