بقلم: الإدريسي بلمومن

تصاعد الخلاف بين الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحاد الأوروبي «يويفا»، الاثنين 2 نونبر 2026، بعدما كشفت وكالة رويترز وصحيفة الغارديان عن قرار جديد يسمح لأعضاء مجلس الاتحاد الدولي بالاطلاع على وثائق مشروع تجاري ملغى، قُدرت قيمة الشركة المقترحة فيه بنحو 20 مليار دولار، لكن داخل مقر «فيفا» بمدينة زيورخ السويسرية وتحت شروط صارمة للسرية، قبل أشهر من انتخابات رئاسة الاتحاد المقررة يوم 18 مارس 2027 بالعاصمة المغربية الرباط.

وجاء القرار بالتزامن مع انتهاء المهلة التي حددها «يويفا» للحصول على أجوبة مكتوبة ووثائق تتعلق بتدبير رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو لعدد من الملفات، وفي مقدمتها مشروع «FIFA Forward Enterprise» الذي كان يهدف إلى إنشاء شركة تجارية لإدارة حقوق ومسابقات كروية عالمية، قبل التخلي عنه تحت ضغط الاعتراضات.

وتكشف التطورات الجديدة استمرار الخلاف حول طريقة إعداد المشروع واتخاذ القرارات داخل «فيفا»، رغم سحبه رسمياً نهاية يوليوز الماضي، بينما يقترب موعد إغلاق باب الترشيحات للانتخابات الرئاسية المقبلة دون الإعلان رسمياً عن منافس لإنفانتينو.

تغطية وكالة رويترز | قرار إتاحة وثائق مشروع فيفا لأعضاء المجلس يوم 2 نونبر 2026

وتوضح المعطيات التي نشرتها رويترز أن الخطوة الجديدة لا تعني موافقة الاتحاد الدولي على نشر الوثائق للرأي العام أو تمكين جميع الاتحادات الوطنية من نسخها، بل تقتصر على إتاحة الاطلاع عليها لأعضاء مجلسه وفق ترتيبات محددة، وهو ما يبقي مطالب الشفافية والمساءلة محوراً أساسياً في الخلاف مع الاتحاد الأوروبي.

مشروع فيفا بقيمة 20 مليار دولار.. ماذا كان إنفانتينو يخطط لبيعه؟

بدأت الأزمة يوم 28 يوليوز 2026، عندما كشفت «فيفا» عن مشروع تأسيس شركة تجارية جديدة تحمل اسم «FIFA Forward Enterprise»، تتولى تجميع الأنشطة التجارية والتشغيلية المرتبطة بكأس العالم ومسابقات أخرى، بما يشمل حقوق البث والرعاية والتراخيص والتذاكر والضيافة وتنظيم الأحداث.

وقُدرت قيمة الشركة المقترحة بنحو 20 مليار دولار، مع إمكانية بيع حصص أقلية تصل إلى 20 في المائة لمستثمرين خارجيين، بهدف تعبئة تمويل قد يبلغ 4.2 مليارات دولار، وفق التفاصيل التي نشرتها رويترز آنذاك.

ويمثل مبلغ 20 مليار دولار القيمة التقديرية للشركة المقترحة، وليس قيمة صفقة مكتملة أو أموالاً بيعت أو خسرتها «فيفا»، كما أن مبلغ 4.2 مليارات دولار كان هدفاً تمويلياً محتملاً لم يتحول إلى عملية منفذة بعد سحب المشروع.

وتضمنت الترتيبات المقترحة دخول مستثمرين من القطاع الخاص، مع توقع اضطلاع مجموعة «Thrive Eternal» التي أسسها رجل الأعمال جوشوا كوشنر بدور رئيسي، إلى جانب استعانة الاتحاد الدولي بخدمات مصرف «جيه بي مورغان» في إعداد الجانب الاستثماري.

تقرير وكالة رويترز | تفاصيل مشروع الشركة التجارية بقيمة 20 مليار دولار وحصة المستثمرين

ودافعت «فيفا» عن المشروع باعتباره وسيلة لزيادة الموارد المخصصة لتطوير كرة القدم، مؤكدة أنها ستحتفظ بالملكية المسيطرة على الشركة وبالصلاحيات الحصرية المتعلقة بإدارة اللعبة والقرارات الرياضية والتنظيمية، وأن المستثمرين الخارجيين لن يتولوا إدارة المنافسات أو اتخاذ القرارات الكروية.

وأوضح إنفانتينو في عرض رسمي أن المقترح كان سيتيح رفع تمويل التطوير الأساسي لكل اتحاد وطني من 8 ملايين دولار خلال دورة 2023-2026 إلى 20 مليون دولار خلال دورة 2027-2030، مع إتاحة برنامج تمويل إضافي اختياري بالقيمة نفسها، شريطة الموافقة على المشروع.

غير أن «يويفا» اعترض بشدة على التوجه، معتبراً أن الحقوق التجارية والحوكمة الكروية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أصولاً قابلة للتصرف دون شفافية كافية بشأن المستفيدين والجهات المشاركة في اتخاذ القرار.

فيفا سحبت المشروع رسمياً لكنها لم تنه الجدل

حسم إنفانتينو مصير المشروع يوم 31 يوليوز 2026، عندما أعلن الاتحاد الدولي في بيان رسمي التخلي عن تنفيذه، بعدما أقر رئيس «فيفا» بأن المقترح تسبب في انقسامات لم تعد تخدم الأهداف التي وضع من أجلها.

وأوضح البيان أن المشروع كان مشروطاً بموافقة أغلبية الاتحادات الوطنية، وبإجراء مشاورات مع مجلس «فيفا» والاتحادات القارية والأطراف المعنية، قبل أن تقرر المؤسسة عدم المضي فيه نتيجة حجم الخلافات التي أثارها.

المصدر الرسمي | الاتحاد الدولي لكرة القدم، بيان إنفانتينو بشأن سحب المشروع بتاريخ 31 يوليوز 2026

ورغم هذا التراجع، لم تتوقف مطالب الاتحاد الأوروبي بالحصول على تفاصيل إعداد المشروع، بما في ذلك الوثائق المرتبطة بالتصور التجاري والجهات التي شاركت في تطويره وآليات عرضه على الأجهزة المسؤولة عن اتخاذ القرار.

وتكشف استمرار هذه المطالب أن نقطة الخلاف لم تعد مقتصرة على تنفيذ الشركة المقترحة، بل امتدت إلى كيفية اتخاذ قرار اقتصادي بهذا الحجم داخل مؤسسة تضم 211 اتحاداً وطنياً وتشرف على أهم المنافسات الكروية العالمية.

وثائق فيفا تحت السرية.. والاطلاع مشروط بالحضور إلى زيورخ

أفادت وكالة رويترز، نقلاً عن مصدر مطلع مباشرة على الملف، بأن الأمين العام للاتحاد الدولي ماتياس غرافستروم وجه رسالة إلى أعضاء مجلس «فيفا»، الاثنين 2 نونبر، يدعوهم فيها إلى تسجيل رغبتهم في الاطلاع على الوثائق الأساسية المرتبطة بمشروع الشركة التجارية الذي جرى التخلي عنه.

وكشفت صحيفة الغارديان أن عملية الاطلاع ستجري حضورياً داخل المقر الرئيسي للاتحاد بمدينة زيورخ، وفق بروتوكولات صارمة للسرية، دون أن تتضح بصورة كاملة طبيعة الوثائق التي ستوضع رهن إشارة الأعضاء أو حدود المعلومات التي سيسمح لهم بفحصها.

وحدد الاتحاد الدولي يوم 16 نونبر آخر أجل لتقديم طلبات الاطلاع، وهو موعد يسبق بيومين فقط انتهاء مهلة تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية المقررة يوم 18 نونبر.

تحقيق صحيفة الغارديان | شروط فحص وثائق مشروع فيفا والخلاف مع الاتحاد الأوروبي

ويعني هذا الإجراء أن أعضاء المجلس الراغبين في فحص الوثائق مطالبون بالتقدم بطلب قبل 16 نونبر، بينما لا تتضمن المعطيات المنشورة إعلاناً عن إتاحة الملفات كاملة للعموم أو نشرها على الموقع الرسمي للاتحاد الدولي.

كما لا تثبت التقارير أن جميع أعضاء المجلس سيحصلون على نسخ من الوثائق أو أن نطاق الاطلاع سيكون مطابقاً لما طلبه «يويفا»، إذ لا تزال طبيعة المواد المتاحة وحدود استخدامها غير واضحة.

وتزداد أهمية هذه التفاصيل بالنظر إلى تقارب المواعيد بين طلبات الاطلاع وإغلاق باب الترشيحات، دون أن يشكل هذا التقارب الزمني وحده دليلاً على وجود نية للتأثير في العملية الانتخابية أو منع أي مرشح محتمل من الاطلاع على المعلومات.

اليويفا يطالب بالمحاسبة وإنفانتينو يواجه أسئلة تتجاوز المشروع الملغى

بدأ التصعيد الحالي بعد رسالة وجهها الأمين العام للاتحاد الأوروبي ثيودور ثيودوريديس إلى نظيره في «فيفا» يوم 19 أكتوبر 2026، مطالباً بإجابات مكتوبة ووثائق داعمة بشأن ملفات مرتبطة بإدارة المؤسسة خلال السنة الأخيرة، مع تحديد الاثنين 2 نونبر موعداً نهائياً للرد.

وشملت الأسئلة ظروف إعداد مشروع الشركة التجارية، وآليات اتخاذ القرار، وبعض الملفات التأديبية، ومن بينها قضية اللاعب فولارين بالوغون، إضافة إلى جائزة «فيفا» للسلام وعلاقة المؤسسة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وترتيبات الانتخابات الرئاسية المقبلة.

واختلفت التغطيات الإعلامية في طريقة احتساب الأسئلة والطلبات الواردة بالمراسلات، إذ تحدثت رويترز في تقريرها الصادر يوم 20 أكتوبر عن 42 سؤالاً موزعة على 12 موضوعاً، بينما أشارت الغارديان إلى وثيقة من ثماني صفحات تضم أكثر من 50 سؤالاً وطلباً، قبل أن يرد في تقرير رويترز الجديد رقم يتجاوز 100 سؤال.

ولا تسمح هذه المعطيات وحدها بتحديد العدد النهائي للأسئلة والطلبات الفرعية دون الاطلاع على الوثيقة الكاملة وطريقة تصنيف بنودها، لكنها تتفق على أن «يويفا» طالب بمعلومات تفصيلية تتجاوز مشروع الشركة التجارية وحده.

تغطية رويترز | رسالة الاتحاد الأوروبي ومهلة الرد على أسئلة إدارة فيفا

ولم يتوصل الاتحاد الأوروبي، وفق ما نشرته رويترز والغارديان يوم 2 نونبر، بالرد التفصيلي الذي طلبه داخل الأجل المحدد، في حين اعتبرت «فيفا» أن مهلة الأسبوعين غير كافية لمعالجة جميع الأسئلة والوثائق المطلوبة.

وبرر الاتحاد الدولي موقفه بانشغالاته التنظيمية، ومنها التحضير لمؤتمر استثنائي مقرر يوم 23 نونبر بشأن استضافة نسختي كأس العالم للسيدات لعامي 2031 و2035، إضافة إلى وجود إجراءات قانونية أمريكية تفرض قيوداً على بعض جوانب الملف.

وأكدت «فيفا» أنها تعتزم الرد على أعضاء المجلس في الوقت المناسب، مستندة أيضاً إلى قواعد الحوكمة التي تنظم سرية اجتماعات المجلس والوثائق المرتبطة بها، وهو موقف يختلف عن مطالبة «يويفا» بتقديم أجوبة محددة داخل المهلة التي وضعها.

أربع محاكم أمريكية تدخل على خط وثائق المشروع

أخذ الخلاف بعداً قانونياً بعدما كشفت الغارديان أن الاتحاد الأوروبي تقدم خلال شهر غشت بطلبات أمام أربع محاكم أمريكية للحصول على وثائق متعلقة بمشروع «FIFA Forward Enterprise»، في إطار مساعٍ قد تدعم تقديم شكوى جنائية محتملة في سويسرا بشأن شبهات سوء التدبير المالي.

وأوضحت الصحيفة أن القرارات الأولية بشأن هذه الطلبات لم تكن قد صدرت حتى 2 نونبر، وأن الإجراءات القضائية قد تؤثر في نطاق المعلومات التي يمكن توفيرها لأعضاء مجلس «فيفا».

ولا تعني هذه الطلبات صدور حكم قضائي بثبوت مخالفات مالية أو إدانة إنفانتينو، كما لا تثبت أن شكوى جنائية نهائية قد أودعت في سويسرا أو أن السلطات القضائية خلصت إلى وجود جرائم.

ونفت «فيفا» ارتكاب رئيسها أي مخالفات، وسبق أن اتهمت الاتحاد الأوروبي بممارسة المضايقة ونشر معلومات مضللة، بينما يتمسك الطرف الأوروبي بمطلب الكشف عن ظروف إعداد المشروع وقرارات المؤسسة.

ويظل التمييز ضرورياً بين الاعتراضات المؤسسية، وطلبات الحصول على الأدلة، والادعاءات المحتملة بشأن التدبير المالي، والنتائج التي قد تصدر لاحقاً عن السلطات القضائية المختصة.

انتخابات فيفا بالرباط.. 18 مارس موعد الحسم الرئاسي

تتزامن هذه التطورات مع استعداد العاصمة المغربية الرباط لاستضافة المؤتمر السابع والسبعين للاتحاد الدولي لكرة القدم، المقرر يوم الخميس 18 مارس 2027، والذي ستجرى خلاله انتخابات رئاسة المؤسسة العالمية.

وأكدت «فيفا» هذا الموعد رسمياً في بلاغ صادر يوم 30 أبريل 2026، عقب مؤتمرها السادس والسبعين بمدينة فانكوفر الكندية، حيث أعلن جياني إنفانتينو عزمه الترشح مجدداً لرئاسة الاتحاد الذي يقوده منذ فبراير 2016.

المصدر الرسمي | فيفا تؤكد تنظيم المؤتمر السابع والسبعين وانتخابات الرئاسة بالرباط يوم 18 مارس 2027

وستسبق انتخابات الرباط مرحلة حاسمة يوم 18 نونبر 2026، وهو آخر أجل لتقديم الترشيحات المحتملة، فيما تتحدث تقارير إعلامية عن تحركات داخل الأوساط الكروية الأوروبية للبحث عن منافس لإنفانتينو.

ونقلت الغارديان عن مصادرها وجود تقدم في المشاورات الرامية إلى تحديد مرشح بديل، دون أن تعلن الأطراف المعنية رسمياً اسماً منافساً حتى تاريخ نشر التقرير.

وفي المقابل، أفادت رويترز بأن رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أعلن دعمه لإنفانتينو لولاية جديدة، في مؤشر على اختلاف مواقف الاتحادات القارية بشأن استمراره على رأس المؤسسة.

وتكتسب استضافة الرباط لهذا المؤتمر أهمية خاصة للمغرب، بالنظر إلى ارتباطه المتزايد بالمؤسسة الدولية في سياق التحضير المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، وما يرافق ذلك من ترتيبات تنظيمية ومالية وتشريعية.

وكان موقع MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق مقتضيات مشروع قانون المالية لسنة 2027 المتعلقة بإعفاءات ضريبية وجمركية مقترحة لفائدة «فيفا» وهيئات وشركات مرتبطة بها، تمتد بعض آجالها إلى نهاية سنة 2032، مع التمييز بين المقترحات التشريعية والأحكام التي تدخل حيز التنفيذ بعد استكمال مسطرة اعتمادها.

اقرأ أيضاً | المغاربة يدفعون الضرائب و«فيفا» أمام إعفاءات حتى 2032.. أين فاتورة المونديال؟!

ولا توجد معطيات تثبت ارتباط هذه الإعفاءات المغربية بمشروع الشركة التجارية الملغى أو بالإجراءات التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي، إذ يتعلق الأمر بملفات مختلفة من حيث الإطار القانوني والجهات المعنية، وإن كانت جميعها ترتبط بأنشطة الاتحاد الدولي وتدبير موارده.

وتتزامن الاستعدادات المغربية للمؤتمر أيضاً مع نشر تقارير رسمية جديدة عن تدبير النزاعات والعقوبات داخل المنظومة الكروية الدولية، من بينها التقرير السنوي للجان الانضباط والاستئناف والأخلاقيات التابعة لـ«فيفا»، الذي أظهر تسجيل 37 قراراً لمنع تسجيل اللاعبين شملت 18 نادياً مغربياً خلال موسم 2025-2026.

اقرأ أيضاً | 37 قراراً لمنع تسجيل اللاعبين تطال 18 نادياً مغربياً.. «فيفا» تضع المغرب سابعاً عالمياً!

وتبقى هذه القرارات التأديبية منفصلة عن النزاع الدائر بين «فيفا» و«يويفا» بشأن المشروع التجاري، ولا تشكل دليلاً على وجود علاقة بين ملفات الأندية المغربية والخلاف المؤسسي حول إدارة الاتحاد الدولي.

وحتى 2 نونبر 2026، لم تكن الوثائق الأساسية للمشروع الملغى قد نشرت للعموم، ولم تعلن «فيفا» استجابة كاملة لمطالب الاتحاد الأوروبي، فيما يقترب موعد تقديم الترشيحات الرئاسية قبل انعقاد المؤتمر الانتخابي بالمغرب في مارس المقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version