جريان مياه الأمطار في المدن المغربية قد يرتفع فوق الأسطح الحضرية بما يصل، بحسب التفسير الذي قدمه باحثون، إلى ستة أضعاف نظيره فوق الغطاء النباتي المحيط.

وكشفت محاكاة علمية جديدة أن تحويل التربة والأراضي المزروعة إلى إسمنت وإسفلت يقلص تسرب المطر ويزيد الكمية المتحركة فوق السطح، فيما برزت خنيفرة والفنيدق ضمن الحالات الأكثر حساسية للسيول المفاجئة بسبب اجتماع الأسطح غير المنفذة مع التضاريس ومجاري المياه.

الدراسة المنشورة في مجلة «Sustainability»، يوم 14 شتنبر 2026، تحمل عنوان «Evaluating Urban Impacts on Energy, Carbon, and Hydrological Cycles Across Morocco»، وأنجزها Mohamed Amine Lachkham وNoura Ed-dahmany وLahouari Bounoua وMohammed Yacoubi Khebiza، بارتباطات علمية تشمل جامعة القاضي عياض، ومختبر علوم الغلاف الحيوي بمركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة «ناسا»، والجامعة الكاثوليكية الأمريكية.

المصدر العلمي | صفحة الدراسة في مجلة Sustainability

ولا تمثل النتائج نشرة إنذارية آنية، ولا تتنبأ بفيضان محدد في مدينة أو تاريخ بعينه. إنها تجربة نمذجة تقارن طريقة استجابة السطح الحضري والغطاء النباتي لنفس الظروف الجوية، من أجل عزل أثر العمران في توزيع مياه الأمطار بين التسرب إلى التربة والجريان فوقها.

وكان MarocActu24 قد تابع، في مادة منفصلة، نشرة رسمية شملت خنيفرة وأقاليم أخرى بزخات رعدية؛ وهو سياق جوي آني يختلف عن موضوع الدراسة الحالية التي تقيس أثراً عمرانياً طويل الصلة بالتخطيط.

اقرأ أيضاً | نشرة إنذارية بالمغرب.. 46 درجة و35 ملم مع البرد والرياح حتى الثلاثاء

جريان مياه الأمطار في المدن المغربية تحت المجهر

ركز التحليل التفصيلي للجريان السطحي على سبع مدن: طنجة وتطوان والفنيدق وسلا وأكادير وفاس وخنيفرة.

وقارن الباحثون في كل حالة نسبة مياه الأمطار التي تتحول إلى جريان فوق السطح داخل المجال الحضري بالنسبة المسجلة فوق أنواع الغطاء الأرضي المجاور، من أراضٍ زراعية ومراعٍ وغابات وشجيرات.

واعتمدت الدراسة نموذج «SiB2» لمحاكاة التفاعلات بين سطح الأرض والغلاف الجوي، مع نسبة عمرانية مشتقة من صور «لاندسات» بدقة 30 متراً، وبيانات غطاء أرضي من «موديس» بدقة 500 متر، ومؤشرات نباتية تحدث كل 16 يوماً، إلى جانب معطيات إعادة التحليل المناخي من منظومة «MERRA».

وتغطي النتائج ظروف سنة 2010 بعد فترة تهيئة للنموذج استمرت خمس سنوات، فوق شبكة حسابية بدقة 0.1 درجة، أي نحو عشرة كيلومترات.

وتوضح الدراسة أن هذه المحاكاة تجربة مضبوطة لقياس اختلاف استجابة أنواع السطوح تحت الظروف الجوية نفسها، وليست وصفاً مناخياً طويل المدى أو خريطة محلية تفصيلية للأحياء.

فاس وسلا وأكادير.. حين يسرّع الإسفلت حركة المياه

في فاس، أظهرت محاكاة جريان مياه الأمطار في المدن المغربية أن نسبة الجريان فوق السطح الحضري تتجاوز نظيرتها فوق الأراضي الزراعية الغالبة بنحو أربعة إلى ستة أضعاف خلال المواسم الممطرة.

ويعرض الجدول الموسمي نسبة تبلغ 1.7 في المائة داخل المجال الحضري في الخريف مقابل 0.4 في المائة فوق الأراضي الزراعية، و2.1 في المائة مقابل 0.7 في المائة شتاءً، ثم 2 في المائة مقابل 0.5 في المائة ربيعاً.

ويحتاج سقف «ستة أضعاف» إلى عرضه منسوباً بوضوح إلى تفسير مؤلفي الدراسة؛ فالقيم المدورة المنشورة في الجدول تعطي، عند قسمتها مباشرة، فروقاً تقارب ثلاثة إلى 4.25 أضعاف في الفصول المطيرة الثلاثة.

ولا يلغي ذلك الاتجاه العام للنتيجة، لكنه يمنع التعامل مع الرقم الأعلى كقياس ميداني دقيق لكل موسم.

وفي سلا، خلص الباحثون إلى أن النسبة الحضرية ظلت أعلى بنحو ثلاثة إلى خمسة أضعاف من المراعي والأراضي الزراعية المحيطة.

وخلال الخريف، سجل النموذج 3.6 في المائة فوق السطح الحضري، مقابل 0.8 و0.9 في المائة فوق الغطاءين المجاورين، بما يعكس تراجع قدرة الأرض على امتصاص المياه بعد تغطيتها بمواد غير منفذة.

أما أكادير فسجلت خلال الخريف أعلى نسبة حضرية بين الحالات الموسمية الممطرة المعروضة، بواقع 11.6 في المائة، مقابل 3.1 و3.6 في المائة فوق الغطاء الأرضي المقارن. ولا تعني النسبة أن فيضاناً سيقع حتماً، بل تقيس حصة المطر التي تتحول إلى جريان سطحي داخل النموذج.

خنيفرة والفنيدق.. التضاريس تضاعف أثر العمران

وضعت الدراسة خنيفرة ضمن أكثر الحالات قابلية للسيول المفاجئة في العينة، وربطت ذلك بارتفاع المدينة الذي يقارب 900 متر، وموقعها على ضفاف أم الربيع، وإحاطتها بأحواض مرتفعة وشديدة الانحدار تستطيع دفع المياه بسرعة نحو المناطق المبنية.

ووفق التفسير الذي قدمه الباحثون، ظلت نسبة الجريان الحضري أعلى بنحو ضعفين إلى خمسة أضعاف من الغطاءات الأرضية المجاورة، مع اختلاف الفارق بحسب الفصل ونوع السطح المقارن.

وفي الفنيدق، بينت محاكاة جريان مياه الأمطار في المدن المغربية أن نسبة الجريان فوق السطح الحضري بلغت 1.9 في المائة خلال الشتاء، مقابل نحو 0.2 في المائة فوق السافانا والمراعي المحيطة.

ويزيد من حساسية المدينة تمركزها في شريط ساحلي منخفض ومحدود المساحة، تحيط به أحواض قصيرة وشديدة الانحدار قد تولد جرياناً سريعاً خلال العواصف، في وقت تضيق فيه المساحة المتاحة لتصريف المياه.

وسجلت تطوان بدورها فارقاً لافتاً: 2.8 في المائة داخل المجال الحضري في الخريف مقابل 0.6 و0.7 في المائة فوق الغطاء النباتي المقارن، و2 في المائة شتاءً مقابل 0.2 في المائة.

وأرجعت الدراسة حساسية المدينة إلى وجودها في واد ضيق بين سفوح الريف وسهل وادي مرتيل، حيث تجتمع الأمطار المعززة بالتضاريس مع الجريان الحضري.

وفي طنجة، بلغت النسبة الحضرية 4.3 في المائة خلال الخريف، مقابل 1.4 و3.5 في المائة فوق نوعي الغطاء النباتي المقارنين.

واعتبر الباحثون أن الأحياء المنخفضة تواجه قابلية متوسطة إلى مرتفعة للسيول المفاجئة، بسبب ارتفاع التضاريس من الخليج نحو المدينة القديمة وتجمع المياه في الأجزاء السفلى.

وسبق أن أظهر تقرير أوروبي تابعه MarocActu24 وجهاً آخر لأثر المياه الزائدة، بعدما رصد أضراراً محلية لحقت المحاصيل بسبب فيضانات منطقة الغرب، بما يعكس انتقال الضغط المناخي بالمغرب بين الجفاف والتساقطات القوية الموضعية.

اقرأ أيضاً | فيضانات الغرب وتوقعات الحبوب بالمغرب في تقرير أوروبي حول الإنتاج الزراعي

مدن الشمال في مقدمة أولويات الوقاية

وبشأن جريان مياه الأمطار في المدن المغربية، خلص الباحثون إلى أن مدن الواجهة المتوسطية الشمالية تستحق أولوية في البنيات التحتية لتدبير مياه الأمطار والتخطيط المقاوم للفيضانات، لأن أمطار الخريف والشتاء المرتفعة نسبياً تتزامن فيها مع أكبر الفوارق بين الأسطح الحضرية والغطاء النباتي.

وذكرت الدراسة طنجة وتطوان، إلى جانب مدن أصغر مثل المضيق وشفشاون والفنيدق والحسيمة والناظور، واقترحت دمج الأرصفة المنفذة للمياه، ومناطق التسرب، والأحزمة النباتية، وممرات الصرف المزروعة داخل النسيج الحضري.

وتهدف هذه الحلول إلى إبطاء حركة المطر ومنحه وقتاً أكبر للتسرب، مع تكييف التصميم مع قدرة التربة المحلية وشبكات التصريف وموارد المياه.

لكن الباحثين شددوا على أن تقدير قابلية كل مدينة للسيول بدقة يحتاج دراسات إضافية تشمل أمطار كل عاصفة على حدة، ومسارات تدفق المياه، وقدرة شبكات الصرف.

لذلك لا تسمح المحاكاة الحالية بالحكم على جاهزية قنوات التطهير أو مستوى الخطر داخل حي معين.

أثر العمران يمتد إلى الحرارة والكربون

لم تتوقف الدراسة عند دورة المياه، بل رصدت أثر العمران في حرارة سطح الأرض والإنتاجية النباتية. وأظهرت المحاكاة احتراراً حضرياً عاماً في الشتاء، مقابل مفارقة صيفية في عدد من المناطق، حيث تصبح الأراضي الريفية الجافة أشد حرارة من المدينة.

وسجل أقوى «حوض برودة حضري» بقيمة ناقص 0.39 درجة مئوية في قلب طنجة، فيما بلغ الحد الأدنى ناقص 0.31 درجة في جهة مراكش آسفي.

وفي ملف الكربون، قدّر السيناريو الذي يعيد توزيع الغطاء النباتي بصورة تناسبية خسارة محتملة تبلغ 51 ألف طن من الكربون سنوياً، أي قرابة 3.5 في المائة من الإجمالي المحسوب.

وارتفع السقف إلى 120 ألف طن، أو نحو 8.2 في المائة، في سيناريو افتراضي يفترض أن العمران حل محل أكثر أنواع الغطاء النباتي إنتاجية.

ولا يمثل الرقم الأخير حصيلة مرصودة على الأرض، بل حداً أعلى داخل تجربة مضادة للواقع وضعها النموذج.

نتائج للتخطيط وليست إنذاراً جوياً

تكمن قيمة الدراسة في عزل أثر السطح الحضري: عندما تحل مواد صلبة محل التربة والنبات، تتراجع قدرة الأرض على تخزين الماء وتسريبه، ويرتفع جريان مياه الأمطار في المدن المغربية حتى عندما تظل كمية المطر نفسها.

ويصبح الأثر أشد حين يقترن العمران بساحل منخفض أو منحدرات وأحواض قصيرة توجه المياه سريعاً نحو الأحياء.

ومع ذلك، فإن اعتماد سنة مرجعية واحدة هي 2010، وشبكة تبلغ نحو عشرة كيلومترات، يعني أن النتائج لا تحدد موعد فيضان مقبل ولا حجمه، ولا تعكس بالضرورة التوسع العمراني أو تحديثات شبكات الصرف بعد ذلك التاريخ.

إنها إشارة تخطيطية قوية تستدعي خرائط محلية أدق، لا بديلاً عن الرصد الجوي أو الدراسات الهيدرولوجية الميدانية.

وبذلك تضع الدراسة جريان مياه الأمطار في المدن المغربية داخل معادلة تتجاوز كمية التساقطات وحدها: طريقة بناء المدينة، ونسبة الإسمنت والإسفلت، والحفاظ على الممرات النباتية والطبيعية، كلها عوامل تحدد مدى سرعة انتقال المطر من السماء إلى الشوارع والأحياء المنخفضة.

النص الكامل للدراسة بصيغة PDF

المعرّف الرقمي للدراسة DOI

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version