مشروع الواحات بالمغرب، الذي خُصصت له منحة دولية بقيمة 12 مليون دولار لمواجهة آثار الجفاف والتغير المناخي وتقوية صمود واحات أوفوس وأقا، انتهى افتحاص رسمي لحساباته برسم سنة 2025 إلى تسجيل 41 ملاحظة مست الحكامة والتدبير المالي والأشغال والتتبع، ووصل بعضها إلى منشأة لجمع المخلفات تعذر على المركبات الولوج إليها.
ويتعلق الأمر بمشروع «التدبير المستدام للمنظومات البيئية للواحات بالمغرب» PROGEDOM، الذي تنفذه الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان «أندزوا»، ويستهدف أساساً واحات أوفوس بإقليم الرشيدية وأقا بإقليم طاطا.
والـ12 مليون دولار ليست قرضاً على المغرب، وإنما منحة من صندوق PROGREEN متعدد المانحين الذي يديره البنك الدولي.
وتؤكد وثائق المؤسسة الدولية أن المشروع أُقر في ماي 2024 بهدف تعزيز التدبير المستدام للمنظومات الواحية ورفع قدرتها على الصمود أمام التغير المناخي، إلى جانب تطوير نموذج وطني للتدبير المندمج للواحات.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – مشروع التدبير المستدام للمنظومات البيئية للواحات بالمغرب
وبحسب نسخة التقرير النهائي رقم 7399 للمفتشية العامة للمالية، المؤرخ في 24 يوليوز 2026، والتي اطلع عليها MarocActu24، فإن افتحاص حسابات المشروع برسم سنة 2025 لم ينته إلى رأي سلبي في القوائم المالية، لكنه أرفقها بلائحة واسعة من الملاحظات التي تتجاوز المحاسبة إلى جودة الأشغال والحكامة والتتبع الميداني.
فالمفتشية خلصت إلى أن القوائم المالية تعكس، في مجملها، بصورة سليمة الموارد والنفقات الفعلية إلى غاية 31 دجنبر 2025، مع تسجيل أخطاء اعتبرتها غير جوهرية.
لكن المعاينة الميدانية رسمت صورة أكثر تعقيداً.
مشروع الواحات بالمغرب.. 41 ملاحظة تصل إلى الأشغال الميدانية
واحدة من أكثر الملاحظات إثارة ترتبط بالصفقة رقم 3/2025 الخاصة بتهيئة فضاءات لجمع المخلفات الخضراء.
فبحسب التقرير، عاين المفتشون تشطيبات وُصفت بأنها «تقريبية» في المنصات الخرسانية، كما سجلوا ظهور أخدود صغير عند مدخل أحد المواقع جعل الولوج إليه بواسطة المركبات متعذراً.
ولا يستعمل التقرير لفظ «الشاحنات» حرفياً، لذلك لا يصح القول إن المفتشية سجلت تعذر دخول الشاحنات تحديداً.
لكن عندما تكون المنشأة مخصصة لجمع المخلفات، فإن تسجيل تعذر ولوج المركبات إليها يطرح سؤالاً عملياً مباشراً حول طريقة تشغيلها وأداء الوظيفة التي أُنجزت من أجلها.
ولم تقف الملاحظات عند مدخل المنشأة، إذ سجل الافتحاص أيضاً افتقار فضاءات جمع المخلفات إلى تجهيزات اعتبرها ضرورية لتشغيلها، ما ينقل النقاش من شكل التشطيبات إلى قابلية المنشآت للاستغلال الفعلي.
وتكتسب هذه الملاحظة وزناً إضافياً لأن البنك الدولي نفسه كان قد أكد، خلال مراجعة منتصف المشروع في شتنبر 2025، أن منصات نقل المخلفات الخضراء أصبحت ضمن النتائج الظاهرة ميدانياً، لكنه شدد في الوثيقة ذاتها على ضرورة وضع خطة تدبير محددة لكل منشأة قبل دخولها الخدمة، وخص بالذكر منشآت المخلفات والتجهيزات الرياضية والري.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – مراجعة منتصف مشروع PROGEDOM
ولم تكن منشآت المخلفات الحالة الوحيدة.
ففي الصفقة رقم 2/2025، المتعلقة بإنجاز ملعبين رياضيين، سجل التقرير أن مستودعات الملابس غير ملائمة، إلى جانب وجود ملعب أوفوس في موقع وصفه الافتحاص بأنه غير مؤمّن.
أما الصفقة رقم 1/2025، فرصد المفتشون بشأنها تقليص حجم بعض الأشغال أثناء التنفيذ ووجود فوارق بين ما أُنجز ميدانياً وما ورد في دفتر التحملات، إضافة إلى غياب مخطط للأشغال يحمل تأشيرة «صالح للتنفيذ» من صاحب المشروع.
وهذه الملاحظات لا تعني، بمفردها، إثبات تبديد الأموال أو وجود جريمة مالية، لكنها تطرح سؤال المسؤولية التقنية: من راقب مطابقة الأشغال؟ ومن وافق على التعديلات؟ وهل عولجت العيوب قبل التسلم النهائي وأداء المستحقات؟
واتسعت دائرة الملاحظات من الورش إلى حكامة المشروع.
فبحسب التقرير، لم تصادق لجنة القيادة على عدد من التقارير الدورية، ولم تُحترم وتيرة اجتماعات اللجان التقنية الإقليمية، كما لم تُفعّل بعض لجان التتبع المنصوص عليها في اتفاقيات الشراكة والدعم التقني.
وسجل المفتشون كذلك عدم ملاءمة خريطة المخاطر مع خصوصيات المشروع، وعدم توظيف مستشار في التدبير المالي خلال الفترة التي شملها الافتحاص، إلى جانب ضعف مسطرة معالجة الشكايات وتأخر تنفيذ نظام المعلومات الجغرافية.
وتتقاطع بعض هذه الملاحظات مع ما سجله البنك الدولي قبل ذلك.
ففي مراجعة منتصف المشروع خلال شتنبر 2025، صنف البنك الأداء العام والتقدم نحو الهدف التنموي في خانة «مرضٍ»، لكنه خفّض تقييم التدبير المالي إلى «مرضٍ بدرجة متوسطة»، بسبب عدم إنتاج التقارير المالية المرحلية داخل الآجال، وصنف المخاطر المرتبطة بالتدبير المالي بأنها «جوهرية».
كما أوصى باستكمال توظيف خبير في التدبير المالي، ووضع آلية صارمة لتسريع التنفيذ المالي، ومتابعة توصيات افتحاص السنة السابقة.
وبلغ ما كان قد صُرف من المنحة إلى نهاية شتنبر 2025 نحو 2.55 مليون دولار، أي 21.2% من مبلغ الـ12 مليون دولار، بحسب مراجعة البنك الدولي.
وهذا الرقم مهم لأنه يمنع قراءة خاطئة للعنوان: الـ12 مليون دولار تمثل قيمة المنحة الإجمالية، ولا تعني أن هذا المبلغ كله كان قد صُرف وقت الملاحظات التي رصدها الافتحاص.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – الوضع المالي للمشروع في شتنبر 2025
وامتدت ملاحظات المفتشية أيضاً إلى طلبات تمويل المشاريع الفرعية.
فبحسب التقرير، لم يتم إخبار بعض حاملي المشاريع المرفوضة بنتائج طلباتهم، كما لم تُسجل المشاريع المستبعدة وأسباب رفضها بصورة منتظمة، وسُجلت فوارق في آجال معالجة الملفات وعدم استعمال شبكة التقييم المنصوص عليها في دليل العمليات في بعض الحالات.
وتحدث التقرير كذلك عن مراجعة بعض المبالغ المطلوبة بمبادرة من لجنة الأهلية، وتقليص سقوف تمويل مشاريع فرعية بمبادرة من وحدة تدبير المشروع دون تعليل موثق، فضلاً عن عدم أخذ إكراهات بعض المواقع بعين الاعتبار بالقدر المطلوب.
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشاريع الفرعية داخل البرنامج.
فالتقرير السنوي لـPROGREEN لعام 2025 أعلن تمويل 20 مشروعاً فرعياً في أوفوس وأقا، خصوصاً لفائدة النساء والشباب، في مجالات تشمل السياحة الواحية والتراث وتدبير الموارد الطبيعية.
كما تُظهر منصة الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان استمرار إطلاق طلبات مشاريع متعددة في إطار PROGEDOM خلال 2025 و2026.
المصدر الرسمي | الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان – طلبات مشاريع PROGEDOM
وعلى المستوى المالي، سجل تقرير المفتشية، بحسب النسخة التي اطلع عليها MarocActu24، وجود خطر لتجاوز مبلغ المنحة وفارق زمني بين النفقات المنجزة وطلبات سحب التمويل.
كما أشار إلى عدم إدراج بعض غرامات التأخير المقتطعة أثناء تنفيذ الصفقات ضمن طلبات السحب، وعدم تضمين مبالغ الاقتطاع الضامن المتعلقة بصفقات الأشغال بالطريقة المطلوبة، إلى جانب أخطاء محاسبية.
لكن هذه الملاحظات يجب وضعها في إطارها الدقيق.
فالتقرير لا يقول إن 12 مليون دولار اختُلست، ولا يعتبر القيمة الإجمالية للمنحة خسارة مالية، ولا يخلص إلى أن كامل التمويل صُرف بطريقة غير قانونية.
بل إن الرأي المالي العام بقي إيجابياً في جوهره، مع أخطاء غير جوهرية.
المشكلة التي يكشفها الافتحاص توجد في مستوى آخر: إمكانية سلامة تسجيل النفقة محاسبياً، وفي الوقت نفسه وجود عيب أو نقص أو فارق في المنشأة التي صُرفت من أجلها النفقة.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل التقرير مهماً.
فالحساب يمكن أن يكون مسجلاً، والفاتورة موجودة، والمسار المالي قابلاً للتتبع، بينما تكشف المعاينة الميدانية أن منشأة تحتاج إلى استكمال أو إصلاح، أو أن الأشغال المنفذة لا تطابق تماماً ما كان مقرراً.
وقد قدمت وحدة تدبير المشروع أجوبتها للمفتشية بتاريخ 30 يونيو 2026، وأخذ المفتشون هذه الردود بعين الاعتبار قبل إخراج التقرير النهائي، كما أُعدت خطة عمل لتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذ التوصيات.
ومن بين التوصيات ذات الأولوية تحسين طريقة احتساب النفقات المضمنة في طلبات السحب، وإنجاز دراسة قانونية حول صلاحيات الوكالة داخل المجال الواحي، وتقوية قدرات الموظفين المكلفين بتدبير المشروع.
غير أن صدور خطة عمل لا يجيب بمفرده عن الأسئلة التي تطرحها المعاينة الميدانية.
فإذا كانت بعض الأشغال قد سُلّمت، فمن صادق على مطابقتها؟
ومن أجاز تقليص أجزاء منها أثناء التنفيذ؟
وهل تم إصلاح مدخل فضاء جمع المخلفات الذي تعذر على المركبات الولوج إليه؟
ومن سيتحمل كلفة استكمال التجهيزات وإصلاح العيوب، إن تطلب الأمر مصاريف إضافية؟
وكان MarocActu24 قد تابع في ملف آخر توسع التمويلات الدولية الموجهة إلى مواجهة المخاطر المناخية بالمغرب، بعدما وافق البنك الدولي على تمويلات جديدة تشمل تعزيز قدرة المملكة على مواجهة مخاطر المناخ والكوارث.
اقرأ أيضاً | البنك الدولي يضخ 650 مليون دولار لدعم الرقمنة ومواجهة مخاطر المناخ بالمغرب
كما سبق للموقع أن توقف عند تقييم دولي آخر كشف ثغرات مرتبطة بالرقابة والتقييم داخل منظومة المالية العمومية، في وقت يزداد فيه الرهان على جودة التتبع إلى جانب حجم التمويلات المرصودة.
اقرأ أيضاً | تقييم PEFA للمغرب 2024.. ثغرات في الرقابة والتقييم
والإنصاف يفرض أيضاً تسجيل أن البنك الدولي لم يعتبر المشروع متعثراً بكامله.
فمراجعة منتصف المدة تحدثت عن تقدم في الأشغال والأنشطة وصنفت التنفيذ العام «مرضياً»، كما سجلت وجود نتائج ميدانية واستمرار إطلاق مشاريع فرعية.
لكن هذا التقييم الإيجابي لا يلغي نتائج افتحاص المفتشية، لأن الوثيقتين لا تقيسان الشيء نفسه وفي التاريخ نفسه.
الأولى تقيس التقدم العام نحو أهداف المشروع، بينما يختبر الافتحاص الحسابات والإجراءات والتدبير ويعاين عينات من الأشغال.
وهذا بالضبط ما يجعل ملف مشروع الواحات بالمغرب أكبر من مجرد منشأة ظهر أخدود صغير أمام بابها.
فواحات أوفوس وأقا تواجهان أصلاً ضغط الجفاف والتغير المناخي، والتمويل الدولي وُضع لمساعدتهما على الصمود، لذلك تصبح جودة كل منشأة وفعالية كل درهم أو دولار جزءاً من النتيجة نفسها، لا تفصيلاً إدارياً على هامشها.
ولا توجد، وفق الوثائق المتاحة، قاعدة تسمح بالقول إن منحة الـ12 مليون دولار ضاعت.
لكن هناك تقرير افتحاص رسمي يحمل 41 ملاحظة، وهناك أسئلة مشروعة حول الأشغال والحكامة والتتبع المالي، وهناك منشآت يفترض أن تؤدي وظيفة واضحة على الأرض.
ويبقى السؤال بعد التقرير النهائي الصادر في يوليوز 2026:
كم واحدة من الملاحظات الـ41 أُغلقت فعلياً إلى اليوم؟
وهل أُصلحت الأشغال واستُكملت التجهيزات وفُعّلت آليات التتبع، أم أن جزءاً من الاختلالات بقي حبيس خطة العمل؟
فالمناخ قد يكون سبباً في تهديد الواحات، لكن ضعف التنفيذ، إذا لم يُصحح، يمكن أن يحول حتى الأموال المخصصة لحمايتها إلى فرصة ناقصة الأثر.



