​بقلم: الباز عبدالإله

الأوراق الملغاة في انتخاب التويزي تحولت إلى أبرز معطى سياسي في أول اختبار برلماني للأغلبية الحكومية الجديدة، بعدما كشفت النتائج الرسمية لجلسة اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 عن تسجيل 90 ورقة ملغاة من أصل 369 ورقة اقتراع، مقابل حصول أحمد التويزي، مرشح الأصالة والمعاصرة، على 220 صوتاً، أي أكثر بـ13 صوتاً من مجموع مقاعد الأحزاب الأربعة المكونة للتحالف الحكومي.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها ظهرت بعد يوم واحد من إعلان الأغلبية الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، وفي وقت بدأ فيه التجمع الوطني للأحرار، الذي يمتلك 66 مقعداً، اختبار موقعه الجديد داخل المعارضة بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة.

وأسفرت عملية الفرز عن فوز التويزي برئاسة مجلس النواب من الدور الأول، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح العدالة والتنمية، فيما بلغ عدد الأصوات الصحيحة 279 صوتاً.

لكن الرقم الذي أثار التساؤلات هو 90 ورقة ملغاة، تمثل نحو 24.4 في المائة من مجموع الأوراق المدلى بها، وهي نسبة تفتح النقاش حول طبيعة الاختيارات التي عبّر عنها النواب خارج التصويت المباشر لأحد المرشحين.

فهل كانت الأوراق التسعون نتيجة أخطاء في طريقة التصويت، أم أن جزءاً منها يعكس مواقف سياسية اختارت عدم دعم مرشح الأغلبية أو منافسه؟

النتائج المنشورة لا تجيب عن هذا السؤال، لأن الاقتراع جرى بصورة سرية، ولم تتضمن الحصيلة المعلنة تفصيلاً يميز بين الأوراق البيضاء والأوراق الملغاة لأسباب أخرى.

الأوراق الملغاة في انتخاب التويزي.. ماذا تخفي نسبة 24.4%؟

بحسب النتائج الرسمية المنشورة على البوابة الحكومية المغربية، جرى انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب خلال جلسة أشرف عليها عبد العزيز أبا، رئيس المكتب المؤقت للمجلس.

وحصل التويزي على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لإدريس الأزمي الإدريسي، فيما بلغ مجموع الأصوات المسجلة 369، بينها 90 صوتاً ملغى.

وبعملية حسابية مباشرة، تمثل الأوراق الملغاة نحو ربع المشاركات في الاقتراع، وهو حجم يتجاوز العدد الإجمالي لمقاعد التجمع الوطني للأحرار، ويقترب من مجموع مقاعده ومقاعد الحركة الشعبية البالغ 95 مقعداً.

لكن التقارب بين هذه الأرقام لا يثبت أن نواب الحزبين هم أصحاب الأوراق الملغاة، كما لا يسمح بتوزيعها على الفرق النيابية.

فالورقة الملغاة لا تكشف هوية صاحبها، ولا تقدم النتائج الإجمالية سبب الإلغاء، سواء تعلق الأمر بورقة بيضاء أو باختيار غير مستوفٍ لشروط الاقتراع.

كما لا يمكن اعتبار جميع الأوراق الملغاة أصواتاً سياسية احتجاجية دون توفر معطيات إضافية عن عملية الفرز.

المصدر الرسمي | بوابة المملكة المغربية – انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب

وتبرز أهمية هذه التفاصيل بالنظر إلى موقف التجمع الوطني للأحرار خلال الساعات السابقة للجلسة.

فقد أفادت معطيات صحفية بأن الفريق النيابي للحزب قرر عدم التصويت لأي من المرشحين، مع اعتماد الأوراق البيضاء وسيلة للتعبير عن موقفه.

ونقلت صحيفة «سيت أنفو»، عن مصدر مطلع، أن الفريق التجمعي حسم هذا الخيار قبل انطلاق عملية التصويت، في وقت كان فيه الحزب قد أعلن استعداده لممارسة معارضة قوية ومسؤولة.

غير أن اعتماد هذا التوجه، بحسب المصادر الصحفية، لا يثبت عدد النواب الذين التزموا به فعلياً، ولا يسمح بالجزم بأن جميع الأوراق التي أدلى بها نواب الأحرار أُدرجت ضمن الأوراق التسعين الملغاة.

كما أن الورقة البيضاء، من حيث دلالتها السياسية، تختلف عن الورقة التي يجري إلغاؤها بسبب خطأ أو مخالفة لشروط التصويت.

ويصبح توضيح كيفية تصنيف الأوراق ضرورياً لفهم ما إذا كان الحجم المسجل يعكس موقفاً جماعياً معلناً، أم مجموعة من الحالات المتباينة.

وكان MarocActu24 قد تناول، قبل إعلان نتائج الجلسة، قرار الأحرار عدم تقديم مرشح لرئاسة مجلس النواب، مسلطاً الضوء على المفارقة بين امتلاك الحزب 66 مقعداً وإعلانه الانتقال إلى المعارضة دون خوض المنافسة على رئاسة الغرفة الأولى.

اقرأ أيضاً | معارضة أم حياد؟ 66 نائباً للأحرار خارج سباق رئاسة مجلس النواب بين التويزي والأزمي

220 صوتاً للتويزي.. من أين جاءت الأصوات الـ13 الإضافية؟

إذا كانت الأوراق الملغاة تطرح سؤالاً بشأن مواقف النواب الذين لم يصوتوا لأي من المرشحين، فإن الأصوات الصحيحة تكشف معطى آخر يتعلق باتساع التأييد لمرشح الأغلبية.

فالأحزاب الأربعة المكونة للتحالف الحكومي الجديد تتوفر مجتمعة على 207 مقاعد، موزعة بين الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والاستقلال بـ65، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19.

لكن أحمد التويزي حصل على 220 صوتاً، ما يعني حسابياً أن 13 صوتاً على الأقل جاءت من خارج الأحزاب الأربعة.

وقد يكون عدد الأصوات القادمة من خارج التحالف أكبر من ذلك، إذا كان بعض نواب الأغلبية لم يشاركوا في التصويت أو اختاروا عدم دعم مرشحها.

ولا تكشف هذه النتيجة هوية النواب الذين منحوا التويزي دعماً إضافياً، لكنها تثبت أن عدد الأصوات التي حصل عليها تجاوز السقف النظري لمقاعد الأغلبية الحكومية المعلنة.

وهذا المعطى لا يثبت وجود اتفاق سياسي مع حزب بعينه، لأن الاقتراع السري يسمح بتصويت أفراد من خارج التحالف دون إعلان موقف جماعي من أحزابهم.

وتظهر مفارقة مشابهة عند قراءة نتيجة إدريس الأزمي الإدريسي.

فقد حصل مرشح العدالة والتنمية على 59 صوتاً، رغم أن حزبه يتوفر على 54 مقعداً، ما يعني حصوله على خمسة أصوات على الأقل من خارج فريقه النيابي.

لكن هذه الأصوات لا تسمح كذلك بتحديد الأحزاب التي ينتمي إليها أصحابها، أو استنتاج وجود تنسيق رسمي بينها وبين العدالة والتنمية.

وتكشف المقارنة أن التأييد للمرشحين تجاوز، في الحالتين، العدد الأصلي لمقاعد الحزب أو التحالف الذي يمثلانه، دون أن يعني ذلك نشوء تحالفات جديدة.

احتجاج تحالف اليسار.. خلاف حول تسجيل الامتناع

لم تقتصر الأسئلة المرتبطة بالأوراق الملغاة على القراءات السياسية التي أعقبت الجلسة، بل امتدت إلى طريقة الإعلان عن النتائج داخل مجلس النواب.

فقد غادر نواب مجموعة «تحالف اليسار» الجلسة العمومية، احتجاجاً على عدم الإشارة إلى موقفهم المتعلق بالامتناع عن التصويت ضمن الحصيلة المعلنة.

وبحسب ما نشرته جريدة «هسبريس»، طالب أعضاء المجموعة بالحصول على نقطة نظام لتوضيح موقفهم من التصويت، لكن عدم تمكينهم من التدخل دفعهم إلى الانسحاب.

وتحدث النائب عمر محمود بنجلون عن طلب المجموعة توضيح كيفية التعامل مع الأصوات الممتنعة داخل العملية الانتخابية.

ويبرز هذا الخلاف إشكالاً إجرائياً يتعلق بالتمييز بين ثلاثة أوضاع مختلفة: عدم المشاركة في الاقتراع، وإيداع ورقة بيضاء، والإدلاء بورقة تعتبر ملغاة لسبب آخر.

فعدم المشاركة لا ينتج ورقة داخل صندوق الاقتراع، بينما يترتب عن إيداع ورقة بيضاء وجود مشاركة فعلية دون منح الصوت لأي مرشح.

أما إلغاء الورقة لأسباب مسطرية، فيرتبط بشروط صحتها وكيفية التعبير عن الاختيار.

ولا تتضمن النتائج الإجمالية المنشورة تفصيلاً يسمح بمعرفة عدد الأوراق البيضاء أو توزيع حالات الإلغاء بحسب أسبابها.

ومن شأن نشر هذه المعطيات بصورة إجمالية أن يوضح جانباً مهماً من النقاش، دون المساس بسرية الاقتراع أو الكشف عن اختيارات النواب الفردية.

المصدر الصحفي | هسبريس – انسحاب نواب تحالف اليسار من جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب

وتنص المادة 54 من النظام الداخلي لمجلس النواب على انتخاب الرئيس من بين المترشحين المعلن عنهم بواسطة الاقتراع السري، مع اشتراط الحصول على الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس في الدور الأول.

وبحصوله على 220 صوتاً، تجاوز التويزي عتبة 198 صوتاً، وهي الأغلبية المطلقة المطلوبة من أصل 395 مقعداً، ما سمح بحسم الانتخاب من الدور الأول.

ولا تؤثر الأوراق الملغاة، وفق الأرقام المسجلة، في تحقق هذا الشرط بالنسبة إلى الرئيس المنتخب.

لكن حسم النتيجة لا يلغي أهمية توضيح كيفية فرز الأوراق غير الصحيحة، خصوصاً بعد الجدل الذي أثاره إعلان النتيجة.

المرجع القانوني الرسمي | وزارة العدل – النظام الداخلي لمجلس النواب، المادة 54

26 مقعداً خارج حصيلة الاقتراع.. هل كان أصحابها غائبين؟

تطرح النتائج سؤالاً آخر يتعلق بالفارق بين العدد الإجمالي لمقاعد مجلس النواب وعدد الأوراق التي وُضعت في الصندوق.

فالمجلس يتكون من 395 مقعداً، بينما بلغ عدد الأوراق المسجلة 369، أي بفارق 26 مقعداً.

ويعني ذلك أن عدد الأوراق المدلى بها كان أقل من العدد القانوني للمقاعد بست وعشرين ورقة.

لكن لا يجوز اعتبار هذا الفارق، بمفرده، دليلاً على غياب 26 نائباً عن الجلسة.

فعدم الإدلاء بورقة اقتراع لا يساوي بالضرورة الغياب عن القاعة، كما أن تحديد أسباب عدم المشاركة يحتاج إلى بيانات الحضور والوضعيات القانونية للأعضاء.

وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى انتقال عدد من النواب المنتخبين إلى مسؤوليات حكومية، وما يرتبط بذلك من قواعد عدم الجمع بين العضوية البرلمانية والوظائف الحكومية.

غير أن إسناد أسباب عدم المشاركة إلى أشخاص محددين يتطلب الرجوع إلى اللوائح الرسمية، وليس الاكتفاء بالحساب العددي.

هندسة الأغلبية الجديدة.. ماذا تقول الأرقام وماذا لا تقول؟

تأتي هذه النتائج في أول استحقاق برلماني بعد إعلان التحالف الحكومي الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، ويضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

وقد منح الاتفاق الحكومي الجديد أحزابه أغلبية تبلغ 207 مقاعد، بعد استبعاد التجمع الوطني للأحرار من التركيبة التي ستتولى السلطة التنفيذية.

وكان MarocActu24 قد تناول عقب انتخابات 23 شتنبر سيناريو إعادة تشكيل التحالف الحكومي السابق بين الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال، وهو سيناريو كان سيمنح الأحزاب الثلاثة 228 مقعداً، لكنه لم يتحقق بعد انتهاء المشاورات إلى أغلبية رباعية مختلفة.

وتساعد العودة إلى تلك الحسابات على فهم طبيعة التحول الذي عرفته التحالفات السياسية، دون افتراض أن كل ورقة ملغاة في انتخابات رئاسة المجلس تمثل رفضاً لهذا التحول.

اقرأ أيضاً | من مواجهة الحملة إلى حسابات 228 مقعداً.. هل تعود أغلبية أخنوش برئاسة المنصوري؟

ومن الناحية السياسية، يمكن النظر إلى التصويت بورقة بيضاء باعتباره اختياراً بعدم دعم أي من المرشحين، كما قد يرتبط بعدم الرغبة في الاصطفاف خلال استحقاق تنظيمي محدد.

لكن تفسير نيات النواب يحتاج إلى تصريحات أو مواقف معلنة، ولا يمكن استخلاصه من الأرقام وحدها.

كما أن حصول التويزي على دعم يفوق عدد مقاعد الأغلبية لا يثبت وجود اتفاق رسمي مع أحزاب المعارضة، مثلما لا يثبت ارتفاع الأوراق الملغاة وجود رفض من داخل الأغلبية نفسها.

فهذه احتمالات سياسية تستوجب أدلة إضافية، ولا تصلح بديلاً عن النتائج المؤكدة.

وفي أول كلمة له عقب انتخابه، أكد أحمد التويزي أن مجلس النواب يواجه مسؤولية مواكبة الأوراش الكبرى وتحسين جودة التشريع والرقابة، مع ربط العمل البرلماني بأثره على المواطنين.

وسيكون من بين اختبارات الرئاسة الجديدة تدبير التعددية داخل المجلس، وضمان وضوح الإجراءات المرتبطة بالاقتراع والتعبير عن المواقف السياسية، خصوصاً عندما تختلف اختيارات الفرق بين المشاركة والامتناع والتصويت لفائدة المرشحين.

وفي المحصلة، حسمت الأصوات الصحيحة انتخاب رئيس مجلس النواب، لكنها لم تقدم جواباً عن طبيعة الأوراق التسعين التي خرجت من عملية الفرز دون احتسابها لصالح أي مرشح.

فالمؤكد أن التويزي حصل على 220 صوتاً، والأزمي على 59، وأن 90 ورقة اعتُبرت ملغاة، بينما تجاوز تأييد المرشحين معاً القواعد العددية للأحزاب التي يمثلونها.

أما أصحاب الأوراق الملغاة، فلا يمكن تحديد هوياتهم بسبب سرية الاقتراع، ولا يمكن تصنيف اختياراتهم سياسياً دون معطيات إضافية.

ويبقى السؤال القابل للتوضيح داخل المؤسسة التشريعية هو عدد الأوراق البيضاء ضمن التسعين، وعدد الأوراق التي أُلغيت لأسباب مسطرية أخرى.

فكشف هذا التفصيل، دون المساس بسرية التصويت، يمكن أن يميز بين الأخطاء الإجرائية والمواقف السياسية المعلنة، ويمنح الرأي العام قراءة أدق لأول اختبار برلماني بعد تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version