فتحت دراسة علمية دولية جديدة ملف مشاركة المنتخبات ببني ملال خنيفرة، بعدما رصدت شهادات ميدانية عن مستشارات جماعيات يواجهن عوائق لغوية وتنظيمية واجتماعية تحد من قدرتهن على متابعة المداولات والتأثير في القرارات، رغم حصولهن على مقاعد داخل المجالس المنتخبة.
ومن أكثر المعطيات إثارة للانتباه شهادة أدلى بها منتخب محلي، أفاد فيها بأن إحدى المستشارات تحضر جلسات المجلس دون فهم العربية المستعملة في المداولات، ثم توقع عندما يُطلب منها ذلك.
ولا تمثل هذه الرواية شهادة مباشرة من المستشارة المعنية، ولا تثبت وحدها أنها صادقت على قرارات محددة دون معرفة مضمونها، لكنها تطرح سؤالاً حول الشروط الفعلية لممارسة الانتداب الانتخابي، ومدى قدرة جميع أعضاء المجالس على فهم الوثائق والنقاشات قبل اتخاذ المواقف والتصويت.
الدراسة، المنشورة الجمعة 9 أكتوبر 2026 في مجلة «Social Sciences» العلمية، تحمل عنوان «النظام الأبوي المؤسساتي فيما وراء التمثيل: المجال القروي والنوع الاجتماعي والمشاركة السياسية للنساء الأمازيغيات في المغرب».
وأنجزها الباحثون حنان البركة ورحلان مشرفي ومحمد خالد برانداليز غزالي ولحسن العساوي، المرتبطون بمؤسسات جامعية مغربية وإيطالية، من بينها جامعة السلطان مولاي سليمان وجامعة الحسن الثاني وجامعة بادوفا.
المصدر العلمي الأصلي | Social Sciences – MDPI، 9 أكتوبر 2026
مشاركة المنتخبات ببني ملال خنيفرة.. ماذا كشفت 9 مقابلات؟
اعتمد البحث مقاربة نوعية تستند إلى تسع مقابلات ميدانية أجريت خلال أبريل وماي 2026 بجهة بني ملال خنيفرة، وشملت خمس منتخبات ناطقات بالأمازيغية، ومنتخبين رجلين، ومسؤولين محليين اثنين.
ولم يكن هدف الباحثين احتساب نسبة وطنية للمنتخبات اللواتي يواجهن صعوبات داخل المجالس، بل فهم الآليات التي قد تجعل الحضور القانوني للمرأة مختلفاً عن قدرتها الفعلية على المشاركة والتأثير.
ومن خلال الشهادات، ظهرت اللغة باعتبارها أحد العوائق التي يمكن أن تواجه بعض المستشارات الناطقات بالأمازيغية، عندما تجري المناقشات بلغة لا يتمكنّ من متابعتها بصورة كافية.
ولا يتعلق الإشكال بمجرد اختلاف اللغة المستعملة، بل بما يمكن أن يترتب عنه عند مناقشة برامج التنمية والميزانيات والاتفاقيات والقرارات التي تتطلب فهماً دقيقاً لمضمون الوثائق والاقتراحات.
فالمستشارة الجماعية لا تمارس مهامها بمجرد الحضور داخل القاعة، وإنما من خلال الاطلاع على الملفات ومناقشتها والتعبير عن المواقف والمشاركة في اتخاذ القرار.
وهنا تبرز أهمية الشهادة المتعلقة بالمستشارة التي قيل إنها توقع دون فهم المداولات، لأنها تثير مسألة تستدعي التحقق المؤسسي: كيف تضمن الجماعة أن أعضاء مجلسها يستطيعون فهم ما يعرض عليهم من ملفات وقرارات؟
غير أن الدراسة لا تسمح بالقول إن هذه الممارسة منتشرة داخل جميع مجالس الجهة، أو إن المنتخبين الآخرين يتعمدون إقصاء المستشارات من المناقشات.
اجتماعات في المقاهي ومواعيد مسائية.. عوائق خارج قاعة المجلس
لم تقتصر الشهادات على العائق اللغوي، بل تناولت أيضاً طبيعة بعض الفضاءات التي تجري فيها اللقاءات المرتبطة بالعمل السياسي المحلي.
وتحدث مشاركون عن اجتماعات تُعقد في مقاهٍ يغلب عليها الحضور الرجالي، وهو ما قد يجعل مشاركة بعض المستشارات أكثر صعوبة، بالنظر إلى الأعراف الاجتماعية السائدة في محيطهن.
كما أشارت الشهادات إلى مواعيد مسائية قد تتعارض مع المسؤوليات الأسرية لبعض النساء، أو مع القيود الاجتماعية المرتبطة بالتنقل والحضور خارج المنزل.
ولا تعني هذه النتائج أن الاجتماع في مقهى يمثل مخالفة قانونية في جميع الحالات، أو أن كل لقاء سياسي غير رسمي يؤدي إلى إقصاء النساء.
لكنها تطرح إشكالاً يتعلق بتكافؤ فرص الوصول إلى النقاشات التي قد تُصاغ خلالها المواقف والتفاهمات قبل انتقالها إلى المؤسسات المنتخبة.
فإذا كانت بعض المشاورات تجري في أوقات أو أماكن يصعب على فئة من أعضاء المجلس حضورها، فإن السؤال يصبح متعلقاً بمدى مساواة الجميع في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في بلورة القرارات.
وتظهر أهمية هذا الجانب خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمنتخبات اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية إلى جانب عملهن السياسي.
وفي المقابل، أبرزت الشهادات أن التكوين والخبرة السياسية والتواصل المستمر مع السكان يمكن أن يعزز استقلالية المستشارات وقدرتهن على التدخل والدفاع عن مواقفهن.
وهذا يعني أن مشاركة المنتخبات ببني ملال خنيفرة لا تتحدد بالعوائق وحدها، بل تتأثر أيضاً بالمهارات والموارد التنظيمية والعلاقات التي تتمكن كل منتخبة من بنائها خلال تجربتها السياسية.
الأمازيغية لغة رسمية.. ماذا عن فهم المداولات؟
تكتسب المسألة اللغوية بعداً مؤسساتياً بالنظر إلى أن الفصل الخامس من الدستور المغربي ينص على رسمية اللغة الأمازيغية إلى جانب العربية، مع تحديد مراحل إدماجها في مجالات الحياة العامة وفق القانون التنظيمي الخاص بها.
كما ينص الفصل التاسع عشر على تمتع الرجال والنساء، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية وغيرها، وعلى سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة.
غير أن الاعتراف الدستوري لا يعني تلقائياً أن جميع الإجراءات المتعلقة باستعمال الأمازيغية داخل المجالس الجماعية أصبحت مطبقة بصورة متطابقة.
ولا تقدم الدراسة تقييماً قانونياً شاملاً لمدى احترام كل جماعة لمقتضيات استعمال اللغات الرسمية، لكنها تثير حاجة عملية إلى التمييز بين الحق القانوني في التمثيل وبين القدرة الفعلية على المشاركة.
ويمكن أن يشمل ذلك توفير التوضيحات المناسبة للمستشارين، وتيسير فهم الوثائق، وإتاحة فرص متكافئة للتدخل والمناقشة.
المصدر الرسمي | المحكمة الدستورية – دستور المملكة المغربية
36.47% من الترشيحات نسائية.. هل يكفي الحضور العددي؟
يأتي نشر الدراسة بعد أسابيع من انتخابات 23 شتنبر 2026، التي أعادت إلى الواجهة مسألة تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة.
وكان MarocActu24 قد تناول معطيات وزارة الداخلية المتعلقة بالترشيحات التشريعية، بعدما بلغت نسبة النساء 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات.
غير أن تفكيك الأرقام كشف أن حصة النساء داخل الدوائر المحلية المفتوحة لم تتجاوز نحو 15.9 في المائة، فيما لم تتصدر النساء سوى 7.5 في المائة تقريباً من اللوائح المحلية.
وتختلف هذه المؤشرات الخاصة بالانتخابات التشريعية عن موضوع الدراسة الجديدة، الذي يتعلق بالمشاركة داخل المجالس الجماعية، ولا يجوز الخلط بين المؤسستين.
لكن المقارنة تبرز وجود مستويين مختلفين في تقييم المشاركة السياسية للنساء: الوصول إلى المواقع الانتخابية من جهة، والقدرة على ممارسة الصلاحيات والتأثير في القرارات من جهة ثانية.
اقرأ أيضاً | 36.47% من الترشيحات نسائية لكن 8.9% فقط بين النواب العائدين.. ماذا تكشف أرقام انتخابات 2026؟
وتثير نتائج الدراسة سؤالاً بشأن مدى اهتمام الأحزاب السياسية بمنتخباتها بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية.
فالحصول على المقعد لا ينهي الحاجة إلى المواكبة والتكوين، خصوصاً بالنسبة إلى المستشارات اللواتي يخضن التجربة الانتخابية للمرة الأولى.
كما أن القدرة على قراءة الملفات المالية والقانونية والمشاركة في اللجان ومناقشة البرامج الترابية تتطلب مهارات قد تختلف من منتخب إلى آخر، بصرف النظر عن الجنس.
وهنا تصبح مسؤولية التكوين والمواكبة جزءاً من النقاش بشأن فعالية المؤسسات، وليس مجرد إجراء إضافي لتحسين صورة المشاركة النسائية.
من يحسم في المشاريع إذا تعذر على بعض الأعضاء فهمها؟
تتجاوز أهمية الدراسة موضوع الحضور داخل الاجتماعات إلى طبيعة القرارات التي تتخذها المجالس المنتخبة.
فالجماعات الترابية تشارك في إعداد برامج التنمية والتداول بشأن مشاريع وتجهيزات وخدمات محلية، ضمن منظومة تتوزع فيها الاختصاصات بين المجالس والإدارة والسلطات المختصة.
وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق تفاصيل برامج التنمية الترابية المندمجة التي قدرت كلفتها الأولية بنحو 210 مليارات درهم خلال ثماني سنوات، مع تفكيك صلاحيات الإعداد والمصادقة والتنفيذ والمراقبة.
وتبرز أهمية هذا الربط لأن المشاركة داخل المجالس ليست مسألة شكلية عندما يتعلق الأمر بقرارات ذات آثار مالية واجتماعية على السكان.
اقرأ أيضاً | 210 مليارات في 8 سنوات.. الجهة تملك شركة التنفيذ والداخلية تعيّن مديرها والوالي يصادق على قراراتها
ولا تثبت الدراسة أن منتخبات الجهة صادقن على مشاريع غير قانونية أو أن قرارات جماعية اتُّخذت دون احترام المساطر.
لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً بشأن مدى توفر شروط الاطلاع والفهم والتداول أمام جميع أعضاء المجالس، خصوصاً عندما تؤثر العوائق اللغوية أو التنظيمية في القدرة على المشاركة.
تسع مقابلات لا تمثل جميع المجالس المغربية
رغم أهمية الشهادات، ينبغي التعامل مع نتائج الدراسة وفق حدودها المنهجية.
فالبحث اعتمد تسع مقابلات فقط، اختير المشاركون فيها بصورة قصدية داخل جهة بني ملال خنيفرة، ولم يُنجز باعتباره مسحاً وطنياً تمثيلياً للمجالس الجماعية المغربية.
كما أن المقابلات أجريت في أبريل وماي 2026، أي قبل انتخابات شتنبر من السنة نفسها، وبالتالي لا تسمح نتائجها بالحكم على تركيبة المؤسسات المنتخبة بعد تلك الانتخابات أو على الممارسات التي قد تكون تغيرت لاحقاً.
وتكتسب شهادة المنتخب بشأن المستشارة التي لا تفهم العربية أهمية باعتبارها رواية تستحق الدراسة، لكنها تظل شهادة غير مباشرة، ولا يجوز تقديمها باعتبارها اعترافاً صادراً عن المستشارة نفسها.
كذلك لا تسمح العينة بقياس نسبة المستشارات اللواتي يواجهن صعوبات لغوية أو تنظيمية، ولا بتحديد الجهات أو الأحزاب الأكثر ارتباطاً بهذه الممارسات.
لكن قيمة الدراسة تكمن في إبراز عوائق قد لا تظهر في الإحصاءات الرسمية التي تكتفي بعدد النساء المنتخبات أو حصتهن داخل المجالس.
مشاركة المنتخبات ببني ملال خنيفرة.. أسئلة للأحزاب ورؤساء الجماعات
تعيد النتائج النقاش إلى مسؤولية المؤسسات والأحزاب في توفير شروط فعلية لممارسة الانتداب الانتخابي.
ويتعلق السؤال الأول بالتكوين: ما البرامج التي تتيحها الأحزاب لمنتخباتها من أجل فهم صلاحيات المجالس والميزانيات والاتفاقيات والمساطر القانونية؟
أما السؤال الثاني فيتعلق باللغة: كيف تتعامل الجماعات مع الأعضاء الذين يحتاجون إلى توضيحات لغوية لفهم الوثائق والمداولات، وهل تتوفر إجراءات مناسبة تحول دون اقتصار مشاركتهم على الحضور الشكلي؟
ويتعلق السؤال الثالث بتنظيم الاجتماعات: هل تؤخذ التزامات الأعضاء وظروفهم بعين الاعتبار عند تحديد المواعيد والفضاءات التي تجري فيها المناقشات المرتبطة بالعمل الجماعي؟
ثم يبرز سؤال رابع حول قياس المشاركة الفعلية: هل يكفي إحصاء عدد المستشارات داخل المجلس، أم ينبغي أيضاً تقييم حضورهن في اللجان، ومساهمتهن في النقاش، والمقترحات التي يتقدمن بها، ومسؤولياتهن داخل هياكل المجلس؟
ولا تعني هذه الأسئلة أن جميع المنتخبات يعانين التهميش، أو أن تمثيلية النساء لم تحقق أي تقدم. لكنها تبرز الحاجة إلى أدوات تقييم أكثر دقة من الاكتفاء بإحصاء المقاعد.
فما تكشفه دراسة مشاركة المنتخبات ببني ملال خنيفرة هو أن الوصول إلى المجلس لا يضمن وحده القدرة على التأثير داخله.
وبين شهادة عن مستشارة قيل إنها توقع دون فهم المداولات، وروايات عن اجتماعات ومواعيد تصعّب المشاركة، تصبح القضية مرتبطة بشروط ممارسة السلطة المحلية نفسها.
والسؤال الذي تضعه الدراسة أمام الأحزاب ورؤساء الجماعات هو: ما قيمة المقعد الانتخابي إذا لم تتوفر لصاحبته جميع الشروط الضرورية لفهم القرارات والمشاركة في صياغتها ومناقشتها قبل التصويت عليها؟
