السجل الاجتماعي الموحد يقف في قلب واحدة من أكثر المنظومات الرقمية حساسية في المغرب، لأنه لا يقتصر على تسجيل الأسر، بل تدخل نتيجة التنقيط التي ينتجها في تحديد أهلية الأسر لعدد من برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها الدعم الاجتماعي المباشر.
ولهذا تكتسب أرقام مشروع جديد يموله البنك الدولي أهمية خاصة: قرض وافق عليه مجلس إدارة البنك في 4 دجنبر 2024 بقيمة تعادل 70 مليون دولار، مخصص لتطوير السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، وتحسين أدوات الاستهداف، ودعم الانتقال نحو التشغيل المؤسساتي للوكالة الوطنية للسجلات.
القيمة القانونية للقرض محددة في 62.6 مليون يورو، وهو ما كان يعادل، وفق سعر الصرف الذي اعتمدته وثيقة تقييم المشروع نفسها، نحو 679.8 مليون درهم، أي قرابة 68 مليار سنتيم.
ووقعت اتفاقية القرض في 28 فبراير 2025، قبل أن تدخل حيز التنفيذ في 18 يونيو من السنة نفسها.
غير أن أحدث لقطة رسمية منشورة لمحفظة البنك الدولي في المغرب، والتي تعرض وضع المشاريع إلى غاية مارس 2026، تكشف رقماً لافتاً: من أصل 70 مليون دولار، ظل 69.825 مليون دولار غير مسحوب، ما يعني أن ما ظهر مسحوباً لم يتجاوز نحو 175 ألف دولار فقط، أي قرابة 0.25% من التمويل، مقابل بقاء نحو 99.75% دون سحب.
المصدر الرئيسي | البنك الدولي – محفظة مشاريع المغرب إلى غاية مارس 2026
ويستوجب هذا الرقم تصحيح معطى يمكن أن يقود إلى قراءة خاطئة للملف. فالجدول الرسمي نفسه يتضمن مبلغ 7.419 ملايين دولار، لكنه لا يتعلق بمشروع السجلات الاجتماعية، وإنما بمشروع مستقل هو «التدبير المستدام للمنظومات البيئية للواحات بالمغرب»، الذي تبلغ قيمته الإجمالية 12 مليون دولار.
أما مشروع الهوية والاستهداف للحماية الاجتماعية، الذي يحمل رقم P504398، فرصيده غير المسحوب هو 69.825 مليون دولار.
والمفارقة تصبح أوضح عند العودة إلى التصور الأصلي للمشروع. فقد افترضت وثيقة التقييم سحب 10 ملايين دولار خلال السنة المالية 2025 للبنك الدولي، ثم 20 مليون دولار إضافية خلال السنة المالية 2026، بما يرفع المسحوبات التراكمية المتوقعة إلى 30 مليون دولار بنهاية تلك السنة المالية.
غير أن المقارنة تحتاج إلى قدر من الحذر: القرض لم يصبح نافذاً إلا في 18 يونيو 2025، أي قرب نهاية السنة المالية 2025 للبنك الدولي، كما أن خطة الصفقات الأصلية للمشروع لم يسجل اعتمادها من البنك إلا بتاريخ 13 يناير 2026.
لذلك لا يصح تقديم الـ30 مليون دولار وكأنها كانت مستحقة السحب كاملة بحلول مارس، لأن السنة المالية 2026 لم تكن قد انتهت بعد.
ومع ذلك، يبقى الفرق بين منحنى الصرف الأولي وبين 175 ألف دولار فقط حتى مارس واسعاً ويستدعي تفسير وتيرة التنفيذ.
المصدر الرسمي | خطة الصفقات الخاصة بالمشروع
والأكثر إثارة للانتباه أن مبلغ 175 ألف دولار يقترب بصورة شبه مطابقة من رسم البداية المنصوص عليه في اتفاقية القرض.
فالاتفاقية تحدد هذا الرسم في 0.25% من مبلغ 62.6 مليون يورو، أي 156 ألفاً و500 يورو. وبسعر الصرف المرجعي المستعمل عند تقييم المشروع، يساوي ذلك قرابة 176 ألف دولار.
كما أن مجموع كلفة المكونات التشغيلية الثلاثة للمشروع يبلغ 69.825 مليون دولار، وهو بالضبط الرصيد الذي ظل غير مسحوب في لقطة مارس 2026.
هذه المطابقة الحسابية تشير بقوة إلى أن المبلغ الظاهر كمسحوب حتى تلك المرحلة يقارب رسم البداية أكثر مما يعكس صرفاً واسعاً على مكونات المشروع.
غير أن وثيقة المحفظة لا تعرض كشف المعاملات التفصيلي، لذلك لا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بأن كامل مبلغ الـ175 ألفاً خُصص حصراً لهذا الرسم.
أما عمولة الالتزام البالغة بدورها 0.25% سنوياً من الرصيد غير المسحوب، فلا يصح استعمالها للقول إن المغرب كان يؤدي هذه العمولة خلال 2025 أو مارس 2026.
فاتفاقية القرض تتضمن مقتضى خاصاً يجعل احتسابها يبدأ من التاريخ الأبعد بين تاريخ الاتفاقية والذكرى الرابعة لموافقة البنك على القرض. وبما أن الموافقة تمت في 4 دجنبر 2024، فإن الاحتساب لا يبدأ، وفق هذه الصيغة، قبل دجنبر 2028.
المصدر الرسمي | اتفاقية قرض المشروع رقم 97560-MA
السجل الاجتماعي الموحد.. 23 مليون دولار للتنقيط وجودة الاستهداف
لا يتعلق المشروع بتحويل 70 مليون دولار مباشرة إلى الأسر، ولا بزيادة مبالغ الدعم النقدي. فالتمويل يذهب أساساً إلى البنية التقنية والمؤسساتية التي تقف خلف منظومة الاستهداف.
وتخصص وثيقة البنك الدولي 43 مليون دولار لتوسيع وتقوية السجل الوطني للسكان ودعم تشغيل الوكالة الوطنية للسجلات، و23 مليون دولار لتوسيع وتحسين السجل الاجتماعي الموحد، فيما خُصص 3.825 ملايين دولار للتدبير وبناء القدرات والتتبع والتقييم.
ويشمل المكون الأول تطوير نظام السجل الوطني للسكان، وتحسين التسجيل والتحقق الرقمي من الهوية، والربط مع قواعد الحالة المدنية، وتطوير آليات لاكتشاف الأخطاء والغش والفساد، وتوسيع الاستفادة، خصوصاً في المناطق القروية والنائية.
أما الجزء المرتبط بالوكالة الوطنية للسجلات فيحمل بعداً مؤسساتياً واضحاً. فقد جعل المشروع 3 ملايين دولار مرتبطة بتحقق نتيجة تتمثل في أن تصبح الوكالة تشغيلية، مع تعيين مجلسها وموظفيها الأساسيين، وربط مليوني دولار إضافيين باعتماد الوثائق والإجراءات التشغيلية وانتقال تدبير السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد إليها فعلياً.
آخر تقرير تنفيذ تفصيلي منشور للبنك الدولي، المؤرخ في يوليوز 2025 والمستند إلى وضعية مايو من السنة نفسها، كان ما يزال يسجل أن هذه المؤشرات لم تتحقق بعد، رغم تصنيف التقدم العام للمشروع والتقدم نحو أهدافه بدرجة «مرضية».
أما لقطة مارس 2026 فلا تقدم تحديثاً تفصيلياً لحالة كل مؤشر، لكنها تظهر أن دفعات النتائج بملايين الدولارات لم تكن قد انعكست بعد في إجمالي السحب.
ولا تسمح الوثائق المتاحة بالجزم بما إذا كانت بعض النتائج قد تحققت إدارياً وبقي التحقق منها أو صرف مقابلها معلقاً.
وهنا يكتسب السجل الاجتماعي الموحد حساسيته الحقيقية، فالموقع الرسمي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي يوضح أن الأسرة تسجل في السجل من أجل احتساب مؤشرها الاجتماعي والاقتصادي، وأن طلب الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر يرتبط حالياً بمؤشر يقل عن أو يساوي 9.743001.
أي أن النتيجة الرقمية ليست مجرد معلومة إحصائية، وإنما خطوة فعلية في مسار الولوج إلى الدعم.
المصدر الرسمي | كيفية طلب الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر
وينص الإطار التنظيمي للسجل على أن التنقيط يُحتسب انطلاقاً من المعطيات الاجتماعية والاقتصادية للأسر بواسطة صيغة رياضية، فيما أُسند إلى المندوبية السامية للتخطيط إعداد هذه الصيغة وتعديلها وتحيينها.
أما القانون رقم 72.18 فيسند إلى الوكالة الوطنية للسجلات مهام تدبير السجلين والتحقق من المعطيات ووضع لوائح الأسر المؤهلة رهن إشارة الجهات المشرفة على برامج الدعم.
لذلك فـ«مفتاح الدعم» ليس بيد مؤسسة واحدة، وإنما نتيجة سلسلة مؤسساتية تجمع بين إنتاج معادلة التنقيط، وتدبير بيانات السجلات والتحقق منها، وتحديد العتبات والشروط الخاصة بكل برنامج، ثم معالجة طلبات الاستفادة.
وتكشف وثيقة المشروع أن البنك الدولي نفسه وضع دقة الاستهداف وأخطاء الإدراج والإقصاء داخل صلب التمويل الجديد.
إذ ينص المشروع على تقييم معادلة التنقيط انطلاقاً من آراء ومعطيات الأسر، ودراسة مدى موثوقية بيانات الدخل، ثم تعديل استمارة التسجيل ومعادلة التنقيط واختبارهما على عينة ممثلة من مستفيدي «أمو تضامن» والدعم الاجتماعي المباشر.
وقد رُبط 3 ملايين دولار بالتحقق من تحديث الاستمارة ومعادلة التنقيط واختبار الصيغة الجديدة خلال السنة المالية 2026، بينما رُبطت 3 ملايين دولار أخرى بمرحلة لاحقة يصبح فيها نظام التنقيط الجديد مطبقاً فعلياً في إعادة تقييم الأسر المسجلة وتسجيل الأسر الجديدة.
ووفق الجدول الأصلي للمشروع، توجد هذه النتيجة الأخيرة ضمن أفق السنة المالية 2029، وليس باعتبارها إجراءً كان يفترض اكتماله كله في 2026.
وهذه نقطة أساسية حتى لا تتحول مراجعة التنقيط إلى استنتاج غير مدعوم بأن النظام الحالي ثبت فشله، وثائق البنك لا تقول ذلك، لكنها تقر صراحة بالحاجة إلى تقييم دقة الاستهداف وتطوير إستراتيجية لتقليص أخطاء الإدراج والإقصاء، وهو ما يجعل الشفافية حول عدد طلبات المراجعة ونتائجها وجودة البيانات مسألة ذات مصلحة عامة مباشرة.
وحجم المنظومة ليس صغيراً. ففي نهاية دجنبر 2023، كان المشروع الأول للبنك الدولي قد سجل أكثر من 18.4 مليون شخص في السجل الوطني للسكان وحصولهم على المعرف المدني والاجتماعي الرقمي، بما يعادل أكثر من أربعة ملايين أسرة.
وفي الفترة نفسها، أفاد صندوق النقد الدولي بأن نحو 3 ملايين أسرة، أي قرابة 10 ملايين شخص، كانت مسجلة في السجل الاجتماعي الموحد.
وهذه هي الأرقام التي يمكن توثيقها بوضوح، أما رقم 13.8 مليون مسجل في السجل الاجتماعي الموحد، فلم نعثر له على سند رسمي مغربي أو وثيقة للبنك الدولي تخص المغرب، ولذلك لا يصح إدراجه باعتباره رقماً مؤكداً.
وكان MarocActu24 قد تابع جانباً من توسع منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، بعدما صادق مجلس النواب في يونيو الماضي على تعديل القانون المنظم للبرنامج، في وقت أعلن فيه أن عدد الأسر التي استفادت من الدعم تجاوز أربعة ملايين أسرة.
اقرأ أيضاً | مجلس النواب يصادق على تعديل جديد يهم الدعم الاجتماعي المباشر بالمغرب
كما يأتي هذا القرض ضمن توسع أكبر للتمويلات الدولية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، إذ سبق لـMarocActu24 أن كشف تفاصيل برنامج أوروبي جديد يتضمن 80 مليون يورو من الدعم الميزانياتي ويربط الإفراج عن الأموال بمؤشرات تشمل الحماية الاجتماعية والشفافية وتدبير المالية العمومية.
اقرأ أيضاً | دعم الاتحاد الأوروبي للمغرب.. 80 مليون يورو مرتبطة بشفافية الميزانية والحماية الاجتماعية
لذلك لا توجد في الوثائق التي راجعها MarocActu24 أي معطيات تسمح بالحديث عن «اختفاء» 68 مليار سنتيم أو اختلاسها. العكس هو الذي يظهر في حسابات البنك الدولي: الغالبية الساحقة من التمويل لم تُسحب أصلاً حتى مارس 2026.
لكن ذلك لا يغلق الملف، بل يغير السؤال.
السؤال لم يعد: أين ذهبت 68 مليار سنتيم؟
بل: لماذا ظل 99.75% من التمويل غير مسحوب بعد أكثر من سنة على موافقة البنك ونحو تسعة أشهر من دخول القرض حيز التنفيذ؟
وما الذي أنجز فعلياً على مستوى الوكالة الوطنية للسجلات وتحيين أدوات الاستهداف خلال هذه الفترة؟
ومتى ستظهر في بيانات الصرف النتائج التي رُبطت بها دفعات بملايين الدولارات؟
والأهم: كيف تُنشر للعموم مؤشرات تسمح بقياس دقة السجل الاجتماعي الموحد، وعدد طلبات مراجعة التنقيط، ونسبة الحالات التي تغيرت نتائجها بعد التحيين أو التظلم، في منظومة يمكن أن يترتب على نتيجتها الرقمية استفادة أسرة من الدعم أو بقاؤها خارجه؟
فالقضية ليست قصة خوادم وبرمجيات، ولا قصة قرض لم يُسحب فقط.
إنها سؤال عن سرعة بناء مؤسسة وحكامة رقمية يفترض أن تواكبا منظومة أصبحت جزءاً من الطريق الذي يمر منه الدعم الاجتماعي إلى ملايين المغاربة.


