وضعت بعثة انتخابية تابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر في المغرب ضمن أبرز الملاحظات التي خرجت بها من انتخابات 23 شتنبر 2026، بعدما سجل بيانها التمهيدي الرسمي أن طريقة احتساب القاسم على أساس عدد الناخبين المسجلين، إلى جانب تقسيم الدوائر الانتخابية، «لا يحظيان بالإجماع».
الملاحظة وردت في البيان الذي أصدرته بعثة المنظمة الدولية للفرنكوفونية يوم 25 شتنبر بالرباط، ولم تأت في سياق التشكيك في النتائج أو الحكم سلباً على مجمل الاقتراع، إذ خلصت المهمة في تقييمها العام إلى أن الانتخابات جرت، بحسب تقديرها، بصورة حرة وموثوقة وشفافة، وفي إطار القانون الجاري به العمل.
المصدر الرسمي | المنظمة الدولية للفرنكوفونية – 25 شتنبر 2026
لكن خلف هذه الخلاصة العامة، تضمن البيان مجموعة من الملاحظات المتعلقة بقواعد المنظومة الانتخابية وبطريقة تدبير يوم التصويت، ما يجعل الوثيقة أبعد من مجرد شهادة بشأن هدوء الاقتراع.
القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر.. ملاحظة صريحة من بعثة الفرنكوفونية
قالت البعثة إن لقاءاتها السابقة للاقتراع مع المؤسسات المشرفة على الانتخابات والفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني أظهرت أن طريقة احتساب القاسم الانتخابي بالاعتماد على عدد الناخبين المسجلين، وكذلك تقسيم الدوائر الانتخابية، «لا يحظيان بالإجماع».
ولا يحدد البيان الأطراف التي عبرت عن تحفظاتها أو طبيعة الاعتراضات التي قدمتها كل جهة، كما لا يتبنى موقفاً يؤيد أو يرفض طريقة الاحتساب أو الخريطة الانتخابية، بل يسجل غياب التوافق بشأنهما باعتباره من المعطيات التي برزت خلال مشاورات المهمة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأن الأمر يتعلق بقاعدتين تؤثران مباشرة في هندسة التمثيل البرلماني: الأولى تحدد القاعدة الحسابية التي تستخدم في توزيع المقاعد، والثانية تحدد المجالات الترابية التي يجري داخلها التنافس الانتخابي.
وبذلك لا تقول بعثة الفرنكوفونية إن القاسم الانتخابي أو تقسيم الدوائر غير قانونيين، ولا تطالب في بيانها التمهيدي بإلغائهما، وإنما تسجل بصورة واضحة أن العنصرين لا يحظيان بإجماع الأطراف التي التقتها قبل الاقتراع.
ولم تكن بعثة الفرنكوفونية الجهة الدولية الوحيدة التي تابعت الإطار المنظم لانتخابات 2026. فقد سبق للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا أن أرسلت بعثة لمراقبة الاقتراع بعد مهمة تمهيدية وضعت عدداً من ملفات العملية الانتخابية تحت المتابعة.
اقرأ أيضاً | مجلس أوروبا يرسل 20 مراقباً للمغرب.. حياد الإدارة والمال العام والذكاء الاصطناعي تحت المجهر
وإلى جانب القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر، سجلت بعثة الفرنكوفونية ضعف تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية مقارنة بوزنهم داخل السكان، إضافة إلى ما وصفته بالعدد المحدود نسبياً للمرشحين الشباب داخل لوائح الأحزاب السياسية.
وجاءت هذه الملاحظة رغم أن البعثة أشارت في الوقت نفسه إلى تعديلات قانونية هدفت إلى تعزيز مشاركة النساء والشباب، من بينها آليات تمويل تحفيزية لفائدة الأحزاب السياسية.
وتظهر هنا مفارقة بين الإجراءات القانونية الرامية إلى توسيع مشاركة الشباب وبين مستوى حضورهم الفعلي، وفق ما رصدته المهمة، سواء من زاوية التسجيل في اللوائح الانتخابية أو من زاوية الترشيح داخل القوائم الحزبية.
أما ميدانياً، فلم تكتف المهمة باللقاءات المؤسساتية، إذ أفاد البيان بأن أعضاءها زاروا 34 مكتب تصويت موزعة بين الرباط وتمارة والهرهورة والصخيرات والقنيطرة والمهدية والشليحات.
كما توصلت البعثة بخلاصات «التجمع الجمعوي لملاحظة الانتخابات» الذي نشر، بدعم من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، 1,622 ملاحظاً عبر مختلف أنحاء المملكة.
وكان MarocActu24 قد تابع قبل الاقتراع حجم شبكة الملاحظة الوطنية والدولية، بعدما أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان تعبئة 3006 ملاحظين، بينهم نحو 200 ملاحظ دولي، لمواكبة انتخابات 23 شتنبر.
اقرأ أيضاً | انتخابات المغرب 2026.. 3006 ملاحظين بينهم نحو 200 دولي لمراقبة اقتراع 23 شتنبر
وبالنسبة إلى ما جرى داخل مكاتب التصويت التي عاينتها بعثة الفرنكوفونية، فقد سجلت أن التجهيزات والوثائق الانتخابية كانت متوفرة في جميع المكاتب التي زارتها، وأن العاملين بالمكاتب كانوا حاضرين بصورة كاملة وأظهروا، إجمالاً، معرفة جيدة بالإجراءات.
لكن البيان أضاف ملاحظة تتعلق بلوائح الناخبين، إذ أفاد بأنها لم تكن معلقة بصورة منهجية وواضحة أمام جميع مكاتب التصويت التي شملتها المعاينة.
كما اعتبرت المهمة أن قدرات الطاقم الانتخابي تحتاج إلى مزيد من التعزيز حتى يكون أكثر إلماماً بالقواعد المنظمة للملاحظة الوطنية والدولية خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية.
وفي المقابل، سجلت البعثة حضوراً جيداً للنساء والشباب بين العاملين داخل مكاتب التصويت وممثلي التشكيلات السياسية، إلى جانب ما وصفته بالحضور شبه المنهجي لممثلي الأحزاب السياسية الرئيسية.
وتضمن البيان أيضاً عبارة تستحق التوقف عندها، إذ أشار إلى أن الملاحظين الوطنيين سجلوا «بعض الاختلالات»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه الوقائع لم تكن، وفق تقييم المهمة، من الحجم الذي يضع صدقية الاقتراع موضع شك.
ولا يفصل البيان التمهيدي طبيعة هذه الاختلالات أو عددها أو أماكن تسجيلها، لذلك لا تسمح الوثيقة المنشورة حالياً بإسناد وقائع محددة إلى هذه العبارة أو توسيع معناها إلى اتهامات لم تذكرها البعثة.
ويجعل ذلك التقرير النهائي المرتقب مهماً لمعرفة ما إذا كانت المنظمة ستقدم معطيات أكثر تفصيلاً بشأن الملاحظات التي نقلها إليها المراقبون الوطنيون أو التوصيات التي ستبنيها عليها.
أما على مستوى المشاركة، فسجل بيان بعثة الفرنكوفونية تعبئة ضعيفة للناخبين، مشيراً إلى نسبة 38.02 في المائة، وهي النسبة نفسها التي أعلنتها وزارة الداخلية عند انتهاء عملية التصويت مساء 23 شتنبر.
وفي الوقت نفسه، قالت المهمة إن التصويت جرى في أجواء هادئة في الجزء الأكبر من التراب الوطني، مع حضور وصفته بالمناسب وغير البارز لقوات الأمن، وإن عمليات إغلاق المكاتب والفرز جرت إجمالاً وفق القواعد الانتخابية.
كما قدمت البعثة تقييماً إيجابياً للإطار الإعلامي، معتبرة أن التشريع المنظم للقطاع السمعي البصري يضمن ولوجاً منصفاً للأحزاب السياسية وتغطية متوازنة للمعلومة خلال الفترة الانتخابية.
وسجل البيان كذلك أن المؤسسات الرئيسية المكلفة بتنظيم الانتخابات ومراقبتها وتنظيم الإعلام أظهرت، بحسب تقييم البعثة، تحكماً في المهام المنوطة بها وتعبئة مستمرة خلال الحملة الانتخابية.
وتفرض قراءة الوثيقة كاملة التمييز بين مستويين مختلفين: تقييم عام إيجابي لسير الاقتراع من جهة، وملاحظات تتعلق بقواعد وآليات محددة داخل النظام الانتخابي من جهة ثانية.
فالمنظمة الدولية للفرنكوفونية اعتبرت انتخابات 23 شتنبر حرة وموثوقة وشفافة ومتوافقة مع الإطار القانوني، لكنها سجلت في الوثيقة نفسها أن القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر لا يحظيان بالإجماع، وأن تسجيل الشباب وترشحهم يظلان محدودين، وأن لوائح الناخبين لم تكن معلقة بصورة منهجية أمام جميع المكاتب التي زارتها.
كما سجلت الحاجة إلى تعزيز تكوين الطاقم الانتخابي ووجود «بعض الاختلالات» التي رصدها الملاحظون الوطنيون، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن هذه الاختلالات لم تمس، وفق تقديرها، بصدقية الاقتراع.
ولا يتضمن البيان التمهيدي حكماً نهائياً بشأن القاسم الانتخابي أو تقسيم الدوائر، لذلك ستتضح الأهمية العملية لهذه الملاحظات عند صدور التقرير النهائي الذي أعلنت المنظمة أنها ستعده في نهاية العملية الانتخابية.
وقالت البعثة إن التقرير المقبل سيتضمن توصيات تبرز الممارسات الإيجابية وتقترح ما تراه ضرورياً لتعزيز الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات بالمغرب.
وعندها سيظهر ما إذا كانت عبارة «لا يحظيان بالإجماع» ستبقى مجرد رصد للخلاف الذي سجلته البعثة خلال لقاءاتها، أم ستتحول في التقرير النهائي إلى توصيات محددة بشأن القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر في الاستحقاقات المقبلة.


