بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير دولي نُشر في 9 أكتوبر 2026 فتح سؤال العدالة الانتقالية بالمغرب، بعدما وثق مشاركة المملكة في رعاية أربعة قرارات داخل مجلس حقوق الإنسان.
وتكتسب هذه المشاركة دلالة خاصة عند مقارنتها بملاحظات لجنة أممية سابقة، نقلت عن الوفد المغربي أن عدم ملاحقة مرتكبي الانتهاكات كان سياسة مقصودة لتعزيز المصالحة الوطنية.
الملاحظة المتعلقة بعدم الملاحقة واردة في وثيقة مؤرخة في 18 أكتوبر 2024، وليست اتهاماً جديداً صدر في أكتوبر 2026.
أما التقرير الأحدث، فأصدرته منظمة «Universal Rights Group» لتقديم حصيلة الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة من 7 شتنبر إلى 7 أكتوبر 2026.
وبحسب جدول القرارات الذي نشرته المنظمة، شارك المغرب مع فرنسا والأرجنتين واليابان في رعاية قرار بشأن الاختفاء القسري أو غير الطوعي، ومع سويسرا في قرار حول حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
كما شارك مع سويسرا والأرجنتين في قرار يخص ولاية المقرر الخاص المعني بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، وإلى جانب دول أخرى في قرار بشأن الشباب وحقوق الإنسان. واعتمدت القرارات الأربعة بالتوافق.
المصدر | تقرير Universal Rights Group عن الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان
العدالة الانتقالية بالمغرب.. ماذا وثقت اللجنة الأممية؟
في الفقرة 26 من الوثيقة «CED/C/MAR/CO/1»، عبرت اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري عن قلقها إزاء تصريح الدولة الطرف خلال الحوار، يفيد بأن عدم ملاحقة مرتكبي الانتهاكات يمثل سياسة متعمدة تستهدف تعزيز المصالحة الوطنية.
وسجلت اللجنة أن عدم تمكين الشهود من تسمية المسؤولين أمام هيئة الإنصاف والمصالحة حال دون معالجة مسؤوليتهم الجنائية الفردية.
وأشارت إلى ادعاءات تحققت منها بشأن محاولات لبدء إجراءات جنائية في بعض الحالات لم تكلل بالنجاح.
وفي الفقرة 24، قالت اللجنة إن المعلومات التي تلقتها وتحققت منها تشير إلى أن حالات الاختفاء القسري المرتكبة بين 1956 و1999 لم تكن قد خضعت لتحقيقات أو ملاحقات.
وأبدت قلقها من السماح لبعض المشتبه في مسؤوليتهم بالبقاء في وظائفهم، بما فيها داخل قطاعي الأمن والعدالة، دون التحقيق معهم.
هذه ملاحظات لجنة أممية وفق المعطيات المتاحة لها سنة 2024، وليست أحكاماً قضائية تحدد إدانة أشخاص بعينهم. وقد أوصت اللجنة بالتحقيق في الحالات التاريخية وملاحقة المسؤولين، بمن فيهم الرؤساء المدنيون والعسكريون، ومعاقبة من تثبت إدانتهم، وإزالة المقتضيات أو الممارسات التي قد تعفي مرتكبي الاختفاء القسري من الملاحقة أو العقوبة.
المصدر الأممي الرسمي | الملاحظات الختامية بشأن المغرب، خصوصاً الفقرات 24 إلى 27
وفي المقابل، أقرت اللجنة بأهمية عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، وأوردت استناداً إلى المعطيات المقدمة خلال الحوار، معالجة ملفات أكثر من 27 ألف ضحية، وإقرار تعويضات لفائدة 20 ألفاً و339 شخصاً، وتيسير حصول أكثر من 20 ألف شخص على التغطية الصحية، وشمول برامج جبر الضرر الجماعي 13 منطقة.
لكنها سجلت عدم استكمال توصيات الهيئة، ودعت إلى نشر تقارير دورية عن تقدم تنفيذها، واستكمال البحث عن المختفين وتحديد هويات الرفات، وإحداث سجل وطني موحد يتضمن معلومات دقيقة ومحدثة.
كما أثارت محدودية الوصول إلى الأرشيفات المرتبطة بالاختفاء القسري.
وكان MarocActu24 قد تابع مطالب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات في ملفات اختفاء تاريخية، من بينها المهدي بنبركة والحسين المانوزي وعبد الحق الرويسي.
اقرأ أيضاً | بنبركة والمانوزي والرويسي.. ملفات الاختفاء القسري ومطالب الحقيقة والمحاسبة
إنصاف المعتقلين الإسلاميين.. التأهيل والتحقيق في الانتهاكات
ويمتد سؤال الإنصاف، ضمن سياق تاريخي وقانوني مختلف عن الفترة المشمولة باختصاص هيئة الإنصاف والمصالحة، إلى شكاوى التعذيب والمحاكمات غير العادلة التي أثارها معتقلون إسلاميون في أعقاب تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003.
ففي تقريرها «المغرب: حقوق الإنسان عند مفترق طرق»، المنشور في 20 أكتوبر 2004، وثقت «هيومن رايتس ووتش» شهادات وادعاءات بشأن التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وانتزاع اعترافات تحت الضغط وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة.
وتضمن التقرير أيضاً جواباً لوزارة العدل المغربية، مؤرخاً في 5 يونيو 2004، نفت فيه الاتهامات التي عرضتها المنظمة في مراسلتها، وأكدت وجود ضمانات قانونية لحماية الحقوق. وظلت المنظمة مختلفة مع مضمون عدد من تلك الأجوبة.
ولا تحسم الشهادات وحدها المسؤولية القضائية في كل ملف، كما لا تلغي مسؤولية من تثبت إدانتهم بجرائم إرهابية. ويظل التحقيق في ادعاءات التعذيب وضمان الانتصاف عند ثبوت الانتهاك مسألة مستقلة عن طبيعة التهمة الموجهة إلى المعتقل.
🟦 المصدر | تقرير هيومن رايتس ووتش، متضمناً رد وزارة العدل المغربية
وعلى مستوى التأهيل، أعلن مركز «مصالحة»، بمناسبة افتتاح الدورة الحادية والعشرين في شتنبر 2026، مشاركة 456 نزيلاً في الدورات العشرين السابقة، وانضمام 24 نزيلاً إلى الدورة الجديدة، ليبلغ مجموع المشاركين 480.
ويخص هذا الرقم المشاركين في البرنامج، ولا يمثل حصيلة تعويضات عن انتهاكات أو عدد ملفات شكاوى التعذيب التي حُسمت.
فالتأهيل وإعادة الإدماج يعالجان مسار العودة إلى المجتمع، بينما يتعلق التحقيق والمساءلة وجبر الضرر بأفعال وانتهاكات يجب إثباتها ودراسة مسؤولياتها.
المصدر الرسمي | مركز مصالحة وحصيلة المشاركين في البرنامج
وفي خبر منشور يوم فاتح غشت 2025، نقل موقع «اليوم 24» عن 24 معتقلاً إسلامياً سابقاً احتجاجهم على ما وصفوه باختلالات في برامج الإدماج الاقتصادي والرعاية الصحية التي تشرف عليها مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء. وتبقى هذه الاتهامات منسوبة إلى أصحابها؛ فالخبر لا يقدم نتائج افتحاص أو تحقيق قضائي تثبتها.
المصدر | شكاوى معتقلين إسلاميين سابقين بشأن برامج الإدماج
كما طالب مصطفى كريمي، المنسق الوطني للتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، في حوار سابق مع MarocActu24، بجبر الضرر وتسوية الوضعيات القانونية والمهنية والاجتماعية، وبآلية تدرس الملفات حالة بحالة، معتبراً أن انتهاء العقوبة لا ينهي بالضرورة آثارها على المفرج عنهم وأسرهم.
اقرأ أيضاً | قدماء المعتقلين الإسلاميين.. كريمي يطالب بجبر الضرر والإدماج
وفي الجانب التشريعي، دخل القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، بحسب وزارة العدل، التي قدمته باعتباره تعزيزاً لحقوق الدفاع وقرينة البراءة وضمانات الحراسة النظرية.
في المقابل، انتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان مؤرخ في 4 يناير 2026، ما تعتبره نقصاً في ضمانات الدفاع والوقاية من التعذيب، وطالبت بالتسجيل السمعي البصري الإجباري وتمكين المعتقل من الدفاع منذ اللحظة الأولى للاعتقال. وهذه قراءة حقوقية للجمعية تختلف عن التقييم الذي قدمته الوزارة.
المصدر الرسمي | وزارة العدل بشأن دخول القانون 03.23 حيز التنفيذ
المصدر | بيان الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتاريخ 4 يناير 2026
ويبقى التجريم المستقل للاختفاء القسري موضوعاً منفصلاً عن تعديل المسطرة الجنائية؛ فقد سجلت اللجنة الأممية في 2024 غياب جريمة مستقلة مطابقة لتعريف الاتفاقية في التشريع الوطني. ولا تكفي الإشارة إلى إصلاح القانون الإجرائي وحده لإثبات معالجة هذه الملاحظة.
وحددت اللجنة 4 أكتوبر 2028 أجلاً لتقديم المغرب معلومات محدثة عن تنفيذ توصياتها. ولم تتح المصادر التي راجعناها حصيلة شاملة تحدد ما استجد في المتابعات القضائية بالملفات التاريخية أو نتائج شكاوى الانتهاكات التي أثارها معتقلون إسلاميون سابقون.
ومن ثم، فإن تقييم العدالة الانتقالية بالمغرب يحتاج إلى بيانات منشورة تميز بين التعويض والتغطية الصحية وإعادة الإدماج، وبين التحقيق وتحديد المسؤوليات الجنائية.
فالمعطى الجديد في تقرير 9 أكتوبر 2026 هو رعاية القرارات الدولية؛ أما السؤال الذي تتركه الوثيقة الأممية السابقة مفتوحاً، فيتعلق بما تحقق من توصيات المحاسبة والإنصاف داخل المغرب.
