كشفت دراسة علمية جديدة حول السمنة والنشاط البدني في الدار البيضاء عن فروق لافتة بين النساء والرجال في توزيع الدهون وبعض مؤشرات المخاطر الأيضية القلبية، بعدما شملت عينة من 300 بالغ، وأظهرت أن الخمول البدني لدى النساء كان يقارب ضعف المسجل لدى الرجال، فيما ظهر انتشار السمنة بين النساء داخل العينة بمستوى يقارب ثلاثة أضعاف الرجال.

الدراسة، المنشورة الأربعاء 23 شتنبر 2026 في «Journal of Public Health» التابعة لـSpringer Nature، حملت عنوان «Sex differences in physical activity patterns and cardiometabolic risk among Moroccan adults: a cross-sectional study»، وشملت 170 امرأة و130 رجلاً بمتوسط عمر بلغ 33.7 سنة.

وجُمعت المعطيات خلال سنة 2025 من بالغين يقيمون بمدينة الدار البيضاء ويرتادون مرافق للرعاية الصحية الأولية، باستعمال عينة ملائمة غير احتمالية، مع إخضاع المشاركين لقياسات جسمية مباشرة واستبيان معتمد لقياس النشاط البدني.

الدراسة الأصلية | Journal of Public Health – Springer Nature

السمنة والنشاط البدني في الدار البيضاء.. فجوة بين النساء والرجال

أحد أبرز الفوارق ظهر في مستوى النشاط البدني. فقد أظهرت الدراسة أن نسبة النساء المصنفات ضمن فئة غير النشيطات بدنياً كانت تقارب ضعف النسبة المسجلة لدى الرجال، بينما كان الرجال أكثر حضوراً ضمن فئتي النشاط المتوسط والنشاط المرتفع.

كما سجل الرجال مستويات أعلى في التمارين الرياضية خلال وقت الفراغ وركوب الدراجات، في حين أبلغت النساء عن مشاركة أكبر في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، بما يعكس اختلاف طبيعة النشاط اليومي بين الجنسين وليس فقط حجم الحركة.

وأظهرت البيانات أن الأعمال التي يغلب عليها الجلوس كانت الأكثر شيوعاً لدى الجنسين، فيما بلغت نسبة المشاركين في أعمال تتطلب مجهوداً بدنياً 21.5 في المائة لدى الرجال مقابل 16.1 في المائة لدى النساء.

الفوارق لم تتوقف عند النشاط البدني. فقد كان الرجال أكثر حضوراً ضمن فئة الوزن الزائد، بنحو ضعف النساء، بينما ظهر انتشار السمنة لدى النساء بمستوى يقارب ثلاثة أضعاف الرجال داخل العينة.

وسجلت النساء أيضاً حضوراً أعلى بنحو ثلاثة أضعاف تقريباً ضمن فئة محيط الخصر المصنف «شديد الارتفاع»، إلى جانب مستويات أعلى في عدد من مؤشرات الخطر المرتبطة بتراكم الدهون.

لكن إحدى النتائج اللافتة تمثلت في أن متوسط مؤشر كتلة الجسم BMI ونسبة الخصر إلى الطول WHtR لم يسجلا فروقاً ذات دلالة إحصائية واضحة بين النساء والرجال، رغم أن مؤشرات أخرى مرتبطة بتوزيع الدهون أظهرت اختلافات مهمة بين الجنسين.

ويعني ذلك أن الاعتماد على الوزن والطول وحدهما قد لا يكشف دائماً الصورة الكاملة، إذ يمكن لأشخاص يسجلون مستويات متقاربة في مؤشر BMI أن يختلفوا في توزيع الدهون وفي مؤشرات أخرى مرتبطة بالمخاطر الأيضية القلبية.

وكان MarocActu24 قد تابع دراسة علمية أخرى حول عوامل الخطر القلبي ونمط العيش لدى عينة من مهنيي الصحة والسكان بجنوب المغرب، سجلت بدورها ارتباطاً بين النشاط البدني وانخفاض مخاطر أمراض القلب والشرايين، مع التأكيد على أن نتائجها تبقى مرتبطة بالعينة المدروسة ولا تمثل معدلًا وطنياً.

اقرأ أيضاً | إصلاح الصحة أمام اختبار العاملين.. 20% من مهنيي عينة بالجنوب أفادوا بارتفاع ضغط الدم

وانتقلت الدراسة الجديدة بعد ذلك إلى تحليل العوامل المرتبطة بالمخاطر لدى الرجال والنساء كل على حدة.

فبين الرجال، ارتبط الخمول البدني بارتفاع احتمالات الانتماء إلى فئة أعلى من الخطر وفق مصفوفة NICE بنسبة أرجحية بلغت 9.26، كما ارتبط بارتفاع احتمال التصنيف ضمن فئة الخطر بحسب مؤشر الكتلة الدهنية النسبية RFM بنسبة أرجحية بلغت 4.28.

غير أن الباحثين نبهوا إلى أن بعض هذه التقديرات، وخصوصاً نسبة 9.26، جاءت ضمن مجالات ثقة واسعة، وهو ما يعني أن حجم الارتباط غير دقيق ويستوجب تفسيره بحذر، ولا يسمح بتحويل الرقم إلى تقدير ثابت للمخاطر لدى جميع الرجال.

أما لدى النساء، فظهرت العوامل الاجتماعية والتناسلية بصورة أوضح. وبعد إدخال عدد الأطفال ومتغيرات أخرى في النموذج الإحصائي، ارتبط كل طفل إضافي بارتفاع احتمالات الانتقال إلى فئة أعلى وفق نسبة الخصر إلى الطول بنسبة أرجحية بلغت 1.60.

كما ظهر ارتباط بين عدد الأطفال ومؤشر RFM، غير أن هذه النتيجة لا تعني أن الإنجاب يسبب مباشرة ارتفاع تراكم الدهون أو المخاطر الصحية، لأن الدراسة مقطعية بطبيعتها وتكشف الارتباطات الإحصائية ولا تستطيع إثبات العلاقات السببية.

وتعيد هذه النتائج إلى الواجهة سؤال الوقاية الصحية الموجهة للنساء في الوسط الحضري، خصوصاً أن الدراسة أظهرت انخفاضاً في المشاركة النسائية في التمارين الرياضية وركوب الدراجات، مقابل حضور أكبر للأعمال المنزلية ورعاية الأطفال.

ويرى الباحثون أن هذه الفوارق تدعم الحاجة إلى برامج وقائية تراعي اختلاف أنماط الحركة والعوامل الاجتماعية بين النساء والرجال، بدل التعامل مع السكان باعتبارهم مجموعة صحية متجانسة.

كما تابع MarocActu24 ملف السلوكيات المرتبطة بالصحة لدى فئات أخرى، من خلال دراسة شملت 1094 رياضياً مغربياً من 14 جامعة رياضية وطنية، وكشفت فجوة بين انتشار استعمال المكملات الغذائية ومستوى الإشراف الطبي أو الغذائي المعلن لدى المستخدمين.

اقرأ أيضاً | مكمل غذائي أم فخ للمنشطات؟ دراسة تكشف فجوة مقلقة لدى الرياضيين المغاربة

وتكتسب الدراسة الحالية أهمية إضافية من استخدامها مجموعة من المؤشرات بدل الاكتفاء بمؤشر كتلة الجسم، من بينها محيط الخصر، ونسبة الخصر إلى الطول، ونسبة الخصر إلى الورك، ومؤشر الكتلة الدهنية النسبية RFM، ومصفوفة NICE لتقدير المخاطر المرتبطة بالسمنة.

وتستحضر الدراسة كذلك معطيات مغربية سابقة أظهرت فروقاً بين الجنسين. فقد أشارت إلى بحث سابق من الدار البيضاء سجل السمنة لدى 34.4 في المائة من النساء مقابل 7.9 في المائة من الرجال، بينما بلغت السمنة المركزية 61.1 في المائة لدى النساء مقابل 8.7 في المائة لدى الرجال.

كما استعرضت دراسة سابقة من جهة سطات شملت 981 بالغاً وسجلت السمنة البطنية لدى 44.3 في المائة والخمول البدني لدى 69.7 في المائة من المشاركين.

غير أن هذه الأرقام مصدرها دراسات مستقلة اعتمدت عينات ومناهج مختلفة، ولذلك لا يمكن جمعها أو تقديمها باعتبارها مسحاً موحداً لسكان الدار البيضاء-سطات أو المغرب.

وتفرض الدراسة المنشورة في 23 شتنبر بدورها حدوداً واضحة على قراءة نتائجها، إذ لم يُختَر المشاركون بواسطة عينة احتمالية تمثل سكان الدار البيضاء، وإنما من خلال عينة ملائمة من بالغين يرتادون مرافق للرعاية الصحية الأولية.

كما اعتمد قياس النشاط البدني على تصريحات المشاركين، فيما تمنع الطبيعة المقطعية للبحث إثبات علاقة سببية مباشرة بين الخمول البدني أو العوامل الاجتماعية والتناسلية وبين مؤشرات تراكم الدهون والمخاطر المسجلة.

ولهذا لا تسمح الدراسة بالقول إن ثلث نساء الدار البيضاء غير نشيطات بدنياً، ولا إن النساء المغربيات عموماً يعانين السمنة بثلاثة أضعاف الرجال.

ما تقوله النتائج بدقة هو أن عينة حضرية محددة من 300 بالغ، تضم 170 امرأة و130 رجلاً، كشفت فروقاً واضحة بين الجنسين في النشاط البدني وتوزيع الدهون وعدد من مؤشرات الخطر الأيضي القلبي.

وبذلك تقدم دراسة السمنة والنشاط البدني في الدار البيضاء إشارة علمية جديدة إلى أن تشابه الوزن أو مؤشر BMI بين النساء والرجال قد يخفي وراءه اختلافات مهمة في توزيع الدهون وأنماط الحركة، وهي فروق يرى الباحثون أنها تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تصميم برامج الوقاية من السمنة والأمراض غير المعدية بالمغرب.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version