بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
وجهت الرابطة العالمية للحقوق والحريات بالمغرب مذكرة ترافعية إلى رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تطلب فيها فتح تحقيق في ادعاءات الاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، التي يقول معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب إنهم تعرضوا لها، مع التوصية لدى الحكومة ببرنامج شامل لجبر الضرر وإعادة الإدماج.
وحملت المذكرة توقيع محمد حقيقي، نائب رئيس الرابطة وممثلها بالمغرب، والمستشار الحقوقي للتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين.
معاناة تتجاوز العقوبة
تتناول المذكرة وضعية مواطنين أنهوا عقوباتهم السجنية وأُطلق سراحهم، لكنهم، بحسب الوثيقة، ما زالوا يعانون من آثار ما تعرضوا له أثناء الحراسة النظرية والاعتقال.
وتتمثل هذه الآثار في أمراض جسدية ونفسية مزمنة، وفقدان فرص الشغل والتعليم، وسكن غير لائق، وهشاشة اجتماعية واقتصادية مستمرة، إضافة إلى الوصم الاجتماعي وغياب أي اعتراف رسمي بما جرى.
وتصف المذكرة هذه المرحلة بأنها “معاناة ما بعد الإفراج”، معتبرة أن غياب برنامج لجبر الضرر وإعادة التأهيل يحول دون عيشهم الكريم كمواطنين.
اقرأ أيضاً | «لسنا متهمين إلى الأبد».. مصطفى كريمي يفتح ملف ما بعد السجن ويطالب بجبر الضرر والإدماج
تمييز بين دور المجلس ودور الدولة
اللافت في المذكرة حرصها على ضبط حدود الاختصاص. فالرابطة تؤكد أنها لا تطلب من المجلس إصدار حكم بالتعويض لأنه لا يملك سلطة قضائية، ولا تنفيذ برنامج الجبر لأن ذلك من اختصاص الحكومة.
وتحصر طلبها في ما تعتبره صميم ولاية المجلس: تلقي الشكايات والتحقيق فيها والتوصية لدى الحكومة والبرلمان.
وتوضح أن المجلس لا يلزم وزارات الصحة والسكن والتشغيل بتقديم خدمات، ولا يتابع المسؤولين جنائيا بنفسه، وأن الدولة هي المسؤولة قانونا عن جبر الضرر وتملك سلطة التنفيذ ورصد الميزانية.
ويندرج دور المجلس، وفق المذكرة، ضمن آليات الانتصاف غير القضائية، من توثيق وتحقيق وتوصية ووساطة وتتبع.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – اختصاصات المجلس وإجراءات تلقي الشكايات
الأسس القانونية
تستند المذكرة إلى عدة مرجعيات، أبرزها:
مبادئ باريس (1993) المتعلقة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وإلى القانون رقم 76.15 الذي أعاد تنظيم المجلس وخوّله النظر في حالات الانتهاك تلقائيا أو بناء على شكاية، وإجراء التحقيقات وتنظيم جلسات الاستماع.
الفصل 161 من الدستور الذي يجعل المجلس مؤسسة وطنية مستقلة تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، دون استثناء فئة معينة من المواطنين.
الفصل 22 من الدستور الذي يحظر المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف.
المادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صادق عليها المغرب سنة 1993، والتعليق العام رقم 3 للجنة مناهضة التعذيب، الذي يوسع مفهوم الجبر ليشمل رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار.
المبادئ الأساسية للأمم المتحدة لسنة 2005 بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة.
مبادئ بلغراد (2012) حول العلاقة بين المؤسسات الوطنية والبرلمانات.
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – القانون رقم 76.15 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس
المرجع الأممي | الأمم المتحدة – اتفاقية مناهضة التعذيب وحالة الانضمام والتصديق
المرجع الأممي | الجمعية العامة للأمم المتحدة – القرار 60/147 بشأن الحق في الانتصاف وجبر الضرر لسنة 2005
المصدر الرسمي | المجلس الوطني لحقوق الإنسان – مبادئ بلغراد بشأن العلاقة بين المؤسسات الوطنية والبرلمانات
https://www.cndh.ma/ar/mbady-blghrad-bshan-allaqt-byn-almwsst-alwtnyt-lhqwq-alansan-walbrlman
وتشدد الرابطة على أن الإدانة في قضية الإرهاب لا تسقط الحق في جبر الضرر، وأن حظر التعذيب مطلق لا يقبل استثناءً أمنيا.
ادعاءات التعذيب.. 5 مطالب للرابطة العالمية إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان
الطلبات الموجهة للمجلس
تضمنت المذكرة خمسة طلبات رئيسية:
فتح تحقيق في الادعاءات عبر تلقي الشكايات الفردية والجماعية والاستماع إلى الضحايا والشهود والاطلاع على الملفات الطبية، وإعداد تقرير بالخلاصات.
إحالة ما يثبت من ادعاءات التعذيب على النيابة العامة المختصة لفتح تحقيق قضائي.
إصدار توصية رسمية للحكومة بإقرار برنامج جبر شامل يضم إعادة التأهيل الصحي والنفسي، والتعويض العادل، والإدماج الاجتماعي والاقتصادي بما فيه السكن اللائق والحماية الاجتماعية، والترضية عبر الاعتراف الرسمي وحفظ الذاكرة، وضمانات عدم التكرار.
إدراج وضعية هذه الفئة في التقرير السنوي المقدم للبرلمان وفق الفصل 160 من الدستور، ليتسنى مناقشة التوصية ومساءلة الحكومة.
بذل مساعي الوساطة مع السلطات العمومية، دون أن تحل محل التحقيق القضائي، وإخبار الرابطة بمآل الشكايات والتوصيات.
اقرأ أيضاً | «ليس امتيازاً ولا إحساناً».. 6 مطالب من قدماء المعتقلين الإسلاميين إلى المنصوري!
إشارة إلى لقاء سابق
وتذكّر المذكرة بأن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين سبق أن عرضت مطالبها في لقاء رسمي مع المجلس، شملت الإدماج الاجتماعي والسكن اللائق والرعاية الطبية، وأن المجلس قدّم حينها ضمانات بدراسة الملف.
وتلتمس الرابطة تحويل ذلك إلى (برنامج عمل مؤسساتي رسمي) عبر التحقيق والتوصية.
تحذير من الإخلال بالولاية
وتختتم الرابطة مذكرتها بالتأكيد أن عدم التدخل في حالات موثقة ليس خيارا، معتبرة أن ذلك يُعد إخلالا بالولاية التي حصل المجلس على أساسها على اعتماد الفئة (أ) من التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
كما تشدد على أن مطلبها هو جبر ضرر عن التعذيب والمعاملة القاسية، وهو (حق قائم بذاته) لا ينتهي بانتهاء العقوبة بل يستمر ما استمر الضرر، وليس مجرد مطلب مصالحة وإدماج.
