بقلم: قويدر عبد الرحيم
لم تمض سوى 13 يوماً على تقديم رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برنامجها أمام البرلمان، حتى استقبل المغاربة شهر نونبر بزيادات جديدة في أسعار الغازوال وصلت إلى درهم كامل للتر الواحد، ابتداء من الساعات الأولى ليوم الأحد فاتح نونبر 2026، في تطور يضع تعهدات الحكومة الجديدة بحماية القدرة الشرائية ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة أمام اختبار مبكر، وسط اضطرابات أسواق الطاقة الدولية وتفاوت الزيادات بين شركات توزيع المحروقات.
وكشفت صحيفة Médias24، في خبر نشرته بعد منتصف الليل، أن أسعار الغازوال ارتفعت بما يتراوح بين 50 سنتيماً ودرهم للتر، ليقترب السعر من 17 درهماً في بعض المحطات، بمتوسط إرشادي يقارب 16.90 درهماً، مع اختلاف الأسعار الفعلية بحسب الشركات والمناطق.
متابعة صحفية | Médias24، ارتفاع أسعار الغازوال ابتداء من فاتح نونبر 2026
وتأتي هذه الزيادة بعد تراجع محدود للأسعار في منتصف أكتوبر، بينما لم يتبع البنزين الممتاز الاتجاه نفسه، إذ أشارت التغطيات الصحفية إلى تخفيضات متفاوتة، قدرتها Médias24 بعشرة سنتيمات، مقابل معطيات مهنية نقلتها هسبريس عن تخفيضات منتظرة تتراوح بين 25 و50 سنتيماً لدى بعض الموزعين.
أسعار المحروقات بالمغرب.. نصف درهم يفصل بين زيادات الشركات
تكتسب مراجعة فاتح نونبر أهمية إضافية بسبب اختلاف مقدار الزيادة بين الموزعين، بعدما نقلت هسبريس عن مصدر مهني من الجامعة الوطنية لأرباب وتجار ومسيري محطات الوقود أن أحد كبار الفاعلين في السوق قرر رفع سعر الغازوال بنصف درهم للتر، بينما اتجه موزع آخر إلى زيادة تقارب درهماً كاملاً.
وأشار المصدر إلى أن هذا التفاوت أثار استغراباً داخل الأوساط المهنية، مع ترقب احتمال تصحيح الأسعار أو تعديلها خلال الأيام المقبلة، دون صدور معطيات نهائية تحدد أسباب الاختلاف بين الشركات.
ويعني ذلك أن تعبئة خزان سيارة بسعة 50 لتراً أصبحت تكلف ما بين 25 و50 درهماً إضافياً، بحسب الزيادة المطبقة، وهو حساب مباشر لا يشمل أي تغير آخر في سعر الوقود أو حجم الاستهلاك.
ولا يكفي اختلاف الزيادة بين موزعين لإثبات وجود تلاعب بالأسعار أو مخالفة لقواعد المنافسة، إذ يمكن أن تتدخل كلفة المشتريات السابقة وسياسات التسعير والمخزون وهوامش التوزيع، لكن تحديد مساهمة كل عنصر يتطلب بيانات تفصيلية عن الأسعار والتكاليف المعتمدة لدى الشركات.
متابعة صحفية | هسبريس، مصدر مهني يكشف تفاوت زيادات الغازوال بين الشركات يوم فاتح نونبر
برنت عند 117.64 دولاراً.. لكن هل يفسر وحده ارتفاع الغازوال؟
تزامنت الزيادة الجديدة مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية، بعدما أغلقت العقود الآجلة لخام برنت تسليم دجنبر، الجمعة 30 أكتوبر 2026، عند 117.64 دولاراً للبرميل، بزيادة بلغت 2.4 في المائة خلال الجلسة، بينما استقر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي عند 104.12 دولارات.
وكشفت وكالة رويترز أن خام برنت أنهى أكتوبر بمكاسب شهرية بلغت 13.6 في المائة، وسط مخاوف بشأن أمن الإمدادات النفطية وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تعرض ناقلة لهجوم في مضيق هرمز.
وتجدر الإشارة إلى أن سعر 117.64 دولاراً يخص عقد برنت لتسليم دجنبر الذي انتهى تداوله يوم الجمعة، بينما أغلقت عقود يناير الأكثر تداولاً عند 113.43 دولاراً، وهو تمييز ضروري عند قراءة الأسعار الدولية ومقارنتها بالفترات اللاحقة.
المصدر الدولي | رويترز، إغلاق أسعار النفط يوم 30 أكتوبر 2026 وتطور المخاطر المرتبطة بالإمدادات
غير أن المقارنة المباشرة بين ارتفاع خام برنت والزيادة المسجلة بمحطات الوقود المغربية لا تكفي لتحديد مدى تناسب الأسعار، لأن السوق الوطنية تعتمد أساساً على استيراد المنتجات البترولية المكررة، وتتأثر كلفة بيعها بأسعار اقتناء الغازوال والبنزين وسعر صرف الدرهم والنقل والتخزين والضرائب وهوامش مختلف المتدخلين.
وتوضح وثائق مجلس المنافسة أن الأسعار المرجعية الأساسية للمنتجات المكررة تأتي من أسواق شمال غرب أوروبا، وخاصة منطقة أمستردام وروتردام وأنتويرب، وأن المراجعات الدورية للأسعار بالمغرب تستند إلى متوسطات الأسعار الدولية خلال الفترات السابقة.
وبذلك، لا يمكن اعتبار إغلاق برنت يوم 30 أكتوبر تفسيراً محاسبياً مباشراً لزيادة فاتح نونبر، دون مقارنة الأسعار المرجعية للغازوال المكرر وتكاليف التزود الفعلية خلال الفترة المعنية.
مجلس المنافسة يراقب.. ماذا تقول أرقام الزيادات السابقة؟
كان مجلس المنافسة قد أعلن، يوم 27 مارس 2026، تعزيز مراقبة سوق المحروقات والانتقال استثنائياً من التتبع الفصلي إلى التتبع الشهري، بهدف فحص كيفية انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق المغربية بصورة متناسبة وداخل آجال معقولة.
وأكد المجلس أن تقلب الأسعار ينبغي أن يعكس تطور الأسواق الدولية مع مراعاة إكراهات التزود والتخزين، مشدداً على متابعة أي ارتفاع غير مبرر في الأسعار أو الهوامش وأي مؤشرات محتملة على ممارسات منافية للمنافسة.
المصدر الرسمي | مجلس المنافسة، بلاغ 27 مارس 2026 بشأن تشديد مراقبة أسعار الغازوال والبنزين
وتوفر مذكرة أصدرها المجلس في فاتح يونيو 2026 مثالاً على كيفية قياس انتقال تغيرات الأسعار، إذ أظهرت أن الأسعار المرجعية الدولية للغازوال المكرر ارتفعت تراكمياً بما يعادل 4.24 دراهم للتر بين فاتح مارس و16 ماي، مقابل زيادة بلغت 4.18 دراهم في أسعار البيع بالمحطات المغربية.
ويبلغ الفرق بين الزيادتين ستة سنتيمات للتر، وهو ما اعتبره المجلس تقارباً إجمالياً في انتقال الأسعار خلال تلك الفترة، مع تسجيل اختلافات بين الفترات نصف الشهرية وبين الغازوال والبنزين.
وتكشف تفاصيل المذكرة أن انخفاض الأسعار الدولية للغازوال المكرر خلال النصف الأول من ماي بلغ 1.60 درهم للتر، بينما تراجعت الأسعار بالمضخات بنحو 89 سنتيماً، ما يبرز أهمية دراسة توقيت انتقال الانخفاضات والارتفاعات، وليس الاكتفاء بالمقارنة الإجمالية.
ولا تسمح هذه النتائج بالحكم على زيادات فاتح نونبر، لأنها تغطي فترة سابقة، كما أن اختلاف الظروف والتكاليف وأسعار الاستيراد يفرض تقييماً جديداً للمعطيات الخاصة بالمراجعة الأخيرة.
المصدر الرسمي | مجلس المنافسة، مذكرة فاتح يونيو 2026 حول انتقال أسعار المحروقات الدولية إلى السوق المغربية، الصفحتان 3 و4
المنصوري أمام أول اختبار لتعهدات حماية القدرة الشرائية
تأتي هذه التطورات بعد تقديم فاطمة الزهراء المنصوري البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام مجلسي البرلمان يوم 19 أكتوبر، حيث وضعت تحسين القدرة الشرائية وتقوية مداخيل الأسر ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة ضمن المحاور الاجتماعية الأساسية للحكومة الجديدة.
وتضمن البرنامج إجراءات تتعلق بالرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح الضريبة على الدخل لتحسين الأجور الصافية، ومراجعة مسالك توزيع بعض المنتجات الأساسية، إلى جانب تدابير مرتبطة بفواتير الكهرباء والحماية الاجتماعية.
وحصلت الحكومة على ثقة مجلس النواب يوم الخميس 22 أكتوبر بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتاً معارضاً، لتنتقل بعدها من مرحلة تقديم الالتزامات إلى مسؤولية تنفيذها.
المصدر الرسمي | مجلس النواب، المصادقة على البرنامج الحكومي بتاريخ 22 أكتوبر 2026
اقرأ أيضاً | 204 أصوات تنصّب حكومة المنصوري بفارق 6 فقط.. «برلمان التصفيق» أم بداية المحاسبة؟
ولا تعني زيادة الغازوال، بعد أقل من أسبوعين على عرض البرنامج، أن الحكومة تخلت عن تعهداتها أو أن إجراءات حماية القدرة الشرائية فشلت بالفعل، خصوصاً أن تنفيذ الالتزامات الاجتماعية يمتد على سنوات، وأن الأسعار الدولية للطاقة تخضع لعوامل خارج نطاق القرار الحكومي.
لكن الارتفاع المبكر يضع الحكومة أمام مسؤولية توضيح التدابير المتاحة للتخفيف من انتقال كلفة الطاقة إلى الأسر والأنشطة الاقتصادية، ومدى استمرار الدعم الموجه لمهنيي النقل، وكيفية مراقبة تأثير تكاليف المحروقات على أسعار السلع والخدمات.
الضرائب على المحروقات.. ماذا يصل فعلياً إلى المستهلك؟
لا تقتصر أدوات تدخل الدولة على مراقبة المنافسة، إذ تشمل كذلك السياسة الضريبية والحماية الاجتماعية وتنظيم الدعم الموجه لبعض القطاعات المتأثرة بتقلبات أسعار الطاقة.
وكان MarocActu24 قد كشف، في مقال نشر يوم 26 أكتوبر 2026 استناداً إلى تقرير النفقات الجبائية المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن الكلفة المقدرة لتطبيق السعر المخفض للضريبة على القيمة المضافة على المنتجات البترولية تبلغ 7.876 مليارات درهم سنة 2026، مع توقع وصولها إلى 10.038 مليارات درهم في أفق 2030.
وتعكس هذه الأرقام تقديرات للكلفة الجبائية مقارنة بالنظام الضريبي المرجعي، وليست مبالغ نقدية تصرفها الدولة لشركات التوزيع، كما لا تكشف وحدها مقدار الاستفادة الفعلية للمستهلك من السعر الضريبي المخفض.
وتبرز أهمية هذه المعطيات في تقييم الأدوات المالية المعتمدة لحماية القدرة الشرائية، خاصة أن استمرار المعاملة الضريبية المخفضة لا يمنع ارتفاع الأسعار النهائية إذا زادت تكاليف الاستيراد وباقي مكونات السعر.
اقرأ أيضاً | ألف مليار سنتيم سنوياً كلفة تخفيض ضريبة المحروقات في أفق 2030.. أين نصيب المستهلك؟
من سعر المضخة إلى تكلفة المعيشة.. ما الذي يمكن قياسه؟
يمتد الأثر المباشر لارتفاع الغازوال إلى أصحاب السيارات ومهنيي النقل والأنشطة التي تعتمد عليه في تشغيل المعدات ونقل البضائع، بينما يتوقف انتقال الزيادة إلى أسعار المنتجات والخدمات على حصة الوقود ضمن تكاليف كل نشاط وطبيعة المنافسة والعقود المعتمدة.
ولا تسمح الزيادة المسجلة يوم فاتح نونبر بتحديد نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو خدمات النقل مسبقاً، لأن ذلك يحتاج إلى بيانات قطاعية عن التكاليف والأسعار المطبقة بالفعل، وليس مجرد افتراض انتقال الزيادة بكاملها إلى المستهلك.
وتصبح متابعة تطور أسعار المحروقات بالمغرب خلال الأسابيع المقبلة مرتبطة بثلاثة معطيات قابلة للقياس، هي تغير أسعار الغازوال المكرر في الأسواق المرجعية، وحجم انتقال هذه التغيرات إلى أسعار المضخات، والتدابير التي ستعلنها الحكومة للتعامل مع انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية.
وتصبح متابعة تطور أسعار المحروقات بالمغرب خلال الأسابيع المقبلة مرتبطة بثلاثة معطيات قابلة للقياس، هي تغير أسعار الغازوال المكرر في الأسواق المرجعية، وحجم انتقال هذه التغيرات إلى أسعار المضخات، والتدابير التي ستعلنها الحكومة للتعامل مع انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية.
