وضع تقرير اقتصادي جديد للبنك الدولي التشغيل بالمغرب أمام مفارقة لافتة، بعدما توقع نمو الاقتصاد بنسبة 4.4 في المائة خلال 2026، وارتفاع الاستثمار الثابت بنسبة 10.5 في المائة، مقابل بقاء معدل التشغيل عند 40.1 في المائة فقط من السكان البالغين 15 سنة فأكثر، في صورة تثير أسئلة بشأن قدرة الاستثمارات المتزايدة على توسيع فرص العمل وتحسين استفادة المواطنين من النمو الاقتصادي.

وتزداد أهمية هذه المعطيات مع امتداد أفق التوقعات إلى سنة 2028، حيث لا ينتظر البنك الدولي أن يتجاوز معدل التشغيل 40.4 في المائة، رغم استمرار نمو الناتج الداخلي الإجمالي بمعدلات تدور حول 4 في المائة سنوياً.

ويعني ذلك أن ثلاث سنوات من النمو المرتقب لن ترفع معدل التشغيل سوى بأربعة أعشار النقطة المئوية مقارنة بسنة 2025، حين بلغ المؤشر 40 في المائة.

التقرير، المنشور في 6 أكتوبر 2026 ضمن سلسلة «Macro Poverty Outlook»، يقدم تشخيصاً يتجاوز معدل النمو إلى نوعية الوظائف ومدى ملاءمتها للمؤهلات، ويعتبر أن خلق فرص الشغل، خصوصاً لفائدة الشباب، يمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد المغربي.

ولا تعني نسبة 40.1 في المائة أن بقية السكان جميعهم عاطلون عن العمل؛ فمعدل التشغيل يقيس حصة المشتغلين من مجموع السكان في سن العمل، بينما يشمل غير المشتغلين أيضاً الطلبة والمتقاعدين وأشخاصاً خارج سوق الشغل لأسباب مختلفة.

لكن المقارنة بين مؤشرات النمو والتشغيل والاستثمار تكشف أن ارتفاع الإنتاج الاقتصادي لا يواكبه، وفق السيناريو الحالي، توسع مماثل في نسبة السكان الذين يشتغلون.

المصدر الرسمي | البنك الدولي – Morocco Macro Poverty Outlook – أكتوبر 2026

التشغيل بالمغرب.. أربع سنوات من النمو وتحسن محدود

تضع الجداول التفصيلية للبنك الدولي تطور الاقتصاد المغربي خلال الفترة الممتدة من 2025 إلى 2028 أمام مسارين مختلفين.

فبعد نمو بلغ 4.9 في المائة خلال 2025، يتوقع التقرير تسجيل 4.4 في المائة سنة 2026، ثم 4 في المائة سنة 2027، قبل ارتفاع النسبة إلى 4.3 في المائة خلال 2028.

وفي المقابل، ينتقل معدل التشغيل من 40 في المائة سنة 2025 إلى 40.1 في المائة سنة 2026، ثم 40.2 في المائة سنة 2027، وصولاً إلى 40.4 في المائة سنة 2028.

والأكثر لفتاً أن معدل التشغيل كان يبلغ 40.3 في المائة سنة 2023، ما يعني أن المستوى المتوقع في 2028 لا يتجاوز ذلك الرقم التاريخي سوى بعُشر نقطة مئوية، رغم النمو الاقتصادي المحقق والمرتقب خلال السنوات الفاصلة.

ويبرز هذا التفاوت الفرق بين زيادة الناتج الإجمالي وبين توسيع نسبة المشتغلين داخل السكان في سن العمل.

فيمكن للاقتصاد أن ينتج قيمة أكبر بفضل ارتفاع الإنتاجية أو زيادة نشاط قطاعات معينة، دون أن ترتفع نسبة التشغيل بالوتيرة نفسها.

كما أن تطور التركيبة السكانية ونمو أعداد الأشخاص الداخلين إلى سن العمل يؤثران في هذا المؤشر، لأن خلق وظائف جديدة لا يضمن بالضرورة ارتفاع المعدل إذا توسع عدد السكان المعنيين بالقياس.

ولهذا لا تسمح توقعات التشغيل بالمغرب وحدها بتحديد عدد المناصب التي سيخلقها الاقتصاد بين 2026 و2028، لكنها تقدم مؤشراً على محدودية التوسع المتوقع في قاعدة المشتغلين قياساً إلى السكان في سن العمل.

الاستثمار ينمو 10.5%.. أين أثره على فرص الشغل؟

تزداد المفارقة وضوحاً عند الانتقال إلى مؤشر الاستثمار الثابت، الذي يعكس تطور تكوين رأس المال المنتج، بما يشمله من تجهيزات ومنشآت وبنيات وأصول استثمارية.

فالبنك الدولي يتوقع ارتفاع الاستثمار الثابت بنسبة 10.5 في المائة خلال سنة 2026، بعد نمو قوي بلغ 14.4 في المائة سنة 2025.

ويرتقب أن يستمر نمو هذا المؤشر بنسبة 9 في المائة خلال 2027، ثم 7 في المائة سنة 2028.

هذه الأرقام لا تعني أن الاستثمار يتراجع من حيث القيمة المطلقة، بل إن وتيرة نموه المتوقعة تتباطأ تدريجياً، مع استمرار الزيادة السنوية.

لكن مقارنة نمو الاستثمار بمعدل التشغيل تفتح سؤالاً يتصل بمدى قدرة الأوراش الاقتصادية على خلق فرص عمل مستدامة تتجاوز مرحلة البناء والتجهيز.

فالمغرب يواصل الاستثمار في السكك الحديدية والمطارات والطرق والموانئ والبنيات الرياضية والمنشآت المرتبطة بالاستحقاقات الدولية، وهي أوراش تدعم النشاط الاقتصادي وتساهم في تعزيز القدرات الإنتاجية واللوجستية.

غير أن آثارها على التشغيل يمكن أن تختلف بين مرحلة الإنجاز وما بعدها. فالمشروع قد يخلق وظائف أثناء الأشغال، بينما يتوقف أثره طويل الأمد على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارات الخاصة التي يساعد على جذبها.

ولا يقدم تقرير أكتوبر قياساً مباشراً لعدد الوظائف المستدامة التي خلقتها كل فئة من هذه الاستثمارات، كما لا يسمح بالقول إن الاستثمارات العمومية لم تحقق أي أثر على سوق العمل.

لكن بقاء معدل التشغيل قريباً من 40 في المائة يجعل تقييم المردودية الاجتماعية للاستثمارات مسألة لا يمكن اختزالها في حجم الاعتمادات أو عدد المشاريع المنجزة.

وكان MarocActu24 قد تناول في تقرير سابق مفارقة أخرى كشفها البنك الدولي بشأن بنية المقاولات بالمغرب، بعدما أظهرت بيانات أن الشركات التي تتجاوز مبيعاتها 50 مليون درهم تستحوذ على أكثر من 78 في المائة من المبيعات المسجلة، بينما رصد تحليل للإنتاجية فجوة تبلغ 27 في المائة بين العاملين في أكبر الشركات والعاملين في الشركات الأصغر.

وتختلف منهجية تلك المؤشرات عن توقعات التشغيل الحالية، لكنها تبرز أن حجم النشاط الاقتصادي لا يكفي وحده للحكم على الكفاءة والإنتاجية وخلق فرص الشغل.

اقرأ أيضاً | شركات تبتلع 78% من المبيعات وإنتاجيتها أقل بـ27%.. أرقام البنك الدولي تحاصر خطاب الاستثمار

279 ألف وظيفة إضافية.. لماذا لا تنهي المفارقة؟

لا يتجاهل البنك الدولي التحسن الذي عرفه سوق الشغل خلال الفصل الثاني من سنة 2026.

فقد سجل التقرير زيادة صافية بلغت 279 ألف وظيفة مدفوعة الأجر أو الدخل بين الفصلين الأول والثاني من السنة، منها 187 ألفاً في الوسط الحضري و92 ألفاً في الوسط القروي.

وتوزعت الزيادة بصورة رئيسية على قطاع الخدمات بـ166 ألف وظيفة، يليه القطاع الصناعي بـ47 ألفاً، ثم البناء بـ42 ألفاً.

وتزامن هذا التطور مع تراجع معدل البطالة من 10.8 في المائة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني.

وتشير هذه الأرقام إلى تحسن ظرفي ملموس، لكنها لا تعني بالضرورة أن الوظائف الإضافية ستستمر جميعها، أو أنها تمثل حصيلة سنوية صافية لخلق فرص العمل.

فالمقارنة بين فصلين متتاليين يمكن أن تتأثر بعوامل موسمية، كما أن قياس جودة التشغيل يحتاج إلى معطيات إضافية تتعلق بالأجور والاستقرار والتغطية الاجتماعية وطبيعة العقود.

ويفسر هذا التمييز كيف يمكن أن يتحسن عدد المشتغلين خلال فصل معين، بينما تظل التوقعات متوسطة المدى لمعدل التشغيل بالمغرب محدودة.

كما أن انخفاض البطالة لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة التشغيل بالقدر نفسه، لأن المؤشرين يعتمدان مقامين مختلفين: الأول يقيس العاطلين ضمن السكان النشيطين اقتصادياً، والثاني يقيس المشتغلين ضمن مجموع السكان في سن العمل.

أربعة من كل عشرة يشتغلون.. وأقل من النصف في وظائف تناسب مؤهلاتهم

يتجاوز التشخيص الذي قدمه البنك الدولي مسألة عدد الوظائف إلى طبيعة العمل نفسه.

فوفق التقرير، يشغل نحو أربعة من كل عشرة مغاربة في سن العمل وظيفة مدفوعة الأجر، فيما يعمل أقل من نصف هؤلاء في مهن تتلاءم مع مؤهلاتهم.

ويشير هذا المعطى إلى تحدٍّ يتعلق بملاءمة التكوين والمهارات مع حاجيات المقاولات، وليس فقط بتوفير منصب شغل كيفما كانت طبيعته.

فقد ينجح الاقتصاد في استيعاب جزء من طالبي العمل، لكن عدم تناسب المؤهلات مع طبيعة المهن يمكن أن يحد من الاستفادة الاقتصادية من التعليم والتكوين، ويؤثر في الإنتاجية وفي فرص التطور المهني.

ويربط البنك الدولي تحسين الوضع بتوسيع الاستثمار الخاص المنتج، ورفع الإنتاجية، وتعزيز المنافسة، وتحسين بيئة الأعمال، فضلاً عن تطوير فعالية برامج سوق الشغل والتكوين المهني.

ولا يعني ذلك أن مسؤولية ضعف التشغيل تقع على منظومة التعليم وحدها، لأن قدرة المقاولات على التوسع وخلق وظائف مؤهلة، وشروط المنافسة والاستثمار، عوامل أساسية في تحديد الطلب على اليد العاملة.

وفي هذا السياق، كان البنك الدولي قد أعلن في أبريل 2026 أن حزمة إصلاحات مترابطة يمكن أن تتيح للمغرب خلق نحو 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035، مقارنة بالمسار المرجعي.

لكن هذا الرقم يمثل إمكانية مشروطة بتنفيذ إصلاحات، وليس حصيلة وظائف أُحدثت فعلياً أو التزاماً مضمون التحقيق.

المصدر الرسمي | البنك الدولي – تقرير النمو وفرص الشغل بالمغرب، 28 أبريل 2026

18.1% فقط للنساء.. فجوة أخرى في سوق العمل

تظهر إحدى أبرز الاختلالات التي يسجلها البنك الدولي عند مقارنة المشاركة الاقتصادية للنساء والرجال.

فالتقرير يضع معدل مشاركة النساء في سوق العمل عند 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال، أي بفارق يصل إلى 48.4 نقطة مئوية.

وينبغي هنا التمييز بين معدل المشاركة الاقتصادية ومعدل التشغيل؛ فالمشاركة تشمل الأشخاص المشتغلين والعاطلين الباحثين عن العمل ضمن السكان المعنيين، وليست مرادفاً لنسبة النساء اللواتي يشتغلن فعلياً.

لكن اتساع الفارق يكشف أن توسيع إدماج النساء في النشاط الاقتصادي يظل أحد التحديات البنيوية التي تواجه السياسات العمومية.

ويكتسب هذا المؤشر أهمية إضافية لأن زيادة مشاركة النساء يمكن أن توسع عرض العمل وترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، شريطة أن تتوفر وظائف تستوعب هذه المشاركة.

كما يشدد البنك الدولي على أن الشباب يواجهون آفاقاً أصعب في سوق الشغل، وهو ما يجعل تقييم برامج الإدماج والتكوين ودعم المقاولات مرتبطاً بنتائجها الفعلية، وليس فقط بعدد المستفيدين منها.

النمو الفلاحي بـ12%.. هل يخفي ضعف التحول الاقتصادي؟

تكشف توقعات البنك الدولي أن جزءاً مهماً من النمو الاقتصادي المرتقب خلال 2026 يرتبط بانتعاش القطاع الفلاحي.

فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بنسبة 12 في المائة، مقابل نمو الأنشطة غير الفلاحية بنحو 3.5 في المائة.

ويعني ذلك أن التحسن المتوقع في الناتج الإجمالي يستفيد من تعافي الفلاحة، بعد سنوات شهدت ضغوطاً مرتبطة بالجفاف وتقلبات الإنتاج.

لكن ارتفاع الإنتاج الفلاحي نتيجة تحسن الظروف المناخية لا يعني تلقائياً خلق وظائف مستقرة ودائمة بالقدر نفسه، خصوصاً في قطاع تتأثر أنشطته بالمواسم والظروف الطبيعية.

وفي المقابل، تظل قدرة القطاعات الصناعية والخدماتية والمقاولات الخاصة على التوسع المستمر عنصراً رئيسياً في رفع التشغيل بالمغرب بعيداً عن التقلبات الفلاحية.

ويفسر ذلك تأكيد البنك الدولي ضرورة تقوية الاستثمار الخاص وتحسين توزيع الموارد الاقتصادية ورفع الإنتاجية، باعتبارها شروطاً لتوسيع فرص العمل بصورة أكثر استدامة.

من مليارات الاستثمار إلى الوظائف.. من يحاسب على النتائج؟

تعيد هذه المعطيات طرح سؤال حكامة الاستثمار العمومي والبرامج الاقتصادية الكبرى.

ففي أبريل 2026، قُدمت تقديرات أولية بنحو 210 مليارات درهم لتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة خلال ثماني سنوات، مع إدراج التشغيل ضمن أولوياتها.

ولا يمثل هذا الرقم أموالاً صُرفت دفعة واحدة أو حصيلة استثمارات منجزة، بل تقديرات لكلفة برامج تمتد على سنوات، ويظل تقييم أثرها مرتبطاً بالتنفيذ والتمويل والنتائج المحققة.

وكان MarocActu24 قد تناول تفاصيل توزيع صلاحيات إعداد هذه البرامج والمصادقة عليها وتنفيذها بين الجماعات الترابية والإدارة والحكومة، في إطار النقاش حول المسؤولية عن المشاريع العمومية.

🟦 اقرأ أيضاً | 210 مليارات في 8 سنوات.. الجهة تملك شركة التنفيذ والداخلية تعيّن مديرها والوالي يصادق على قراراتها
https://marocactu24.com/2026/09/28/برامج-التنمية-الترابية-210-مليارات/

ومع استمرار الاستثمار في البنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية، يصبح من المشروع مساءلة العائد الاقتصادي والاجتماعي لهذه النفقات عبر مؤشرات قابلة للتحقق.

ومن بين الأسئلة المطروحة: كم وظيفة مستدامة تخلقها المشاريع بعد انتهاء الأشغال؟ وما نسبة فرص العمل التي يستفيد منها الشباب والنساء؟ وما حصة المقاولات المحلية من النشاط الناتج عنها؟ وكيف يجري قياس تطور الأجور والإنتاجية مقابل الاستثمارات المنجزة؟

ولا يقدم تقرير البنك الدولي أجوبة تفصيلية عن مردودية كل مشروع استثماري، كما لا يثبت أن النمو لا يصل إلى الأسر أو أن الاستثمارات بلا جدوى.

بل تكشف الوثيقة صورة أكثر تعقيداً: الاقتصاد يواصل النمو، والاستثمار يتوسع، وسوق الشغل يسجل تحسناً في بعض الفترات، لكن معدل التشغيل العام لا يُتوقع أن يتحرك إلا ببطء شديد.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن ترافق تقييم السياسات الاقتصادية: إذا كان الناتج الداخلي الإجمالي مرشحاً للنمو بنسبة 4.4 في المائة خلال 2026، والاستثمار الثابت بنسبة 10.5 في المائة، فلماذا لا يتجاوز معدل التشغيل 40.1 في المائة؟

ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عند النظر إلى أفق 2028، حيث يتوقع البنك الدولي بقاء نحو ستة من كل عشرة أشخاص في سن العمل خارج التشغيل، رغم استمرار النمو.

والأرقام لا تمثل حكماً نهائياً على الأداء الاقتصادي، لأنها توقعات قابلة للتغير وفق تطور الاستثمار والإصلاحات والظروف الداخلية والخارجية.

لكنها تضع التشغيل بالمغرب أمام اختبار واضح: لن يكون ارتفاع معدل النمو وحده كافياً لقياس نجاح السياسات الاقتصادية، ما لم ينعكس على توسيع قاعدة المشتغلين، وتحسين جودة الوظائف، وإتاحة فرص أكبر للشباب والنساء وحاملي المؤهلات.

فالسؤال لم يعد فقط كم ينمو الاقتصاد المغربي، وإنما كم مغربياً إضافياً يستطيع العيش من عمل منتج ومستقر بفضل هذا النمو؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version