بقلم: الباز عبدالإله
انتقادات فوزي لقجع للسياسات الاقتصادية السابقة أعادت طرح سؤال المسؤولية الحكومية عن اختيارات السنوات الماضية، بعدما وصف وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، الجمعة 23 أكتوبر 2026، بعض التوجهات التي طبعت المرحلة السابقة بأنها ساهمت في انتشار الريع والاحتكار والربح الفاحش، مستعملاً تعبيري «الرأسمالية المتوحشة» و«النيوليبرالية»، رغم أنه كان أحد المسؤولين الأساسيين عن إعداد الميزانيات وتنفيذها داخل حكومة عزيز أخنوش منذ أكتوبر 2021.
وجاءت تصريحات لقجع خلال عرضه التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لمشروع قانون المالية رقم 60.26 لسنة 2027 أمام البرلمان، في خطاب قدّم فيه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها بداية مرحلة تستهدف «تغيير الاتجاه»، من خلال إعادة التوازن بين السياسات الاقتصادية والالتزامات الاجتماعية.
غير أن هذا التشخيص يفتح نقاشاً يتجاوز مضمون مشروع الميزانية الجديدة، إلى موقع الوزير نفسه داخل الجهاز التنفيذي الذي أدار السياسات المنتقدة، وحدود مساهمته السابقة في القرارات المالية والجبائية التي كانت تقدم، بدورها، تحت شعار بناء الدولة الاجتماعية.
فالوزير الذي ينتقد اليوم هيمنة منطق السوق غير المنضبط لم يكن خارج مراكز إعداد القرار المالي، بل شغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وتولى بموجب تفويض رسمي إعداد مشاريع قوانين المالية والسهر على تنفيذها، مع إشرافه على مصالح رئيسية مرتبطة بالميزانية والضرائب والجمارك.
لقجع و«الرأسمالية المتوحشة».. ماذا قال عن السنوات السابقة؟
في واحدة من أبرز فقرات خطابه، اعتبر لقجع أن تعبير «الدولة الاجتماعية» طغى على النقاش العمومي خلال السنوات الماضية، لكن النتائج لم تساير التطلعات، بسبب استمرار الفصل بين السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية.
وأوضح أن المفارقة تكمن في أن السياسات الاجتماعية كانت تحاول تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين عبر مجهودات مالية كبيرة، بينما كانت السياسة الاقتصادية تتجه، وفق وصفه، إلى «تسييد منطق السوق بدون ضوابط ولا تقنين ولا تدخل».
وربط الوزير هذا التوجه بما وصفه باستفحال ثقافة الربح السريع والفاحش ومظاهر الريع والاحتكار والوساطة الطفيلية، معتبراً أن هذه الظواهر ترتبط بما يسمى «الرأسمالية المتوحشة» أو «النيوليبرالية».
وشدد على أن بناء دولة اجتماعية عادلة لا يمكن أن يتحقق من خلال سياسة اقتصادية تنتصر للاحتكار والإقصاء، مؤكداً ضرورة إخضاع البعدين الاقتصادي والاجتماعي لمنظور متكامل.
وفي المقابل، لم يدعُ لقجع إلى التخلي عن اقتصاد السوق أو المبادرة الخاصة، بل أكد ضرورة تشجيع الاستثمار المنتج، مع تدخل الدولة لحماية المنافسة والحقوق الاجتماعية ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.
ويكتسب هذا الموقف أهمية سياسية خاصة لأنه يميز بين الدفاع عن الاستثمار باعتباره مصدراً للثروة، وانتقاد الممارسات التي قد تقيد المنافسة أو تؤدي إلى توزيع غير متكافئ لمنافع النشاط الاقتصادي.
لكن الوزير لم يقدم في هذا الجزء من خطابه لائحة محددة بالقرارات السابقة التي يعتبرها مسؤولة عن الاختلالات، كما لم يسمِّ حكومة أخنوش مباشرة باعتبارها موضوع انتقاداته.
ولذلك، فإن ربط تصريحاته بالمرحلة الحكومية السابقة يستند إلى الفترة الزمنية التي وصفها وإلى موقعه خلالها، وليس إلى اتهام صريح وجهه بالاسم إلى رئيس الحكومة السابق.
المصدر | النص المنشور لخطاب فوزي لقجع أمام البرلمان بتاريخ 23 أكتوبر 2026
من الدفاع عن ميزانيات أخنوش إلى انتقاد اختيارات المرحلة
تكشف العودة إلى الجريدة الرسمية عدد 7036، الصادر في نونبر 2021، أن فوزي لقجع كان يتمتع باختصاصات مالية تتجاوز المشاركة السياسية العادية داخل الحكومة السابقة.
فبموجب القرار رقم 3200.21 الصادر بتاريخ 4 نونبر 2021، فوضت إليه وزيرة الاقتصاد والمالية آنذاك، نادية فتاح، اختصاصات تتعلق بتحضير مشاريع قوانين المالية والسهر على تنفيذها.
كما مُنح صلاحية مباشرة النفقات المدرجة في فصل التكاليف المشتركة، ووُضعت رهن إشارته ثلاث إدارات أساسية، هي مديرية الميزانية، والمديرية العامة للضرائب، وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
وتؤكد هذه المقتضيات أن لقجع كان جزءاً مباشراً من منظومة تدبير المالية العمومية خلال ولاية أخنوش، وأن موقعه لم يقتصر على الدفاع البرلماني عن الميزانيات بعد إعدادها.
وفي 20 أكتوبر 2025، قدم بنفسه مشروع قانون المالية لسنة 2026 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، مستعرضاً التوجهات المالية والجبائية للحكومة السابقة، بما فيها تعزيز الاستثمار ومواصلة بناء الدولة الاجتماعية.
ويجعل هذا السجل المقارنة بين الخطابين سؤالاً مؤسساتياً مشروعاً: ما الاختيارات التي كانت الحكومة السابقة تعتمدها ويرى لقجع اليوم أنها تحتاج إلى تغيير؟ وما دوره في صياغتها وتنفيذها؟ وما البدائل التي يقترحها حالياً؟
ولا تعني هذه الأسئلة أن الوزير كان المسؤول الوحيد عن جميع السياسات الاقتصادية السابقة، لأن اتخاذ القرارات الحكومية وتنظيم الأسواق وتدبير المنافسة تتوزع مسؤولياته بين قطاعات ومؤسسات متعددة.
كما أن اختصاصات الميزانية والجبايات لا تعني امتلاك سلطة منفردة على قرارات الأسعار أو منح التراخيص أو مراقبة الممارسات الاحتكارية.
لكن التفويض الرسمي الذي كان يتوفر عليه يجعل مساءلته عن تقييم حصيلة الاختيارات المالية السابقة أمراً مرتبطاً بصلاحيات موثقة، وليس بمجرد انتمائه إلى الحكومة المنتهية ولايتها.
المصدر | SNRT News – تفويض اختصاصات الميزانية والضرائب والجمارك إلى لقجع، 6 نونبر 2021
40% على أرباح شركات المحروقات.. هل يبدأ تغيير الاتجاه من الجبايات؟
تقدم مقتضيات مشروع قانون المالية لسنة 2027 أحد الاختبارات الأولى لمدى ترجمة خطاب لقجع إلى إجراءات فعلية.
فالمشروع يقترح إخضاع الشركات التي تزاول أنشطة استيراد أو توزيع المحروقات لسعر ضريبة على الشركات يبلغ 40 في المائة، عندما يصل ربحها الصافي السنوي إلى 100 مليون درهم أو يتجاوز هذا المبلغ.
ويأتي المقتضى ضمن تعديل مقترح للمادة 19 من المدونة العامة للضرائب، بما يوسع تطبيق السعر الضريبي الأعلى ليشمل فئة محددة من المقاولات الكبرى العاملة في قطاع المحروقات.
ولا يتعلق الأمر بضريبة جديدة على جميع محطات الوقود أو الشركات الصغيرة العاملة في القطاع، بل بتدبير مشروط ببلوغ عتبة معينة من الأرباح.
كما أن المقترح لم يصبح قانوناً نافذاً بعد، إذ ما زال مشروع قانون المالية خاضعاً للمناقشة والمصادقة البرلمانية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن رفع الضريبة على أرباح بعض الشركات لا يعني تلقائياً انخفاض أسعار الغازوال والبنزين بالنسبة إلى المستهلكين.
فالضريبة على الأرباح تختلف عن آليات مراقبة المنافسة وتحديد هوامش التوزيع وتتبع انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق المحلية.
وتتطلب محاربة الاحتكار أدوات تنظيمية ورقابية مستقلة عن السياسة الجبائية، من بينها صلاحيات مجلس المنافسة ومراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
وهنا يظهر أول اختبار عملي لخطاب لقجع: هل تقتصر الحكومة على تعديل العبء الضريبي لبعض الشركات الكبرى، أم ترافقه بتدابير تعزز شفافية السوق وتحمي المنافسة وتتيح تقييم تأثير القرارات على الأسعار؟
المصدر | تيل كيل عربي – مشروع مالية 2027 ورفع الضريبة على كبار مستوردي وموزعي المحروقات
مليار درهم و6 شركات جهوية.. هل تنتهي الوساطة المكلفة؟
في قطاع المواد الغذائية، أعلن لقجع عن توجه حكومي لإحداث ست شركات جهوية للتجميع والتسويق داخل الأحواض الفلاحية الكبرى، بالتوازي مع تحديث أسواق الجملة وإصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك.
وخصص مشروع قانون المالية، وفق العرض الحكومي، مليار درهم للإجراءات المتعلقة بتحديث التوزيع وتقليص تكاليف الوساطة.
وتراهن الحكومة على أن يؤدي هذا الإصلاح إلى تحسين وصول المنتجات إلى الأسواق والحد من التكاليف التي تتراكم بين المنتج والمستهلك.
لكن إنشاء شركات جهوية جديدة لا يضمن وحده انخفاض الأسعار، ما لم تُحدد قواعد واضحة لاختيار الموردين، وتدبير المشتريات، والولوج إلى خدمات الشركات، ومنع التمييز بين الفاعلين الاقتصاديين.
كما أن هيكلة مسالك التوزيع قد تساهم في تعزيز المنافسة إذا قامت على قواعد شفافة، لكنها قد تثير مخاطر جديدة إذا تحولت إلى مصدر للتحكم في تدفق المنتجات أو تفضيل وسطاء محددين.
وكان رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، إدريس الأزمي الإدريسي، قد حذر خلال مناقشة البرنامج الحكومي، يوم 22 أكتوبر، من احتمال تحول الشركات الجهوية للتوزيع إلى أدوات للتحكم في الأسواق.
ويمثل موقف الأزمي تحذيراً سياسياً من مخاطر محتملة، ولا يثبت وجود احتكار أو فساد داخل شركات لم تستكمل بعد ترتيبات إحداثها.
وستكون طريقة تدبير هذه الشركات ومراقبة نتائجها، خصوصاً أثرها على الأسعار وهوامش الوساطة، من المؤشرات التي تسمح بتقييم فعالية الإصلاح.
اقرأ أيضاً | «ورِّيونا الفاسدين فين هما!».. الأزمي يسائل المنصوري عن 280 مليار ويحذر من شركات التوزيع
إعفاءات الاستيراد.. من المستفيد ومن يتحمل الكلفة؟
يفتح مشروع مالية 2027 ملفاً آخر يرتبط بالإجراءات الجبائية والجمركية الموجهة إلى استيراد المواشي واللحوم.
فالمشروع يقترح إعفاءات عند الاستيراد لفئات محددة من الأبقار والأغنام والماعز والإبل الحية، إلى جانب لحومها وأحشائها، في إطار سياسة تستهدف تعزيز العرض والحد من ضغوط الأسعار.
وتأتي هذه المقترحات بعد لجوء الحكومات السابقة إلى إعفاءات مؤقتة مرتبطة باستيراد الحيوانات الموجهة للذبح، ضمن التدابير الرامية إلى معالجة اضطرابات السوق.
غير أن أهمية الإجراء لا تقتصر على قيمته الجبائية، بل تشمل معرفة ما إذا كانت التخفيضات في كلفة الاستيراد تنتقل فعلياً إلى أسعار البيع للمستهلك.
ولا يشكل الإعفاء الضريبي في حد ذاته امتيازاً غير مشروع أو دليلاً على وجود ريع، إذ قد يكون أداة لتأمين العرض في فترات نقص الإنتاج المحلي.
لكن تقييم نتائجه يتطلب نشر معطيات تتعلق بعدد المستفيدين وقيمة الإعفاءات والكميات المستوردة وهوامش التسويق والتطور الفعلي للأسعار.
وهذا هو جوهر المساءلة التي يثيرها خطاب لقجع الجديد: إذا كانت محاربة الريع والوساطة الطفيلية من أولويات الحكومة، فهل ستنشر تقييماً مفصلاً لنتائج التدابير الجبائية والدعم المرتبط بالاستيراد خلال السنوات الماضية؟
فغياب تقييم منشور للنتائج لا يثبت وجود استفادة غير مشروعة، لكنه يجعل قياس نجاعة الإنفاق والتنازل عن الموارد الجبائية أكثر صعوبة.
62 مليار درهم للأولويات الاجتماعية.. وعود تحتاج إلى قياس النتائج
بموازاة نقد السياسات السابقة، قدم لقجع مجموعة من التدابير الاجتماعية التي قال إن الأثر المالي الإجمالي لتنزيلها خلال سنة 2027 يبلغ نحو 62 مليار درهم.
وتشمل هذه الأولويات المراجعة التدريجية للضريبة على الدخل، والرفع من بعض معاشات التقاعد، وزيادة الدعم الاجتماعي المباشر، وتحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً.
كما أعلن عن تخصيص اعتمادات إضافية لتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وإطلاق برامج للتشغيل والتكوين، وتعزيز التنمية الترابية.
وبحسب عرض الوزير، يقدر الأثر المالي لمراجعة الضريبة على الدخل خلال سنة 2027 بنحو 5.5 مليارات درهم، فيما تتجاوز الاعتمادات المرتبطة بإجراءات معاشات التقاعد والأرامل 10 مليارات درهم.
كما تبلغ الكلفة السنوية المقدرة لتحمل فواتير الكهرباء 2.8 مليار درهم، مقابل ثلاثة مليارات درهم للزيادة المعلنة في الدعم الاجتماعي المباشر.
لكن مبلغ 62 مليار درهم يمثل الأثر الإجمالي المعلن لمجموعة من الأولويات، ولا ينبغي التعامل معه تلقائياً باعتباره إنفاقاً إضافياً صافياً فوق جميع الاعتمادات والبرامج القائمة.
كما أن الإجراءات الاجتماعية المعلنة لم تتحول كلها إلى حقوق نافذة، لأن بعضها يستلزم المصادقة على مشروع قانون المالية أو إصدار النصوص والقرارات اللازمة للتنفيذ.
وتظهر هنا ضرورة التمييز بين الاعتمادات المبرمجة والنتائج المحققة، خاصة أن تحسين الدخل الاسمي للأسر لا يكفي وحده إذا استمر ارتفاع أسعار المواد والخدمات في تقليص قدرتها الشرائية.
280 مليار درهم.. تصريح سابق يعود إلى واجهة المساءلة
تكتسب انتقادات فوزي لقجع للسياسات الاقتصادية السابقة دلالة إضافية عند مقارنتها بتصريح أدلى به في 7 شتنبر 2026، خلال لقاء سياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بمدينة أزيلال.
فقد تحدث حينها عن إنفاق 280 مليار درهم خلال الولاية الحكومية السابقة لدعم القدرة الشرائية، معتبراً أن هذا المجهود لم يحقق الأثر المنتظر.
وأثار التصريح مطالب بتقديم تفاصيل الإنفاق، بعدما وجهت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب» مراسلة إلى لقجع بتاريخ 17 شتنبر، تطلب فيها توضيح البرامج المشمولة بالمبلغ ونتائجها وآليات مراقبتها.
ولا تعني عبارة عدم تحقيق الأثر المنتظر أن الأموال اختُلست أو بُددت، كما لا تتوفر في المعطيات المنشورة حصيلة محاسبية مستقلة تسمح بتوزيع المبلغ على مختلف البرامج والسنوات.
لكن الجمع بين التصريح السابق والخطاب الجديد يجعل الحاجة إلى تقييم الإنفاق العمومي أكثر إلحاحاً.
فإذا كان الوزير يعتبر اليوم أن السياسة الاقتصادية السابقة لم تحقق التوازن المطلوب مع الالتزامات الاجتماعية، فإن نشر حصيلة البرامج المالية التي شارك في إعدادها أو تنفيذها يمكن أن يساعد على تحديد أسباب ضعف النتائج والاختيارات التي تحتاج إلى تصحيح.
وكان MarocActu24 قد تناول خلال أكتوبر الجاري تعهدات حكومة المنصوري، وقارن بعضها بالنصوص القانونية السابقة، بما في ذلك تخصيص نسبة 30 في المائة من الصفقات العمومية لفئات من المقاولات، ورفع الحد الأدنى للتحويلات المالية للجهات إلى 12 مليار درهم سنوياً.
وأظهرت المقارنة أن بعض هذه الأرقام كانت منصوصاً عليها قبل تشكيل الحكومة الجديدة، مع بقاء إمكانية أن تأتي النصوص المقبلة بتدابير إضافية تختلف عن الالتزامات القائمة.
اقرأ أيضاً | «وعود جديدة بأرقام قديمة؟».. 30% للصفقات و12 مليار للجهات سبقا المنصوري
ما الذي تغيّر فعلياً في موقف لقجع؟
لا يمنع الانتقال من حكومة إلى أخرى مسؤولاً سياسياً من مراجعة اختيارات سابقة أو الدفاع عن تصحيحها، خصوصاً عندما يتغير البرنامج الحكومي وتُطرح أولويات اقتصادية واجتماعية جديدة.
لكن تقييم هذا التحول يتطلب الفصل بين ثلاثة مستويات: الخطاب السياسي الذي يعلن تغيير الاتجاه، والمقتضيات المالية والتشريعية التي تقترحها الحكومة، والنتائج التي ستظهر بعد التنفيذ.
فعلى مستوى الخطاب، انتقل لقجع إلى انتقاد مباشر لهيمنة منطق السوق غير المنضبط، وربط الريع والاحتكار بضعف تحقيق أهداف الدولة الاجتماعية.
وعلى مستوى الإجراءات، يتضمن مشروع مالية 2027 مقترحات ضريبية وتدابير لتنظيم مسالك التوزيع وتوسيع الدعم الاجتماعي، لكنها لا تزال خاضعة للتنفيذ والتقييم.
أما على مستوى المسؤولية السياسية، فإن سجل لقجع في حكومة أخنوش يظل معطى موثقاً ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند مناقشة أسباب الاختلالات السابقة.
ولذلك، لا يتعلق السؤال بتحديد مسؤول منفرد عن جميع مظاهر الريع والاحتكار، وإنما بفهم الاختيارات التي ساهمت المؤسسات الحكومية في اعتمادها، وما إذا كانت الأدوات المقترحة حالياً كافية لتصحيح نتائجها.
ومن هنا، فإن الحكم على دعوة لقجع إلى «تغيير الاتجاه» لن يتوقف عند حدة انتقاده لـ«الرأسمالية المتوحشة»، بل عند مدى قدرة حكومة المنصوري على ضبط المنافسة، وتقييم الإعفاءات، وتحسين نجاعة الإنفاق، وإظهار أثر التدابير الجديدة على الأسعار والدخل وفرص الشغل.
ويبقى السؤال السياسي والاقتصادي قائماً: ما الذي تغير في رؤية الوزير الذي دافع لسنوات عن ميزانيات حكومة أخنوش، قبل أن ينتقد اليوم اختيارات اقتصادية طبعت المرحلة نفسها؟
الإجابة لن تقدمها العبارات وحدها، بل القرارات التي ستعتمدها الحكومة والبيانات التي ستنشرها بشأن حصيلة الماضي ونتائج السياسات الجديدة.
