بقلم: الباز عبدالإله
كشفت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية اختلالات مقلقة في وضعية مجازر المغرب، بعدما سجلت أن منشآت عديدة لذبح الماشية لا تزال غير مستوفية لمتطلبات المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية «ONSSA»، بينما تواصل مجازر قروية وغير مهيكلة نشاطها في ظل مراقبة محدودة، وسط مشاكل ترتبط بالنظافة والتبريد وتقادم التجهيزات.
ويأتي هذا التشخيص بالتزامن مع إعلان أمريكي، الخميس 8 أكتوبر 2026، عن اختيار المغرب للاستفادة من تمويل قد يصل إلى 33.1 مليون دولار، ضمن برنامج «الغذاء من أجل التقدم» (Food for Progress)، الذي يستهدف تحسين السلامة الصحية للأغذية وتطوير قطاع تربية الماشية على مدى خمس سنوات.
غير أن المعطى الأبرز لا يتعلق بقيمة التمويل وحدها، بل بما تضمنته وثيقة فرصة التمويل الأمريكية التي نُشرت في 21 ماي 2026، وخضعت لتعديلات كان آخرها في 8 يونيو، إذ قدمت وصفاً صريحاً للاختلالات التي تعانيها مجازر المغرب وسلاسل تبريد اللحوم، رغم برامج التحديث والتأهيل التي تنفذها السلطات المغربية.
وتكشف الصفحات 46 و47 و48 من النسخة المحينة عن فجوة بين المتطلبات التنظيمية المفروضة على منشآت الذبح والوضع الذي تصفه الإدارة الأمريكية، وهو ما يضع حصيلة المراقبة الصحية والاستثمارات العمومية المخصصة للقطاع أمام أسئلة تتطلب معطيات رسمية محينة.
مجازر المغرب خارج شروط السلامة.. ماذا كشفت الوثيقة الأمريكية عن مراقبة «أونسا
تسجل وزارة الزراعة الأمريكية أن البنيات التحتية للمجازر وسلاسل التبريد بالمغرب لم تواكب ارتفاع الطلب على اللحوم، رغم الاستثمارات التي تنجزها السلطات المغربية في إطار استراتيجية «الجيل الأخضر» لتحديث المنشآت الحضرية الكبرى وتحسين أنظمة التبريد.
وبحسب التشخيص الأمريكي، لا تزال حصة واسعة من المجازر القروية وشبه الحضرية تعتمد على معدات متقادمة وممارسات نظافة غير كافية، مع محدودية مرافق التخزين المبرد أو غيابها، وضعف الامتثال للمتطلبات التنظيمية.
وتشير الوثيقة إلى أن عدداً مهماً من منشآت الذبح يشتغل داخل مرافق متدهورة أو مجهزة بأنظمة صحية غير كافية، وهي ظروف تزيد، وفق التقييم الأمريكي، مخاطر تلوث اللحوم وتقلص مدة صلاحيتها، خصوصاً عندما لا تتوفر شروط المحافظة على سلسلة التبريد.
والأكثر لفتاً أن الوثيقة تذكر المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بالاسم، مؤكدة أن منشآت عديدة لا تزال غير مستوفية لمتطلباته، وأن عدداً كبيراً من المجازر القروية وغير المهيكلة، خصوصاً المرتبطة بأسواق الماشية التقليدية، يواصل نشاطه في ظل مراقبة محدودة.
ويثير هذا المعطى سؤالاً بشأن كيفية التعامل مع منشآت الذبح التي لا تستجيب للمعايير الصحية، وعدد عمليات التفتيش المنجزة، وطبيعة الإجراءات التصحيحية المتخذة لضمان احترام الشروط التنظيمية.
غير أن الوثيقة الأمريكية لا تقدم إحصاءً وطنياً للمجازر غير المطابقة، ولا تحدد أسماء المنشآت المعنية أو مواقعها الدقيقة. كما أنها وثيقة لتوجيه التمويل تتضمن تشخيصاً قطاعياً، وليست تقرير تفتيش ميدانياً شاملاً، ولذلك لا يمكن اعتبارها إثباتاً لوجود لحوم ملوثة في مجازر بعينها.
المصدر الرسمي | وزارة الزراعة الأمريكية – النسخة المحينة من وثيقة تمويل Food for Progress، الصفحات 46 إلى 48
لا تقتصر الملاحظات الأمريكية على شروط النظافة والمراقبة البيطرية، بل تمتد إلى النموذج الاقتصادي الذي تعتمد عليه بعض مرافق الذبح، خصوصاً داخل الجماعات الصغيرة والقروية.
وتؤكد الوثيقة أن رسوم الذبح نادراً ما تكفي لتغطية مصاريف التشغيل والصيانة، ما يحد من قدرة المنشآت على تمويل الإصلاحات الضرورية والمحافظة على التجهيزات بعد تحديثها.
كما تسجل أن مصادر الدخل البديلة، مثل خدمات التخزين المبرد وبيع المنتجات الثانوية للذبح وتأجير المساحات المهنية للجزارين والتجار، ما زالت محدودة التطور بسبب ضعف الطلب المحلي ونقص التجهيزات وعدم تنظيم الأسواق المرتبطة بهذه الأنشطة.
وتضيف أن ممارسات الذبح غير المهيكلة تقلص، في حالات عديدة، حجم العمليات المنجزة داخل المجازر الرسمية، وهو ما ينعكس على مداخيلها ويحد من قدرتها على استرجاع تكاليف الاستثمار.
وتظهر هنا حلقة اقتصادية يصعب تجاوزها بمجرد بناء منشآت جديدة؛ فتأهيل المجزرة يتطلب استثمارات في التجهيزات والنظافة والتبريد، بينما يحتاج استمرار تشغيلها إلى مداخيل قادرة على تغطية الصيانة والمراقبة والخدمات الأساسية.
ولذلك تدعو التوجيهات الأمريكية إلى تطوير نماذج تدبير أكثر استدامة، وربط تحديث المنشآت بتحسين قدرتها التشغيلية والمالية، بدل الاقتصار على الاستثمار الأولي في البنية التحتية.
وفي سياق مرتبط بمراقبة الذبح غير المرخص، سبق لموقع MarocActu24 أن تابع عملية نفذتها لجنة مختلطة بمدينة ابن جرير، في يونيو 2026، وأسفرت عن حجز نحو نصف طن من الديك الرومي داخل محل غير مرخص مخصص للذبح.
وتتعلق تلك الواقعة بحالة محلية محددة، ولا تصلح وحدها لتعميم اختلالات الذبح على المستوى الوطني، لكنها تبرز أهمية مراقبة الأنشطة التي تجري خارج المنشآت المرخصة.
اقرأ أيضاً | نصف طن من الديك الرومي داخل محل سري بابن جرير.. لجنة مختلطة تتحرك لحماية المستهلك
أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية، في 8 أكتوبر 2026، حزمة دولية من المساعدات الغذائية والاستثمارات الزراعية بقيمة 825 مليون دولار، تشمل عدة برامج، من بينها «الغذاء من أجل التقدم» الذي اختير المغرب للاستفادة منه.
وبحسب المعطيات التي رافقت الإعلان، تصل قيمة المشروع المخصص للمغرب إلى 33.1 مليون دولار على مدى خمس سنوات، ومن المرتقب أن تتولى منظمة «Counterpart International» تنفيذه.
ويعتمد تمويل المشروع على بيع نحو 33 ألف طن متري من المنتجات الزراعية الأمريكية، تشمل كسب فول الصويا والقمح، وتوظيف العائدات في أنشطة تطوير القطاع، مع توقع استفادة نحو خمسة آلاف شخص.
ولا تعني قيمة 33.1 مليون دولار أن المبلغ صُرف فعلياً أو حُول مباشرة إلى ميزانية مؤسسة مغربية، كما لا تعني تخصيصه بالكامل لبناء المجازر، لأن البرنامج يشمل تدخلات أوسع مرتبطة بالسلامة الغذائية وسلسلة القيمة الحيوانية.
وكانت وثيقة طلب التمويل قد قدرت القيمة الأولية للمشروع المغربي بما يصل إلى 32.96 مليون دولار تقريباً، قبل الإعلان اللاحق عن مبلغ يصل إلى 33.1 مليون دولار.
أما بخصوص مناطق التدخل، فقد حددت الإدارة الأمريكية في توجيهاتها محيط سطات، ومحور الرباط والقنيطرة، وجهة سوس ماسة، باعتبارها مجالات محتملة لاحتضان المشاريع، مع إعطاء الأولوية للمناطق البعيدة عن المجازر الحضرية الكبرى.
ولا يمثل هذا التحديد توزيعاً نهائياً للاستثمارات، كما لا يعني أن جميع المجازر الموجودة في هذه المناطق تعاني الاختلالات نفسها.
وتشدد التوجيهات على ضرورة تأهيل المجازر القروية، وتطوير التخزين المبرد، واعتماد بروتوكولات للنظافة تستجيب للمعايير الدولية، مع تعزيز الامتثال لمتطلبات «أونسا» وتكوين العاملين في الذبح والتبريد والنقل.
كما تشجع إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص، مع مساهمات محلية في تمويل الاستثمارات المرتبطة بالتجهيزات والبنيات التحتية، يُفضل أن تصل إلى 50 في المائة أو أكثر في بعض المشاريع.
ولا تشكل هذه النسبة التزاماً عاماً مفروضاً على جميع المستفيدين، وإنما تندرج ضمن التصور الأمريكي لضمان استمرارية تشغيل التجهيزات وصيانتها بعد انتهاء الدعم.
المصدر الرسمي | وزارة الزراعة الأمريكية – صفحة برنامج Food for Progress وفرص التمويل
تكشف العودة إلى بلاغ رسمي صادر عن المجلس الأعلى للحسابات أن ملف المجازر وسلاسل التبريد كان موضوع مباحثات مؤسساتية بين مسؤولين مغاربة وأمريكيين قبل إعلان اختيار الجهة المنفذة للبرنامج الجديد.
ففي 3 أبريل 2026، استقبلت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، وفداً من وزارة الزراعة الأمريكية ضم جيسيكا موجيتابا فيرنانديز، مديرة البرنامج لدى مصلحة الشؤون الزراعية الخارجية، وبنجامين راو، الملحق الفلاحي بالسفارة الأمريكية في الرباط، ومحمد فردوسي، المتخصص في الشؤون الفلاحية بالسفارة.
وأوضح البلاغ أن اللقاء تناول مهام المراقبة والتقييم التي تمارسها المحاكم المالية في القطاع الفلاحي، ولا سيما المجازر والبنيات التحتية لسلسلة التبريد، باعتبارها من الأولويات المحورية للبرنامج الأمريكي.
ولا يشير البلاغ إلى إنجاز المجلس الأعلى للحسابات افتحاصاً خاصاً بالمجازر في إطار هذا البرنامج، لكنه يؤكد أن موضوع مراقبة القطاع وتقييمه كان حاضراً في المحادثات الرسمية.
وتزداد أهمية هذه المباحثات بالنظر إلى أن الوثيقة الأمريكية لا تكتفي بطلب تحديث المرافق، بل تشدد كذلك على ضرورة تفادي تكرار الاستثمارات التي تنجزها السلطات المغربية أو الجهات المانحة الأخرى.
فالإدارة الأمريكية تطلب التنسيق مع برامج تأهيل المجازر الوطنية، والمبادرات المرتبطة بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والبنك الدولي، والاستثمارات المدعومة من مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية في مجال التبريد.
وتطرح هذه التوجيهات سؤالاً يتعلق بالحصيلة السابقة: ما المشاريع التي استفادت من استثمارات عمومية لتأهيل المجازر؟ وما المنشآت التي أصبحت مطابقة للمعايير الصحية بعد انتهاء الأشغال؟ وهل تتوفر بيانات منشورة بشأن استمرار تشغيلها وصيانتها؟
المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – زيارة وفد وزارة الزراعة الأمريكية يوم 3 أبريل 2026
تضع الملاحظات الأمريكية ملف سلامة اللحوم بالمغرب أمام مسؤوليات تتقاسمها عدة جهات، تشمل وزارة الفلاحة والجماعات الترابية والسلطات المختصة والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وفق اختصاصات كل مؤسسة.
فالبنيات التحتية وشروط تسيير مرافق الذبح ترتبط بقرارات واستثمارات متعددة، بينما تتطلب السلامة الصحية مراقبة بيطرية واحتراماً منتظماً للشروط التنظيمية.
ومن هنا، لا يكفي الإعلان عن تحديث مجزرة أو تجهيزها بغرف تبريد للحكم على نجاح المشروع، ما لم تقترن الأشغال بمؤشرات تخص المطابقة الصحية، وانتظام التفتيش، واستمرار استعمال التجهيزات وصيانتها.
وتكتسب مراقبة السلامة الغذائية أهمية تتجاوز المجازر وحدها، بالنظر إلى تعدد مراحل الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع التي يمكن أن تظهر خلالها اختلالات مختلفة.
وكان MarocActu24 قد تناول ملف إخطارات الأغذية المغربية في أوروبا، بعدما رصد 19 إخطاراً خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، شملت منتجات غذائية متنوعة ومخاطر صحية مختلفة، وفق بيانات نظام الإنذار السريع الأوروبي.
ويتعلق ذلك بملف منفصل عن المجازر، ولا تثبت تلك الإخطارات وجود علاقة بين المنشآت المذكورة في الوثيقة الأمريكية والمنتجات موضوع التنبيهات الأوروبية.
اقرأ أيضاً | إخطارات الأغذية المغربية في أوروبا.. 19 حالة خلال 8 أشهر بين الرصاص والسالمونيلا والمبيدات
بعد التشخيص الأمريكي الجديد، تبرز الحاجة إلى نشر معطيات وطنية محينة حول وضعية مجازر المغرب، بما يسمح بتحديد حجم الاختلالات ومتابعة نتائج برامج التأهيل والمراقبة.
وتتعلق الأسئلة الأساسية بعدد المجازر المرخصة والمطابقة للشروط الصحية، وعدد المنشآت التي رُصدت داخلها مخالفات، وحصيلة عمليات المراقبة البيطرية والإجراءات التصحيحية المتخذة، فضلاً عن قيمة الاعتمادات العمومية المصروفة على مشاريع التأهيل ونتائجها.
كما يطرح الملف سؤالاً بشأن المجازر القروية وغير المهيكلة التي تحدثت عنها الوثيقة الأمريكية، ومدى خضوعها للمراقبة المنتظمة، والإجراءات المعتمدة لمنع تسويق اللحوم عبر مسالك لا تستجيب للشروط القانونية والصحية.
ولا تتضمن الوثيقة رقماً وطنياً يسمح بتحديد نسبة المجازر غير المطابقة، أو قياس تطور هذه النسبة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يمنع إصدار حكم إحصائي شامل بشأن نتائج السياسات العمومية في القطاع.
لكن الإشارة الصريحة إلى استمرار عمل منشآت لا تستوفي متطلبات «أونسا»، في وثيقة صادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية، تجعل نشر الحصيلة الرسمية للمراقبة والتأهيل أمراً أساسياً لتوضيح واقع القطاع.
وبين تشخيص أمريكي يسجل اختلالات في مجازر المغرب، وبرنامج تمويل جديد قد يصل إلى 33.1 مليون دولار، يبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية: كم مجزرة تعمل اليوم خارج شروط المطابقة الصحية، وما الذي تغير فعلياً بعد سنوات من الاستثمارات وبرامج التحديث؟


