وضعت دراسة علمية جديدة حرائق واحات زيز تحت المجهر، بعدما خلصت إلى أن 42.7 في المائة من المجال الواحي الذي شمله البحث في وادي زيز السفلي، أي ما يقارب 1,707 هكتارات، يقع ضمن مناطق ذات قابلية مرتفعة للحرائق، في نتيجة ترسم خريطة دقيقة للبؤر التي تتجمع فيها العوامل الأكثر ملاءمة لاندلاع وانتشار النيران.

الدراسة، المنشورة يوم 22 شتنبر 2026 في مجلة «Discover Geoscience» التابعة لـSpringer Nature، أنجزها الباحثون Rachid Ouachoua وHamid Benssi وNajib Kadiri، واعتمدت مزيجاً من الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والتحليل متعدد المعايير لبناء مؤشر مكاني لقابلية الحرائق داخل واحات وادي زيز السفلي جنوب شرق المغرب.

المصدر الرئيسي | Springer Nature – الدراسة الأصلية

ولم تعتمد الدراسة على عامل واحد لتحديد مناطق القابلية، بل جمعت ستة متغيرات تشمل حرارة سطح الأرض، وكثافة الغطاء النباتي، ومستوى رطوبة النباتات، والقرب من الطرق، والقرب من التجمعات السكنية، وطبيعة استعمالات الأرض، فيما استُخدم نموذج للتعلم العميق لتصنيف الغطاء الأرضي بدقة إجمالية بلغت 95 في المائة.

وتكشف النتائج أن الغطاء الأرضي وكثافة النباتات يمثلان العاملين الأكثر تأثيراً داخل النموذج، فيما مثل القرب من الطرق والتجمعات السكنية مجتمعين 31 في المائة من الوزن الإجمالي للمؤشر، وهو ما يبرز تداخل الوقود النباتي والعامل البشري داخل منظومة الحرائق في الواحات.

حرائق واحات زيز.. 1,707 هكتارات ضمن القابلية المرتفعة

أبرز رقم في الدراسة يتمثل في تصنيف 42.7 في المائة من مجال الواحات المدروس، أي نحو 1,707 هكتارات من أصل مساحة تقارب 4,000 هكتار، داخل نطاق القابلية المرتفعة للحرائق.

وتتركز هذه المناطق، بحسب الخريطة التي أنتجها الباحثون، خصوصاً حيث تتقاطع كثافة النخيل والغطاء النباتي مع القرب من الطرق والتجمعات السكنية، بما يوفر في الوقت نفسه كتلة نباتية قابلة للاحتراق ونشاطاً بشرياً يمكن أن يزيد احتمالات الاشتعال.

غير أن أهمية دراسة حرائق واحات زيز لا تتوقف عند بناء خريطة نظرية، إذ اختبر الباحثون المؤشر على حريق حقيقي كبير شهدته المنطقة في غشت 2021 وأتى على نحو 318 هكتاراً.

وأظهرت عملية التحقق أن 96.5 في المائة من البكسلات التي احترقت فعلياً خلال ذلك الحريق كانت موجودة داخل المناطق التي صنفها النموذج مسبقاً باعتبارها ذات قابلية مرتفعة، فيما بلغ متوسط مؤشر القابلية 0.72 في المناطق المحترقة مقابل 0.67 في الأجزاء التي لم تحترق داخل المجال نفسه.

كما أظهر التحليل الإحصائي للنموذج قيمة AUC بلغت 0.703، وهي نتيجة يستخدمها الباحثون إلى جانب الاختبارات المكانية لتقييم قدرة المؤشر على التمييز بين المناطق الأكثر والأقل قابلية للحرائق.

ولم يعتمد التحقق على واقعة 2021 وحدها، إذ قارن الباحثون الخريطة أيضاً بسجل يضم 60 حادث حريق مسجلاً في واحات وادي زيز السفلي بين 2009 و2024.

وهنا جاءت النتيجة أكثر لفتاً للانتباه: 98 في المائة من الحرائق الستين وقعت في مناطق مصنفة ضمن درجات القابلية المرتفعة أو المرتفعة جداً أو القصوى، بينما لم تسجل أي حالة داخل المناطق منخفضة القابلية.

وبالتفصيل، سجلت الدراسة 29 حريقاً، أي 48 في المائة من الحالات، داخل المناطق المصنفة في الدرجة القصوى، و18 حريقاً، أي 30 في المائة، داخل المناطق ذات القابلية المرتفعة جداً، و12 حريقاً داخل الفئة المرتفعة، مقابل حالة واحدة فقط في الفئة المتوسطة.

وظهر قطاع أوفوس بصورة خاصة داخل الخريطة التاريخية للحرائق، بعدما سجل أعلى تركيز للحوادث بنحو ثلاثة حرائق في الكيلومتر المربع خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2024، ما يجعل المنطقة واحدة من أبرز البؤر التي حددتها الدراسة داخل وادي زيز السفلي.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأن أوفوس توجد أصلاً ضمن المجالات المستهدفة بمشروع «التدبير المستدام للمنظومات البيئية للواحات بالمغرب»، الذي يركز على تقوية صمود الواحات وتدبير مواردها ومخلفاتها في مواجهة الضغوط المناخية والبيئية.

وكان MarocActu24 قد كشف في شتنبر الجاري عن نتائج افتحاص رسمي لذلك المشروع، الذي يستهدف خصوصاً واحات أوفوس وأقا بمنحة دولية قيمتها 12 مليون دولار، مع تسجيل 41 ملاحظة مرتبطة بالحكامة والأشغال والتدبير، من بينها ملاحظات تخص منشآت جمع المخلفات الخضراء.

اقرأ أيضاً | 41 ملاحظة في مشروع الواحات بـ12 مليون دولار.. منشأة لجمع المخلفات تعجز المركبات عن دخولها

وتفسر الدراسة ارتفاع قابلية بعض المناطق للاحتراق بمزيج من العناصر الطبيعية والبشرية. فالنخيل والغطاء النباتي الكثيف يعنيان وجود كمية أكبر من المادة القابلة للاحتراق، فيما يمكن لتراكم السعف الجاف والمخلفات الزراعية أن يزيد حجم الوقود المتاح أمام النار.

وفي المقابل، يرفع القرب من الطرق والقرى والأنشطة اليومية من أهمية العامل البشري، وهو ما يفسر منح متغيري القرب من الطرق والتجمعات السكنية وزناً مهماً داخل نموذج التقييم.

ولا يرتبط خطر حرائق واحات زيز بغطاء نباتي عادي فقط، إذ يمثل نخيل التمر أساساً بيئياً واقتصادياً للمجالات الواحية، وترتبط به أنشطة فلاحية ومداخيل أسر واستقرار منظومات محلية شديدة الحساسية للجفاف وارتفاع الحرارة وتدهور الموارد الطبيعية.

ولهذا لا تقتصر آثار الحرائق المحتملة على الأشجار المحترقة، بل يمكن أن تمتد إلى فقدان الغطاء النباتي وتدهور التربة والإضرار بالمحاصيل والبنيات الفلاحية والموارد التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية.

وبناء على خريطة حرائق واحات زيز، يقترح الباحثون إعطاء الأولوية لإزالة السعف الجاف والمخلفات الزراعية، وتقليص تراكم الوقود النباتي داخل البؤر الأعلى قابلية، وإنشاء أحزمة عازلة حول التجمعات، وتشديد المراقبة قرب الطرق، وتنظيم حرق المخلفات الزراعية خلال الفترات الجافة.

وتدفع النتائج كذلك في اتجاه استعمال الخريطة لتحديد الأماكن التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في الاستعداد المسبق، سواء عبر الوقاية الميدانية أو توزيع وسائل التدخل أو مراقبة البؤر التي يجتمع فيها الغطاء النباتي الكثيف والنشاط البشري.

ويقترح الباحثون مستقبلاً إدماج خريطة القابلية داخل قاعدة بيانات ديناميكية مرتبطة بمعطيات الطقس في الزمن الحقيقي، تمهيداً لتطوير نظام للإنذار المبكر يمكنه الجمع بين البنية المكانية للخطر والظروف الجوية المتغيرة.

وتتقاطع هذه المقاربة مع توجه أوسع نحو تعزيز قدرة المغرب على الاستعداد للمخاطر المناخية والكوارث بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوعها، وهو ملف سبق أن حصل ضمنه المغرب على تمويل دولي جديد لتعزيز الصمود المالي والمؤسساتي أمام المخاطر.

اقرأ أيضاً | البنك الدولي يضخ 650 مليون دولار لدعم الرقمنة ومواجهة مخاطر المناخ بالمغرب

ومع ذلك، تضع الدراسة حداً واضحاً لطريقة قراءة الأرقام: المؤشر يقيس «قابلية الحرائق» ولا يعني أن 1,707 هكتارات ستتعرض حتماً للنيران، ولا يقدم تنبؤاً زمنياً يحدد متى وأين سيبدأ الحريق.

فوجود منطقة داخل التصنيف المرتفع يعني أن مجموعة من الشروط المكانية والبيئية والبشرية تجعلها أكثر استعداداً للاحتراق مقارنة بمناطق أخرى، لكن اندلاع الحريق نفسه يحتاج إلى مصدر اشتعال وظروف آنية محددة.

كما يعترف الباحثون بأن التحقق التفصيلي الأساسي للنموذج استند إلى الحريق الكبير المسجل في غشت 2021، وأن النموذج لا يدمج بصورة ديناميكية عناصر جوية حاسمة، مثل سرعة الرياح والرطوبة النسبية، ما يحد من استعماله كأداة للتنبؤ الآني.

لكن اجتماع ثلاثة مؤشرات داخل الدراسة يظل لافتاً: 42.7 في المائة من مجال الواحات داخل نطاق القابلية المرتفعة، و96.5 في المائة من البكسلات المحترقة في حريق 2021 داخل مناطق حددها النموذج باعتبارها عالية القابلية، و98 في المائة من 60 حريقاً تاريخياً وقعت أيضاً داخل الفئات العليا من الخريطة.

وتحول هذه النتائج حرائق واحات زيز من ملف للاستجابة بعد اندلاع النيران إلى مسألة وقاية مكانية يمكن التخطيط لها مسبقاً.

فإذا كانت البؤر الأكثر هشاشة قابلة للتحديد قبل الحريق، فإن قيمة الخريطة ستقاس في النهاية بقدرتها على توجيه إزالة الوقود النباتي، وفتح ممرات الحماية، وتحديد أولويات المراقبة، وتموقع وسائل التدخل قبل أن تتحول شرارة واحدة إلى خسارة جديدة داخل واحدة من أكثر المنظومات البيئية هشاشة في المغرب.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version