بقلم: قويدر عبد الرحيم
سفن حربية مغربية قرب سبتة أصبحت موضوع طلب قضائي جديد في إسبانيا، بعدما وجهت القاضية ماريا تاردون، بالمحكمة الوطنية الإسبانية، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، طلباً إلى وزارة الدفاع لتحديد ما إذا كانت قطع تابعة للبحرية الملكية المغربية قد دخلت أو عبرت أو بقيت في مياه تعتبرها مدريد خاضعة لسيادتها، خلال الفترة الممتدة من 29 يوليوز إلى 10 غشت الماضيين.
ولا يقتصر الطلب على إثبات وجود التحركات البحرية المحتملة، بل يشمل تحديد تواريخها وساعاتها، ومعرفة ما إذا كانت قد استدعت تدخلاً من البحرية الإسبانية أو اقتراباً بين قطع عسكرية من البلدين، مع تقديم التسجيلات المتوفرة إن وجدت.
غير أن القرار القضائي يتضمن معطى أساسياً: فالقاضية أكدت أن ملف التحقيق لا يحتوي، حتى الآن، على أي عنصر موضوعي يثبت أن الوجود المحتمل للسفن المغربية كان مرتبطاً بتنظيم العبور الجماعي للمهاجرين إلى سبتة أو تسهيله.
ويأتي التحرك بعد إقرار الحكومة الإسبانية، يوم 13 أكتوبر، بوقوع حادث بحري خلال أزمة الهجرة أواخر يوليوز، وصفته بأنه محدود وتمت معالجته عبر التواصل بين البلدين.
وهكذا، ينتقل الملف من التصريحات الحكومية والتقارير الصحفية إلى محاولة توثيق الوقائع العسكرية، دون أن يعني ذلك صدور حكم قضائي بشأن طبيعة التحركات أو مسؤولية أي طرف عنها.
المصدر الرئيسي | وكالة EFE الإسبانية – قرار القاضية ماريا تاردون، 21 أكتوبر 2026
سفن حربية مغربية قرب سبتة.. ماذا طلبت القاضية من وزارة الدفاع؟
بحسب القرار القضائي الذي اطلعت عليه وسائل إعلام إسبانية، وجهت القاضية ماريا تاردون طلبها إلى وزارة الدفاع عبر رئيس أركان الدفاع الإسباني.
ويتمثل الهدف الأول في التحقق من دخول أو وجود أو مرور سفن حربية أو زوارق عسكرية مغربية في المنطقة البحرية المحاذية لسبتة، خلال الفترة الممتدة من 29 يوليوز إلى 10 غشت 2026.
وفي حال ثبوت هذه التحركات، تريد القاضية معرفة التواريخ الدقيقة والفترات الزمنية التي حدثت خلالها، وتحديد الظروف التي صاحبتها.
كما طلبت توضيح ما إذا كان وجود الوحدات المغربية قد استدعى أي رد أو اقتراب أو تفاعل من البحرية الإسبانية أو من وحدات عسكرية أخرى.
ويشمل الطلب تحديد القطع البحرية المشاركة، وتقديم التسجيلات المتوفرة التي قد توثق وجودها أو تحركاتها.
ولم تتوقف القاضية عند الفترة التي تزامنت مع أزمة الهجرة، بل طلبت أيضاً معرفة ما إذا كانت تحركات مماثلة قد سُجلت بعد 10 غشت وحتى تاريخ صدور القرار في 21 أكتوبر، مع تحديد ظروفها في حال حدوثها.
ويوضح هذا التوسع الزمني أن التحقيق يستهدف بناء صورة دقيقة عن الوقائع البحرية المحتملة، بدلاً من الاقتصار على الحادث الذي تحدثت عنه الحكومة الإسبانية.
لكن صدور طلب للحصول على المعلومات لا يعني أن جميع التحركات موضوع الاستفسار ثبت وقوعها.
المصدر | التلفزيون الإسباني العمومي RTVE – تفاصيل الطلب القضائي، 21 أكتوبر 2026
القاضية تؤكد غياب دليل على ارتباط السفن بأزمة الهجرة
تكتسب القضية حساسيتها من تزامن التحركات البحرية التي تحدثت عنها مصادر إسبانية مع أزمة العبور الجماعي للمهاجرين نحو سبتة أواخر يوليوز 2026.
لكن القاضية وضعت فاصلاً واضحاً بين التحقيق في الوجود البحري المحتمل وبين إثبات أي علاقة له بأحداث الهجرة.
فوفق ما نقلته وكالة EFE وصحيفة «El País» عن القرار، لا يتضمن الملف حتى الآن عنصراً موضوعياً يسمح بإثبات مشاركة وحدات بحرية مغربية في تنظيم عمليات العبور الجماعي أو التدخل فيها أو تسهيلها.
كما أوضحت أن المعطيات المتوفرة لا تدعم الاستنتاج بأن تحركات السفن، إن ثبت وقوعها، كانت جزءاً من آلية لتنفيذ دخول المهاجرين إلى المدينة.
وهذا التمييز أساسي لفهم نطاق التحقيق.
فالقاضية لا تعلن أن جميع الوقائع البحرية المحتملة غير صحيحة، وإنما تطلب معلومات للتحقق منها، مع التأكيد أن ربطها بأزمة الهجرة لم يثبت بالأدلة الموجودة في الملف.
كما أن غياب الدليل في المرحلة الحالية لا يمثل حكماً نهائياً بشأن جميع الوقائع، بل يحدد الحدود التي يمكن للتحقيق بلوغها استناداً إلى المعلومات المتاحة.
المصدر | صحيفة El País – حدود التحقيق وغياب العلاقة السببية المثبتة، 21 أكتوبر 2026
الحكومة الإسبانية أقرت بحادث بحري في 13 أكتوبر
جاء الطلب القضائي بعد أكثر من أسبوع على تصريحات رسمية أقرت فيها مدريد بوقوع حادث مرتبط بدخول سفن حربية مغربية إلى مياه تعتبرها إسبانية قرب سبتة.
ففي 13 أكتوبر، قالت المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إلما سايث إن الواقعة التي حدثت خلال يومي 30 و31 يوليوز كانت محدودة، وإنها عولجت في إطار علاقات حسن الجوار والتواصل بين البلدين.
وجاء تصريحها عقب إقرار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، خلال حديث غير رسمي مع صحفيين، بصحة معلومات نشرتها الصحافة الإسبانية بشأن وجود تحركات بحرية مغربية استدعت رداً من البحرية الإسبانية.
وشددت المتحدثة الحكومية على أن الفترة كانت تتسم بتوتر استثنائي بسبب أزمة الهجرة، لكنها أكدت أن التواصل بين الرباط ومدريد ظل مستمراً.
وبذلك، توجد رواية حكومية إسبانية تقر بحصول حادث بحري، لكن التفاصيل الدقيقة لتحركات كل سفينة والردود العسكرية المحتملة لا تزال موضوع طلب قضائي للحصول على معلومات أكثر تحديداً.
ولا يعني وصف الحكومة للحادث بأنه محدود أن المحكمة ملزمة بالاكتفاء بذلك التقييم، كما لا يعني فتح التحقيق أن القاضية توصلت إلى وجود مواجهة عسكرية بين البلدين.
المصدر | وكالة EFE – الحكومة الإسبانية تصف الحادث البحري بأنه محدود، 13 أكتوبر 2026
«رايو» و«سانتا ماريا» و«نافارا».. ماذا قالت الصحافة الإسبانية؟
نشرت صحيفة «El País» تفاصيل عن تعزيز الانتشار البحري الإسباني قبالة سبتة خلال الأيام التي أعقبت أزمة الهجرة.
وبحسب الصحيفة، وصلت سفينة العمليات البحرية الإسبانية «رايو» إلى ميناء سبتة يوم الاثنين 3 غشت، بهدف تعزيز المراقبة في المنطقة البحرية المحيطة بالمدينة.
وأضافت أن وزارة الدفاع دفعت لاحقاً بالفرقاطة «سانتا ماريا» لتعزيز الدوريات البحرية، قبل استبدالها بالفرقاطة «نافارا» بسبب عطل تقني، وفق ما نقلته وكالة EFE عن التغطية الإسبانية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية لأنها تشير إلى تحركات عسكرية إسبانية تحدثت عنها مصادر صحفية قبل صدور الطلب القضائي.
لكنها لا تحدد وحدها طبيعة كل تحرك مغربي محتمل، ولا تكفي لإثبات وقوع مواجهة مباشرة بين قطع البلدين.
ولهذا طلبت القاضية من وزارة الدفاع توضيح ما إذا كانت السفن الإسبانية قد نفذت عمليات رد أو اقتراب أو تفاعل مع وحدات مغربية، وتحديد القطع المشاركة وتوقيت الأحداث.
وسيبقى التمييز ضرورياً بين ما أوردته الصحافة الإسبانية، وما أقرته الحكومة رسمياً، وما قد تثبته الوثائق العسكرية التي طلبتها المحكمة.
القاضية ترفض توسيع التحقيق دون أدلة كافية
لم توافق ماريا تاردون على جميع الإجراءات التي طالبت بها جهة الاتهام الشعبي المشاركة في القضية.
فقد تقدم حزب «Iustitia Europa»، الذي يقود الاتهام الشعبي الموحد، بطلبات شملت إجراءات واسعة للحفاظ على سجلات الرادارات والاتصالات العسكرية والبيانات المرتبطة بتحركات السفن، إلى جانب الحصول على مراسلات دبلوماسية مرتبطة بالفترة المعنية.
لكن القاضية اعتبرت أن هذه المطالب بصيغتها المقدمة غير متناسبة، وأن بعضها لا يستوفي شرط الفائدة الإجرائية الضرورية للتحقيق.
وفي المقابل، وافقت على إجراءات محددة وموجهة إلى وزارة الدفاع، بهدف التحقق من الوقائع الأساسية قبل النظر في الحاجة إلى خطوات إضافية.
ويكشف هذا القرار عن فرق بين قبول الاستفسار عن تحركات بحرية محتملة، وبين تبني جميع الفرضيات التي يطرحها طرف مشارك في القضية.
كما أن رفض الطلبات الموسعة لا يعني إغلاق الملف، إذ أبقت القاضية إمكانية اتخاذ إجراءات أخرى قائمة إذا أظهرت المعلومات الجديدة ما يبررها.
المصدر | Europa Press – الإجراءات التي وافقت عليها القاضية وتلك التي رفضتها، 21 أكتوبر 2026
أزمة سبتة انتقلت سابقاً إلى مستوى الأمن القومي الإسباني
يأتي التحقيق القضائي ضمن تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، ودفعت الحكومة الإسبانية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتنسيق تدخل مؤسساتها.
ففي 24 غشت 2026، أعلنت مدريد ترتيبات للانتقال إلى مستوى جديد في تدبير الأزمة من خلال تفعيل وضع ذي أهمية للأمن القومي، وتشكيل قيادة موحدة لتنسيق عمل القطاعات الحكومية المعنية.
وكان MarocActu24 قد تناول هذه الخطوة استناداً إلى تصريحات نائب رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك، كارلوس كويربو، الذي أعلن التوجه إلى تفعيل الإجراء في اليوم التالي.
وتعكس تلك التطورات اتساع نطاق المعالجة الحكومية للأزمة ليشمل التنسيق الأمني والمؤسساتي، لكنها لا تثبت وجود علاقة بين تحركات بحرية مغربية محتملة وتنظيم عبور المهاجرين.
اقرأ أيضاً | إسبانيا ترفع أزمة سبتة إلى مستوى الأمن القومي.. قيادة موحدة تتولى الملف
المفوضية الأوروبية تترك توضيح الحادث للمغرب وإسبانيا
على المستوى الأوروبي، سبق أن تناولت المفوضية الأوروبية موضوع السفن المغربية قرب سبتة، عقب تصريحات الحكومة الإسبانية بشأن حادث يوليوز.
ففي 14 أكتوبر، قال متحدث باسم المفوضية، وفق وكالة EFE، إن توضيح ملابسات الواقعة مسؤولية السلطات المغربية والإسبانية.
وأكد المتحدث أهمية التعاون بين البلدين في تدبير ملف الهجرة، واصفاً المغرب بأنه شريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في هذا المجال.
كما أشاد بالتنسيق القائم بين الطرفين للتعامل مع تداعيات العبور الجماعي نحو سبتة.
ولم يتضمن هذا الموقف إعلان فتح تحقيق أوروبي مستقل بشأن الحادث البحري، أو اتخاذ إجراءات ضد المغرب على خلفيته.
المصدر | وكالة EFE – موقف المفوضية الأوروبية من الحادث البحري، 14 أكتوبر 2026
وجاء الموقف الأوروبي في أسبوع شهد زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، قبل إدراج وضع المدينتين ضمن النقاشات المرتبطة بقمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل.
وكان MarocActu24 قد نشر، يوم 15 أكتوبر، تقريراً بشأن ثلاث نقاط أشاد بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في مشروع خلاصات القمة الأوروبية، تتعلق بالتضامن مع إسبانيا والوضعية الخاصة للمدينتين والتعاون الأوروبي في معالجة أزمة الهجرة.
وتعلق الأمر آنذاك بمسودة سياسية، وليس بقرار أوروبي نهائي ينشئ التزامات جديدة على المغرب.
اقرأ أيضاً | سبتة ومليلية أمام قادة 27 دولة أوروبية.. سانشيز يحتفي بـ3 نقاط في مسودة قمة بروكسل
سفن حربية مغربية قرب سبتة.. ماذا ينتظر القضاء الإسباني الآن؟
يتمثل التطور الجديد في انتظار رد وزارة الدفاع الإسبانية على الاستفسارات القضائية المتعلقة بالتحركات البحرية بين 29 يوليوز و10 غشت، واحتمال تسجيل تحركات مماثلة خلال الفترة اللاحقة.
ويمكن للمعلومات المطلوبة، إذا توفرت، أن تحدد تواريخ وجود السفن ووحداتها وطبيعة الرد الإسباني، وأن توضح ما إذا كانت هناك تسجيلات عسكرية توثق تلك الوقائع.
لكن طلب هذه المعلومات لا يمثل حكماً بشأن وقوع اعتداء عسكري أو إثباتاً لوجود تنسيق بين الوحدات البحرية المغربية وعمليات عبور المهاجرين.
كما أن تأكيد الحكومة الإسبانية حصول حادث محدود لا يغني عن التحقق من التفاصيل التي تطلبها المحكمة، خصوصاً في ما يتعلق بالتوقيت وطبيعة التفاعل العسكري.
ولم تتضمن المصادر المعتمدة توضيحاً رسمياً مغربياً جديداً بشأن القرار القضائي الصادر في 21 أكتوبر، كما لم تُنشر ضمن تلك المصادر نتيجة نهائية للتحقيق في التحركات البحرية موضوع البحث.
وتبقى القضية، في مرحلتها الحالية، محصورة في التحقق من الوقائع العسكرية استناداً إلى معلومات تطلبها قاضية إسبانية، وسط تأكيد قضائي على غياب أدلة موضوعية تربط تلك التحركات بأحداث الهجرة.
وسيكون التطور الحاسم هو ما إذا كانت وزارة الدفاع الإسبانية ستقدم بيانات أو تسجيلات تضيف وقائع جديدة إلى الملف، وما إذا كانت ستدفع المحكمة إلى اتخاذ إجراءات أخرى.
أما إلى حين توفر تلك المعطيات، فإن الحديث عن السفن الحربية المغربية قرب سبتة ينبغي أن يظل قائماً على التمييز بين حادث أقرته الحكومة الإسبانية، وتفاصيل عسكرية لا تزال قيد التحقق، وادعاءات بشأن أزمة الهجرة لم تثبت المحكمة وجود أساس موضوعي لها.
