بقلم: قويدر عبد الرحيم
كشفت وثائق رسمية لوزارة الدفاع الإسبانية عن مشروع لإنشاء منشأة عسكرية مخصصة للتدريب على القتال تحت الأرض بمدينة مليلية، بعدما طرحت القيادة العسكرية الإسبانية صفقة مستعجلة بقيمة تقديرية تبلغ 180 ألف يورو لاقتناء مواد البناء اللازمة لإنجاز المنشأة داخل ثكنة «مييان أستراي»، على أن يتولى فوج المهندسين العسكريين رقم 8 تنفيذ الأشغال، في تطور يعيد تسليط الضوء على برامج التدريب القتالي التي تطورها القوات الإسبانية بالمدينة المحاذية للتراب المغربي والخاضعة للإدارة الإسبانية.
الوثيقة المنشورة في الجريدة الرسمية الإسبانية «BOE»، بتاريخ 13 أكتوبر 2026، تحت المرجع BOE-B-2026-33198، تحمل إعلاناً صادراً عن رئاسة الشؤون الاقتصادية التابعة للقيادة العامة لمليلية، ويتعلق باقتناء مواد بناء لتشييد منشأة تحت أرضية مخصصة للتعليم والتدريب على القتال في البيئات الجوفية داخل ثكنة «مييان أستراي»، التي تحتضن وحدات تابعة للفيلق الإسباني، وفق ما تحدده وثائق المؤسسة العسكرية الإسبانية.
المصدر الرسمي | الجريدة الرسمية الإسبانية BOE – إعلان الصفقة العسكرية رقم BOE-B-2026-33198
القتال تحت الأرض بمليلية.. لماذا استعجلت إسبانيا إنشاء المنشأة؟
تكمن إحدى أبرز معطيات الصفقة في اعتماد مسطرة مفتوحة مع تسريع إجراءات إسنادها، بعدما قدمت القيادة العسكرية الإسبانية تبريراً يرتبط بما وصفته بالحاجة الملحة وغير القابلة للتأجيل إلى توفير قدرات تدريبية تسمح لوحدات القوات البرية الموجودة بمليلية بالعمل في مختلف أنواع التضاريس والظروف العملياتية، والوصول إلى مستوى التأهيل الضروري لتنفيذ المهام العسكرية الموكولة إليها بكفاءة.
هذا التبرير، الوارد صراحة في الإعلان الرسمي، يوضح الغرض التدريبي المعلن للمشروع، لكنه لا يحدد تهديداً عسكرياً معيناً ولا يشير إلى دولة مستهدفة، كما أن استعمال المسطرة المستعجلة لا يعني إبرام عقد مباشر خارج المنافسة، إذ يتعلق الأمر بطلب عروض مفتوح خاضع لإجراءات تقييم محددة.
وتكشف الصياغة الإسبانية لموضوع الصفقة أن المنشأة ليست مجرد مستودع تحت أرضي أو توسعة عادية لمرافق الثكنة، بل مشروع مخصص للتعليم والتدريب على القتال في باطن الأرض، وهو مجال عسكري يرتبط بالعمل داخل الأنفاق والممرات والمنشآت الجوفية، حيث تختلف ظروف الحركة والرؤية والاتصال والإخلاء عن ساحات التدريب التقليدية.
المعطى المؤكد هو أن المؤسسة العسكرية الإسبانية تريد توفير بنية تدريبية مخصصة لهذا المجال داخل مليلية، بينما لا تتضمن وثيقة الإعلان تصميماً هندسياً للمنشأة أو تحديداً لعمقها ومساحتها وعدد عناصر الجيش الذين ستستوعبهم.
180 ألف يورو موزعة على ثلاث حصص.. ماذا ستشتري المؤسسة العسكرية؟
تبلغ القيمة التقديرية لصفقة التوريدات 180 ألف يورو، موزعة على ثلاث حصص تتعلق بتوفير المواد اللازمة لتنفيذ المشروع، وفق بيانات ملف التعاقد الإسباني التي تعرضها منصات متخصصة في تتبع الصفقات العمومية.
خصصت الحصة الأولى مبلغ 84 ألفاً و660 يورو لاقتناء الخرسانة والركام، فيما تبلغ قيمة الحصة الثانية 22 ألفاً و220 يورو لتوفير الفولاذ وحديد التسليح، بينما رُصدت للحصة الثالثة اعتمادات بقيمة 73 ألفاً و120 يورو، تشمل مواد بناء متنوعة.
ويبلغ مجموع هذه الحصص 180 ألف يورو، وهو المبلغ المطابق للقيمة التقديرية المعلنة رسمياً، غير أن هذه الأرقام تخص شراء المواد المطلوبة في عقد توريدات، ولا يجوز اعتبارها تلقائياً الكلفة النهائية الكاملة للمنشأة، بما قد تتطلبه من أشغال أو تجهيزات أو موارد إضافية لا يحددها هذا الإعلان.
بيانات مكملة | منصة ContratosMelilla غير الحكومية – تفاصيل الحصص الثلاث ومراحل ملف الصفقة
تمنح معايير اختيار الموردين وزناً حاسماً للأسعار الوحدوية للمواد المعروضة، بنسبة 90 في المائة، مقابل 5 في المائة لوتيرة التوريد و5 في المائة لآجال التسليم، كما تتضمن شروط التنفيذ احترام التشريعات العمالية وقواعد الوقاية من المخاطر المهنية ومتطلبات التدبير البيئي للنفايات.
وتؤكد هذه المعايير أن موضوع المنافسة هو توريد مواد البناء، وليس التعاقد مع شركة خاصة لتنفيذ مجمل أشغال المنشأة، إذ تحدد الوثيقة فوج المهندسين العسكريين الإسباني رقم 8 باعتباره الوحدة المكلفة بعملية البناء.
من أكتوبر إلى دجنبر 2026.. أين وصلت الصفقة؟
تشير البيانات الرسمية إلى إرسال الإعلان إلى النشر الأوروبي يوم 3 أكتوبر 2026، قبل نشر ملف طلب العروض على المنصة الإسبانية للصفقات العمومية يوم 5 أكتوبر، ثم ظهوره في الجريدة الرسمية الإسبانية بتاريخ 13 أكتوبر، وهو ما يعني أن المشروع كان قد دخل المسار التعاقدي قبل نشره في العدد المذكور من الجريدة الرسمية.
حدد الإعلان الساعة التاسعة صباحاً من يوم 20 أكتوبر 2026 آخر أجل لتلقي عروض الشركات، مع برمجة فتح الملفات الإدارية في اليوم نفسه، وفتح العروض المالية يوم 26 أكتوبر.
وتبرز بيانات المتابعة المنشورة على منصة ContratosMelilla تسجيل محضرين مرتبطين بمراحل دراسة الملف بتاريخ 28 أكتوبر 2026، بينما كانت حالة الصفقة معروضة باعتبارها قيد التقييم، دون تحديد متعهد فائز أو مبلغ إسناد نهائي في البيانات المتاحة.
وتنص الوثيقة الرسمية على فترة تنفيذ تقديرية تبدأ في 9 نونبر وتنتهي في 10 دجنبر 2026، مع توضيح أن بداية الأجل الفعلي ترتبط بإبرام العقد، ولذلك لا تمثل هذه المواعيد دليلاً على انطلاق أشغال المنشأة أو اكتمال إجراءات إسناد التوريدات.
وثيقة عسكرية من 2016 تكشف تاريخ التدريب على القتال تحت الأرض بمليلية
يكتسب المشروع أهميته من وجود سوابق موثقة لهذا النوع من التدريب لدى القوات الإسبانية بمليلية، إذ تكشف مجلة «La Legión» الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسبانية، في عددها 536 لسنة 2016، عن برنامج متخصص في القتال تحت الأرض شاركت فيه عناصر تابعة لفوج «غران كابيتان» الموجود بالمدينة.
وتوضح الصفحتان 18 و19 من العدد المذكور أن الفصيلة الأولى من السرية الثالثة التابعة لوحدة «القائد فرانكو» خضعت لبرنامج إعداد يرمي إلى تأهيلها كوحدة متخصصة في القتال داخل البيئات الجوفية، تحت إشراف القيادة العامة لمليلية.
تضمن البرنامج ثلاث مراحل، بدأت بتكوين الأطر العسكرية ضمن برنامج «PICAS»، وهو اختصار إسباني للإعداد المتكامل للقتال في البيئات تحت الأرضية، قبل الانتقال إلى تدريبات نظرية وتطبيقية بمليلية، ثم تنظيم تمارين تكتيكية داخل مواقع منجمية في جنوب إسبانيا.
وجرت هذه التمارين بمناجم سييرا ألامييا في إقليم ألميريا ومناجم ألكيفي في إقليم غرناطة، وشملت التدريب على الملاحة في الأماكن المغلقة وإجراءات السلامة والإسعاف والإخلاء والتعامل مع ظروف الظلام الكامل، إلى جانب عمليات الحركة والاتصال واستعمال التجهيزات العسكرية داخل البيئات الجوفية.
وتوثق المجلة انتقال الفصيلة إلى مرحلة تقييم نهائية خلال يونيو 2016، انتهت، وفق التقرير العسكري المنشور آنذاك، بحصولها على شهادة التأهيل كوحدة قتال في البيئات تحت الأرضية تابعة للقيادة العامة بمليلية.
المصدر العسكري الأصلي | وزارة الدفاع الإسبانية – مجلة La Legión، العدد 536 لسنة 2016، الصفحتان 18 و19
وتدعم هذه المعطيات وثيقة أخرى نشرها الموقع الرسمي للجيش الإسباني بتاريخ 17 يونيو 2016، تؤكد أن الفيلق كان قد شرع في تطوير برنامج «PICAS» لتوحيد تقنيات وإجراءات التدريب على العمل داخل المناجم والأنفاق والكهوف وشبكات الصرف، بمشاركة عناصر من مؤسسات عسكرية وأمنية إسبانية وضباط من الجيش الإيطالي.
المصدر الرسمي | الجيش الإسباني – تقرير 17 يونيو 2016 حول برنامج التدريب على القتال تحت الأرض
وتسمح المقارنة بين وثائق 2016 وإعلان أكتوبر 2026 بتحديد تطور واضح في البنية التدريبية المخطط لها، بعدما كانت وحدات من مليلية تستفيد من مواقع منجمية خارج المدينة لإنجاز جانب من تمارينها، بينما يتعلق المشروع الجديد بتوفير منشأة مخصصة لهذا النوع من التدريب داخل ثكنة عسكرية بمليلية نفسها.
غير أن التشابه في طبيعة التدريب لا يثبت وجود ارتباط إداري مباشر بين برنامج 2016 والصفقة الجديدة، ولا يسمح بالقول إن المشروع يمثل عقيدة قتالية مستحدثة أو تحولاً في الأهداف العسكرية الإسبانية.
ثكنة «مييان أستراي».. ما أهمية موقع المنشأة الجديدة؟
تحتضن ثكنة «مييان أستراي» فوج «غران كابيتان» الأول التابع للفيلق الإسباني، وتؤكد الصفحة الرسمية للجيش الإسباني أن المجمع العسكري يضم مرافق لإيواء الجنود والتكوين والمحاكاة والخدمات اللوجستية، فضلاً عن منشآت تستعملها وحدات عسكرية أخرى، من بينها عناصر فوج المهندسين رقم 8.
وتشير بيانات الجيش الإسباني إلى أن مساحة المجمع تبلغ نحو 447 ألفاً و655 متراً مربعاً، منها 27 ألفاً و219 متراً مربعاً من المباني، وهي أرقام تخص الثكنة القائمة بأكملها ولا تعبر عن مساحة منشأة التدريب تحت الأرض التي تتناولها الصفقة الجديدة.
المصدر الرسمي | الجيش الإسباني – تعريف ثكنة Millán Astray ومرافقها العسكرية بمليلية
مليلية بين التحديث العسكري والحساسية السياسية المغربية الإسبانية
تكتسب الصفقة بعداً سياسياً بحكم موقع مليلية المتاخم للمغرب، واستمرار الخلاف التاريخي حول وضع المدينة، التي تعتبرها إسبانيا جزءاً من ترابها الوطني، بينما تطالب قوى سياسية مغربية باسترجاعها إلى جانب سبتة.
وكان ملف المدينتين قد عاد إلى الواجهة خلال أكتوبر 2026، عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الملك الإسباني فيليبي السادس يومي 13 و14 أكتوبر إلى سبتة ومليلية، وما أثارته من انتقادات لدى أطراف سياسية مغربية، فضلاً عن النقاش الأوروبي بشأن الوضعية الخاصة للمدينتين.
اقرأ أيضاً | «تصعيد ضد المغرب دولة وشعباً».. تحالف اليسار يهاجم زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية وينتقد صمت الحكومة!
وتناولت تغطية سابقة لـMarocActu24 تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بشأن ثلاث نقاط مرتبطة بسبتة ومليلية ضمن مسودة خلاصات قمة أوروبية انعقدت ببروكسل يومي 15 و16 أكتوبر، وهو تطور يندرج في السياق السياسي والدبلوماسي للمدينتين، لكنه منفصل من حيث الموضوع والجهة المصدرة عن صفقة التدريب العسكري.
اقرأ أيضاً | سبتة ومليلية أمام قادة 27 دولة أوروبية.. سانشيز يحتفي بـ3 نقاط في مسودة قمة بروكسل!
وتسمح الوثائق المتاحة بإثبات وجود مشروع معلن لتطوير منشأة تدريب عسكرية تحت الأرض، وتحديد قيمته التقديرية وطبيعة مواده والجهة العسكرية المكلفة بتنفيذه، لكنها لا تتضمن معلومات تربط المنشأة بعملية عسكرية موجهة ضد المغرب، ولا تشير إلى خطة هجومية أو تغيير معلن في انتشار القوات الإسبانية بالمدينة.
وتظل المعطيات التي تحتاج إلى متابعة مرتبطة بالقرار النهائي لإسناد حصص التوريد، والكلفة الكاملة للمشروع، والتصميم الهندسي للمنشأة، وموعد دخولها الخدمة، وهي تفاصيل لم يحسمها الإعلان المنشور في الجريدة الرسمية الإسبانية، رغم ما يكشفه من توجه واضح إلى تطوير البنية المخصصة للتدريب على القتال تحت الأرض داخل مليلية.


