أعاد الفصل 507 من القانون الجنائي المغربي واحداً من أكثر الفوارق العقابية لفتاً للانتباه إلى دائرة النقاش الأكاديمي، بعدما اختاره باحثان مغربيان مثالاً لتحليل العلاقة بين حماية الأمن العام، وتشديد العقوبة، ومبدأ التناسب بين الجريمة والجزاء، في دراسة دولية جديدة منشورة يوم 22 شتنبر 2026.

الدراسة، المنشورة في مجلة «Discover Global Society» التابعة لـSpringer Nature تحت عنوان «Penal Populism and the Failure of Its Core Claims»، أنجزها الباحثان عثمان بورقادي ونجيب العراج، من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، مع ارتباط أكاديمي إضافي لبورقادي بجامعة فريدريش ألكسندر إرلانغن–نورنبيرغ الألمانية.

الدراسة الأصلية | Springer Nature

ولا يتعلق الأمر بتقرير رسمي حول السياسة الجنائية المغربية أو بدراسة ميدانية لآثار الفصل 507، بل بمراجعة نظرية نقدية لمفهوم «الشعبوية العقابية»، تجمع بين علم الإجرام وفلسفة العقوبة وسوسيولوجيا العقاب ودراسات الرأي العام، وتبحث في مدى صمود الفكرة القائلة إن التشدد العقابي يؤدي تلقائياً إلى مزيد من الردع والأمن.

ويدخل المغرب إلى الدراسة من بوابة فارق عقابي واضح بين الفصلين 505 و507. فالفصل 505 يعاقب السرقة في صورتها العادية بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، بينما يقرر الفصل 507 السجن المؤبد إذا كان السارقون أو أحدهم يحمل سلاحاً وفق مفهوم الفصل 303، سواء كان السلاح ظاهراً أو مخفياً، وحتى إذا ارتكبت السرقة من طرف شخص واحد دون توفر ظرف مشدد آخر.

ولا يشترط الفصل 507 استعمال السلاح فعلياً أثناء تنفيذ السرقة، إذ يمدد العقوبة نفسها إلى الحالة التي يحتفظ فيها السارق أو أحد المشاركين بالسلاح داخل الناقلة ذات المحرك المستعملة لنقلهم إلى مكان الجريمة أو المخصصة للهروب.

المصدر القانوني الرسمي | وزارة العدل – مجموعة القانون الجنائي

الفصل 507 من القانون الجنائي المغربي.. من خمس سنوات إلى المؤبد

هذه المسافة بين العقوبتين هي النقطة التي توقف عندها الباحثان. فالدراسة تشير إلى أن الحد الأقصى للسرقة العادية يبلغ خمس سنوات، بينما تصبح العقوبة المقررة قانوناً هي السجن المؤبد عندما يدخل عنصر السلاح وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 507، حتى عندما لا يقع استعمال السلاح فعلياً أو لا تنتج إصابة.

ويزداد النقاش تعقيداً عند الرجوع إلى الفصل 303 الذي يحيل عليه الفصل 507 لتعريف السلاح، إذ لا يقتصر المفهوم على الأسلحة النارية والمتفجرات، وإنما يشمل أيضاً الأجهزة والأدوات والأشياء الواخزة أو الراضة أو القاطعة أو الخانقة.

ومن هذا التعريف الواسع، تذهب الدراسة إلى أن أداة من قبيل «مفك البراغي» يمكن، من الناحية النظرية ووفق ظروف الواقعة، أن تدخل ضمن مفهوم السلاح.

والدراسة لا تقول إن مجرد امتلاك مفك براغي يجعل الشخص تلقائياً مرتكباً لجريمة تستوجب المؤبد، بل تستعمل المثال لتوضيح اتساع التعريف القانوني للسلاح وما قد يترتب عليه عندما يقترن بجريمة السرقة وتتحقق شروط الفصل 507.

ويتقاطع هذا المثال مع نقاش عرفه البرلمان المغربي يوم 28 أبريل 2025، عندما تحدث وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن خطورة حمل الأسلحة البيضاء في الفضاء العام، وأشار ضمن أمثلته إلى السيف والسكين و«الطورنوفيس»، مؤكداً توجه السلطات نحو التشدد في مواجهة حمل الأدوات القادرة على إلحاق الأذى.

تصريحات وزير العدل بشأن حمل الأسلحة البيضاء

ويستعمل الباحثان تصريحات الوزير ضمن تحليلهما للنقاش المجتمعي حول العقوبة والأمن العام، وليس باعتبارها دليلاً تجريبياً على أن التشدد العقابي ينجح أو يفشل في خفض معدلات الجريمة.

كما تستحضر الدراسة الجدل الذي رافق بعض القضايا المرتبطة بتطبيق الفصل 507، حيث واجهت مطالب بالتخفيف موقفاً مقابلاً يرى في العقوبات الصارمة وسيلة لحماية الضحايا والمجتمع، وهو ما يوظفه الباحثان لتفسير كيفية دخول الخوف من الجريمة والأمن العام إلى النقاش حول حجم العقوبة.

لكن هناك تدقيقاً قانونياً ضرورياً يمنع اختزال القضية في عبارة «خمس سنوات أو المؤبد».

فالسجن المؤبد هو العقوبة التي يقررها الفصل 507 من حيث الأصل، غير أن ذلك لا يعني أن القضاء ملزم عملياً بالنطق بالمؤبد في جميع الملفات دون أي مجال للتفريد.

فالفصل 146 من القانون الجنائي يتيح للمحكمة، إذا اعتبرت العقوبة المقررة قاسية بالنظر إلى خطورة الأفعال أو درجة إجرام المتهم، منح ظروف التخفيف ما لم يوجد نص يمنع ذلك.

وعندما تكون العقوبة الأصلية هي السجن المؤبد، ينص الفصل 147 على إمكانية النزول بها، في حالة منح ظروف التخفيف، إلى السجن من عشر إلى ثلاثين سنة.

وبذلك فالفارق الذي تبرزه الدراسة يتعلق أساساً بالعقوبة المقررة قانوناً للجريمة، بينما تظل العقوبة التي تصدر فعلياً مرتبطة بوقائع كل ملف، وتكييف المحكمة لها، ومدى توفر شروط منح ظروف التخفيف.

وهذه النقطة نفسها تعترف بها الدراسة، إذ تشير إلى أن النظام المغربي لتفريد العقوبة يسمح للقاضي، ضمن حدود قانونية محددة، بالنزول عن العقوبة الأصلية عندما تبرر ظروف القضية ذلك.

وكان MarocActu24 قد تابع بدوره نقاشات مرتبطة بمراجعة السياسة الجنائية ومجموعة القانون الجنائي، من بينها ملف الإثراء غير المشروع الذي ظل مرتبطاً بمشروع تعديل القانون الجنائي قبل سحبه من البرلمان سنة 2021.

اقرأ أيضاً | قبل الصندوق بـ7 أيام.. الأحرار والبام والاستقلال بلا جواب عن الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح

والأهم أن الدراسة لا تطالب صراحة بإلغاء الفصل 507 من القانون الجنائي المغربي، كما أنها لا تقدم بيانات إحصائية تثبت أن هذا الفصل فشل في ردع السرقة المسلحة أو أن تخفيف العقوبات سيؤدي إلى نتائج أفضل.

فالباحثان يقدمان نقداً نظرياً أوسع لما يسميانه «الشعبوية العقابية»، ويعتبران أن الادعاء بأن العقوبة الأشد تحقق بالضرورة ردعاً أكبر يحتاج إلى إثبات بالأدلة، وأن السياسة الجنائية ينبغي، في نظرهما، أن تراعي الفعالية والتناسب إلى جانب الحاجة إلى حماية المجتمع.

وتخلص الدراسة، في إطارها النظري العام، إلى أن المبررات التقليدية للشعبوية العقابية لا تصمد، بحسب تحليل الباحثين، أمام الفحص المتزامن من منظور علم الإجرام والأخلاق والرأي العام، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها لا تقدم نموذجاً بديلاً متكاملاً للسياسة الجنائية، وتدعو أبحاثاً لاحقة إلى تطوير هذا الجانب.

وهكذا يضع الفصل 507 من القانون الجنائي المغربي أمام النقاش سؤالاً يتجاوز ثنائية «التشدد أو التساهل».

فمن جهة، هناك حاجة واضحة لحماية المواطنين والتصدي للسرقة عندما تقترن بالسلاح وما يحمله ذلك من خطر محتمل على الضحية، ومن جهة أخرى يظل مبدأ التناسب وتفريد العقوبة جزءاً أساسياً من أي نقاش حول حجم الجزاء الملائم لكل واقعة.

وبين خمس سنوات كحد أقصى للسرقة العادية والمؤبد كعقوبة مقررة عند تحقق شروط الفصل 507، تعيد الدراسة فتح السؤال القانوني الأصعب: كيف يمكن بناء عقوبة تحمي المجتمع وتردع الجريمة، دون أن تفصل مقدار الجزاء عن خطورة الفعل وظروف ارتكابه ودرجة المسؤولية الجنائية في كل قضية؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version